تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشبيليا – باريس – 2019

الطاهر الوالي يرفع يديه بالدعاء *
إشبيليا الجبوري
عن الفرنسية أكد الجبوري
منذ الاثنين الماضي٬ كانت متابعتي… وسنين مررت بنشيدها٬ دوت شوارعها صرخة٬ جميلة بوحريد وهي تجوب تتفاوض. شهرها الجزائري من سأم “الطاعون” وتعايش “سيزيف”٬ صرخة نالها الكفاح تعايش عصرها متأخرة تتجدد٬ وأهلته لأمل جديد فكان حلم أصغر من نالها من ابناء الجزائر٬ وتقوم به ليكبر على أسطورة سيزيف٬ متمردا لا عبثيا٬ منتظما خلاقا. حضورك أولا وإن غاب العرب. حضورك أولا وإن بينك وبين العالم المسافات٬ حضورك أولا وإن أختلفت اللغات. كن حاضرا بدمك وأحتضن المورسكين الهاربين من محاكم التفتيش. وأنتشر أبناءا من أجل التحرير من الساحل لعمقك المستباح في الصحراء. واختر ما تحتم الوطن فيك: “النجوم في السماء والقيم الاخلاقية في صدرك”.

تأهل بكفاحك وصحبة شهداء دربك٬ الجنرالات عبث٬ أكبر أنت بدمك فكان أصغرمن نالها من الأباء لك٬ و(كاتب ياسين٬ ومالك حداد٬ والطاهر وطار٬ محمد ديب٬ أسيا جبار..) كفاح فكرة عظيمة من الادباء. قم وأنشأ جرحك مع الكفاح وتولى٬ أحصد جوائز روح الجزائر عفة نابعة٬ أن تتعدد روافدها بنفسها عن نفسها٬ كما كان دم الاستقلال يقول .

الشوارع التي أنت في سبيلك لقراءتها ومعرفتها هي بعض الأزقة والحكايات الطريفة الأكثر شقاءا وجلاء في كل المدينة. أنها حكايا الحارات٬ العواطف الجامحة٬ اطراف الوجدانية الإنسانية بكل جدرانها٬ مشربياتها. الوجوه بكل أنواعها غير المحدودة: الزنى٬ والإغواء٬ والرهق في المحارم. محشورة بأصوات الأغتصاب٬ والتمثيل في الجثث٬ والانتحار٫ والتعذيب٬ والتضحية٬ والجريمة. ومع ذلك٬ فأن لكل بيت وزقاق وشارع قصة من هذه القصص مأخودة بشكلها المباشر من صفحات الحرب.

شوارع٬ خطى٬ حكايات٬ أحزان تتضمن واجهات هامة من التعاليم الأخلاقية٬ المنطلقة من الأفواه المكلومة٬ ويتضخم هذا الوجع لكي يضم نحو النكبات الماضية٬ فعل ولم يفعل. وبسب ذلك٬ فأن دموع قليلة جدا لا يجدها الرائي نهارا التي هي عمليا متسربلة بملف يوميات خيالية منزوية مسروقة٬ وخرافات٬ وتواريخ لصور حدادهم٬ ونواح. تجد صفعات لقضايا تدرء قانون خيالي موهوم٬ جرافات قافلة الموت المستمر٬ تزوير تواريخ وأعلانات٬ وسياسة٬ ودعايات٬ وشعر٬ وصلاة٬ ومأذن تصدح٬ وأخلاق تزف بمسروقات جديدة٬ وقواعد صحبة صحية “صالحة للتبول”٬ وبيانات عن تكتيكات عسكرية٬ ونصائح بأتباع الحمية٬ وتعاليم بشأن نجارة التوابيت٬ وارشادات عن غرف الاستثمارات والتجارة٬ بين أشياء أخرى كثيرة غيرها٬ في الخفاء والعلن. تناقضات حراك الأجواء ثقافة الشوارع في الجزائر.

فأن المدينة يشوب أهلها كنز من القصص التي تصف المتناقضات من الألم٬ حياة الرجال والنساء الذين كانوا بشرا حتى النخاع٬ الذين يمكن القول أنهم كانوا الضحية٬ مشوشين٬ ومتصارعين٬ ومتعذبين وملتوين٬ ومهانيين ومعارضين لضعيف الإرادة والجسد٬ وفاشلوا الروح النبيلة كثر٫ فساد كأي شخصية من ” عبث المقامر” كأي هم من هموم وجوه دويستويفسكي٬ وهوميروس وسوفكليس وإرتوستينس واريستوفان وهسيودوس٬ أو من شخصيات الطاهر وطار و نجيب محفوظ وحنا مينة٬ أو أي قصيدة من قصائد السياب٬ أو كفافيس وأمل دنقل٫ ونجيب سرور٬ وصلاح جاهين عن متاعب الحزن المتوجعين والمعذبين والمعرضين لهزولة الجسد وسوداوية الروح٬ شخوص مترعة بالآلم في الحياة٬ ممزقي الثياب٬ و ملخصات لأشخاص من الأزقة لها في ألسنتهم زمنهم المستمر من العذوبة ألم فقدانهم. أنها مشاركة تذميم وتسدد ضربات عذابات هائلة. أننا في زمن الآفاقين٬ زمن الصمت غير المستقيم٬ أنه زمن يتجاوز ما تسمح به النفس البشرية عفة الروح.

وردة فعل المارة الذين لا يعرفون الكارثة من الوعظ العام٬ أو من دروس الحرب الأهلية هو السؤال: “هل تعني أن ذلك من موت الدولة أم الثورة؟” وحتى المارة الذين يظنون أنهم يعرفون الحرب لا يستبعد أن يكونوا غير مطلعين بصورة حسنة على هذه القصص على وجه التحديد٬ لأن رجال الاعمال والمال٬ والمسؤلين المرتبكين قد سعوا جهدهم لإخفاء اللغة الواضحة في اقوال أهلها٬ أحزانهم٬ مواجعهم المخبؤة٬ أشواقهم الأصيلة المضمرة خلف الكنايات المشوشة٬ أو خلف التأويل الممجوج٬ والنظرات والأهوال السيئة.

ومع أن الأوجاع شوق محفوظ مقدس للألباب النبهة٬ فإن البعض من الهموم قصصها الأكثر اثارة عن خشيةمن نشوب الحرب الاهلية٬ غير أن هذا الخوف قد منع تصوره بصورة تامة٬ ليس من قبل رجال الأمن والدين٬ بل من الناس الذين لم يكونوا مرتاحين أبدا في استذكار القول لأعتباهم ما الذي حدث في زمن الحرب من النظام السابق حقا؟ زمن التجريف٬ زمن يكون فيه المتكون البشري لديهم ممتحن بأنطباع الجلاد وأثر في التصفيات والاخفاء القسري٬ يتقافز هنا وهناك للسامع مفردات عن توجس الحرب الأهلية٬ غير أن٬ في معظمها تراكم مكلومات الاحزان٬ اقوالها جافة الوعظ٬ وهي تحمل قائمة طويلة من التسويفات التي تدين كل السلوك الإنساني بأستثناء نطاق ضيق منها. أنها ثوب أسود/ابيض مخرم مع القليل من الكلام يقال عن دموع الرجال والنساء الارامل والاطفال اليتامي والمعاقين المنزويين في الزنازين٬ الذين كانت حياتهم أكثر بؤسا مما نتخيل أن الحب يسمح به.

ولكن٬ والحق يقال٬ أن الشوارع بأصحابها تقدم بعض الاستبصارات المدهشة التي قد نتذكرها بصورة نافعة عندما نواجه أعسر القضايا أو الحلول في معاشرتنا الراهنة٬ بدءا من الجدل بصدد الاجهاض٬ إلى البحث عن السلام في أشرف أحزانهم٬ ومن الفضاء والزمن إلى أحزان الإنسان العائمة.

أغلب المشاكل المؤثرة والحيوية للمدن٬ موضوعها٬ إنما تعتمد على حل مشكلة “الكرامة الإنسانية”؛ الحق٬ العدالة٬ المساواة٬ الحرية. حل مشكلة الفقر والتعليم والصحة والعمل وكيف يرتبط أولويات أحدهما بالآخر. لذلك فهي إناسية وتاريخية بالدرجة الأولى في أهتمامها. إنه الهدف إلى إظهار كيف حقق البشر إنسانيتهم٬ من ناحية إحراز إدراك أكمل لمكانتهم الخاصة في الحرية والأخاء والمساواة. كيف أكتسب الجزائري في الوطن هذه البصيرة الأكمل للفضيلة في الكفاح٬ ما يتعين عليهم دائما أن يتذكروا أنهم لم ينشأوا فقط من المملكة الدون ـ بشرية٬ بل ظلوا أيضا جزءا منها في الوقت نفسه٬ في أثناء ما قبل المدنية ـ الاستبداد والاستعمار ـ أصبحوا نوعا خاصا جدا من المسافات مع التنمية البشرية. بالفعل٬ هذا هو السبب٬ برأي (قال أحد النقابين)٬ في أن ما قبل هذا التاريخ يستحق العناية المكثفة. بما أنهم لم يحرزوا سوى فهم أكمل لمكانتهم في الكفاح في سياق التطور العام لثقافتهم٬ عن الاجيال٬ سيكون من الملائم أن يعالجوا المسألة تاريخيا٬ بدءا بظهور مشكلة إستلاب واغتراب العاقل وأنتهاء بالتجمعات العارفة بالعلم والتعليم الحديث. كما قالها (أخر) في نهاية كلمة التي ألقاها عند ناصية شارع مركز العاصمة أمام حشد شباب وأعضاء صالونات ثقافية وشغيلة٬ فإن الفهم الأشمل للأبعاد التي يكمن كفاحهم لأجله مستمرا٬ أن يثابروا ويبنون مستقبل أفضل الاجيال٬ نقاء وجدانها الداخلي والعملي ضمنها٬ إنما كفاح ذا قيمة تكيفية عالية في تطور المجتمع الجزائري على وجه الخصوص المناطق والمدن المهمشة.

إذ هناك الكثير مما يدين به وجدانيا٬ حيال مدى اعتمادهم في أعمالهم المتنوعة على ثقافة الأخرين الذين تفوق خبرتهم المحددة معرفهم في ميدان تخصصهم. ما نوه بهم بصورة ملائمة في هوامش هذه المدينة. بل أعربوا عن أمتنانهم العظيم لأجدادهم٬ لما قدموه من جهد وتشجيع عن الشكر٬ و الوعظ على صبرهم في البناء٬ تطلب أخذ الدم المحمول في الساحات مرارا يصعب حصر آلامها٬ فاقهم فيها صبر أنجاز استقلالها٬ حيث أتاح لهم الوقت الكافي لإنجاز هذا الاعمار على عملهم في هذا الأخاء والحق والعدل والمساواة.

المترجمة د. أكد الجبوري

فجاءت الأيام ليشارك الذميم حياة الضيق ولا يقبلون٬ وهم في عليائهم٬ أدنى درجة من السلوك الاخلاقي طبيعة٬ بل أنها تشجع مساحة معينة من هذه المثلمات البشرية٬ أن تكون النوح العاري لشقاء الدم الدائم لعامة الشعب. أنها رحلة تعلن عن نهاية مداها لراكبيها في رقمها السري ختم بطاقاتهم للنزول.

نأمل أن يحيا دور المثقف العضوي الجزائري جدية مساهمته٬ والتنبه من الاختراقات بمزج الافكار لشعارات احتراب “الاشعرية والمالكية”٬ وذهاب يقفز إلى ابعد٬ لعب الوتر الخارجي في وسيلة “النفط الامازيغي”!!.

غير أننا نسمع أصوات تردد لشاعر الثورة الجزائرية الخالدة (سليمان بوجناح) أو ما لقب به (بمفدى زكريا)٬ مؤلف النشيد الوطني الجزائري “قسما”؛ النشيد الوطني الجزائري٬ نشيد العلم٬ نشيد الشهيد.

من القلب الف تحية ظافرة للشعب الجزائري٬ أملين لهم الاستمرار بربيع حقيقي٬ ملموس!!

أكد الجبوري ـ الجزائر
30.03.19

ــــــــــــــــــــــــ
* عنوان رواية٬ لرائد الروائية الجزائرية الطاهر وطار. [ ومن أشهر رواياته: اللاز ـ 1974 ٬ الزلزال ـ 1974 ٬ الحوات والقصر ـ 1975 ٬ عرس بغل ـ1978 ٬ الوالي الطاهر يعود مقامه الزكي ـ1999 ٬ الوالي الطاهر يرفع يديه بالدعاء ـ 2005 ٬ و..الخ .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"