الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » لؤي حمزة عبّاس : ساكنو المصابيح

لؤي حمزة عبّاس : ساكنو المصابيح

إشارة:
المبدعون الكبار لابُدّ أن تكون لديهم أرواح إنسانية كبيرة. بين وقت وآخر ترسل إلينا المبدعة الكبيرة ميسلون هادي نصّاً لزميل مبدع آخر قرأته فأعجبها ورأت أن تساهم في نشره على نطاق أوسع. عن هذه القصة للمبدع لؤي حمزة عباس أرسلت ميسلون هذه اللمحة مع النص:

عزيزي دكتور حسين

قرأتُ هذه الرائعة من خيالات القص العراقي في كتاب (مرويات الذئب) للؤي حمزة عباس، فأحببت أن يطلع عليها القراء من خلال موقع (الناقد العراقي) المحتفي بإبداعات وروائع الكتاب في العراق والوطن العربي.
سلامي واحترامي
ميسلون

ساكنو المصابيح
لؤي حمزة عبّاس

وحده يعرف أن ثمة أناساً يسكنون المصابيح. أناس بحجم ساق الدودة أو أصغر، يعيشون حياتهم في المصابيح. ينامون حالما تُطفأ مصابيحهم ويستيقظون فور أن تُضاء. يحلق الرجال ذقونهم كلَّ صباح، وتتزين النساء زينةً خفيفةً، إنهم يستعدون للذهاب إلى أعمالهم قاطعين شوارع تزدحم في أوقات الذروة حتى تتعطل حركتهم وتضيق صدورهم، فيلعنون الحياة في المصابيح. ـ حياة خانقة. يعلو صوت أحدهم، أحياناً، فينظر الآخرون نحوه بعيون زادتها الدهشةُ اتساعاً، إنهم يدركون أن لا حياة بديلة لمن يحيون داخل المصابيح، ويفكّرون بأوقات طفولاتهم الرخية، وقد ركضوا خلالها على مساحات خضر فسيحة لم يعد لاستعادتها سبيل، لحظات التفكير العابرة تلك وسيلتهم في تجاوز الأوقات الصعبة، من أي نوع كانت. يعرف عنهم أشياءً بعضها غريب مثل قصر أعمارهم التي لا تتجاوز الخمسة عشر يوماً، وولادتهم بغير أعضاء تناسلية. أعضاؤهم التناسلية تنمو بعد اليوم العاشر من أعمارهم، كما يعرف أنهم يأكلون لحوم حيوانات الضوء السارحة وثمار أشجاره. في طفولته ركل كرةً جلديةً كما يركل الأطفال جميعاً الكرات من كلِّ نوع، فحلّقت عالياً، ليس عالياً جداً، كان علواً كافياً لكي تصطدم بمصباح الشارع، انفجر المصباح على الفور، وشاهد من مكانه ذرّات الضوء تتساقط مثل ندفٍ دقيقةٍ من الثلج، وسمع صوتها وهي تستغيث، فعرف، منذ ذلك الوقت، أناس المصابيح، ومنذ ذلك الوقت أخذ يجمع المصابيح المحترقة، فاحتراقها لم يعد يعني، بالنسبة له، موت ساكنيها واختفاء حيواناتها وأشجارها، إنهم لا يموتون ولا يختفون، بل ينامون تحت رمال الظلام جرياً على عادتهم كلما أُطفئت مصابيحهم .. يعرف أيضاً إنهم بلا ذاكرة، من الصعب تصوّر الناس الذين يعيشون في المصابيح قادرين على إستعادة ما مرّ بهم، أو الحنين إلى أوقات كان العالم فيها فسيحاً، والأشجار عالية، والنهارات أكثف ضوءاً.. يحتفلون كلما اصطادوا غزال ضوء كأنه أول حيوان يصطادونه، ويفرحون وهم يتذوقون لحمه كأنهم لم يذوقوا لحماً من قبل. في ساعة متأخرة من ليلة طويلة باردة عاوده الشعور بالوحدة ـ غالباً ما يعاوده في أخريات الليل ـ كان واقفاً تحت مظلّة قوسية مضلّعة بانتظار سيارة أجرة، إنفجر مصباح المظلّة فجأة، شعر بالخوف وأحسَّ بارتجاف يده اليمنى، خشية أن يكون انفجار المصباح انذاراً بانفجار أكبر، أو هكذا خُيّل له، اقترب منه واضعاً يده المرتجفة تحته، فسقطت ذرات الضوء على راحته، أحسّ بحرارتها الخفيفة وسمع أصوات أناس يستغيثون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *