حنون مجيد: الطريق إلى الحرية (قصة للأطقال)*

*(عن فكرة قديمة)
بعيداً عن قريته ، فرش الصياد شبكته على الأرض وغطاها بلحاف من التراب .. عندما أيقن أنها أختفت تماماً عن أعين الطيور، نثر عليها كمية من الحبوب وكمن  داخل كوخ صغير أقامه في مسافة غير بعيدة عن الشبكة وجعل ينتظر الطيور ويراقب هبوطها من خلال ثقب صغير أحدثه في جدار الكوخ .
كان الصياد قد ربط نهاية شبكته بحبل طويل ينتهي عند كوخه ويستطيع أن يسحبه اليه وقتما يشاء .
لقد حل المساء ، وهاهو يشاهد الطيور تهبط على شبكته الواحد تلو الآخر وتلتقط حبوبه في حذر مخدر بجوع شديد .

شع في داخل الصياد فرح كبير .. سيكون صيده هذه الليلة عدداً وفيراً ، فيا له إذن من صياد سعيد .
لحظة شاهد أرض الشبكة تمتلئ بالطيور ، جذب الحبل بقوة فانطبقت الشبكة على صيده الثمين .
غادر الصياد كوخه مسرعاً إلى شبكته وجعل يلتقط الطيور واحداً واحداً ويجمعها في كيس كبير .
في داره الواقعة في الطرف الأقصى من القرية ، وضع الصياد طيوره في قفص كبير له فتحات ضيقة لا تسمح لطائر مثلها بالهرب ، وبدأ ينثر لها الحبوب مجدداً لكي تسمن فتجلب له مبلغاً كبيراً عندما يذهب بها إلى السوق .
أقبلت الطيور على طعامها ، إلا واحداً ظل معرِضاً عن الطعام ، منطوياً على نفسه ، معتزلاً عالم أقرانه “البلهاء”!
بينما كانت هذه الطيور تأتي على طعامها وتسمن كثيراً ، كان هو يهزل ويصبح أصغر حجماً مما كان عليه سابقاً .
يراقب الصياد طيوره ، ويعجب من أمر هذا الطائر الغريب .
–    طائر لا يختلف عن غيره من هذه الطيور في اللون والشكل والجنس ، لكنه
غريب في طبعه ، عنيد في سلوكه حتى أنه لم يأكل حبة واحدة منذ أربعة أيام ..سيموت قبل أن أذهب به وبجماعته إلى السوق .. أنظري كم هو ضعيف وهزيل .
هكذا كان الصياد يخاطب زوجته ويهيء نفسه لمغادرة قريته غداً لبيع طيوره في سوق المدينة الكبير .
في صباح اليوم التالي ، أستيقظ الصياد مبكراً وألقى نظرة على طيوره فلم يجد بينها ذلك الطائر الهزيل .
نقّل نظره مرة بعد مرة يبحث عنه في أرجاء قفصه ، فلم يجد له أثراً هنا أوهناك .
حزن الصياد وهو يجمع طيوره في الكيس ، وراح يفكر في الطريقة التي أختفى فيها الطائر ذاك.
“يا الهي” ! …. صاح في وجه زوجته التي أذهلها أختفاء الطائر ، وهاهي تشارك زوجها حزنه وحيرته .
قالت :
–    ما الأمر ، عساك وجدت شيئاً جديداً ؟
قال :
–    نعم ياعزيزتي .. لقد فعلها ذلك الطائر العجيب .
سألت المرأة زوجها في دهشة بالغة :
–    كيف ؟
رد عليها :
–    ألا تعرفين كيف ؟
قالت :
–    لا والله .. لقد حيرني هذا تماماً .
أشار عليها قائلاً :
–    فكري جيداً وستعرفين .
جعلت المرأة تفكر ، وتذهب في التفكير بعيداً ، ثم هتفت :
–    آه .. يا زوجي الطيب ، لقد عثرت عليها .
–    كيف ؟ سأل الصياد وفي نفسه فرح خفي .
أجابت :
–    لقد أضرب ذلك الطائر المدهش عن الطعام حتى
هزل من الجوع ، وصار بحجم عصفور . وبذا
نجح في النفاذ من فراغ شبكة القفص  لينال حريته ،
وهناك في عالمه الحر يستطيع أن يأكل ويشرب ما يشاء .
خاطب الصياد زوجته :
–    حقاً لقد أكتشفتِ السر ، أهنؤكِ على هذا الأكتشاف الذكي .
ثم أردف وفي عينيه نور فرح جديد :
–    إذن ماذا تقترحين الآن ؟
قالت ووجهها يقطر سعادة وحلاوة :
–    لنطلق الجميع .. لا سوق هذا اليوم.. ولابيع ولاشراء .
–    إلى الحرية إذن .. إلى الفضاء المفتوح .. إلى حيث كلٌّ
إلى عالمه الجميل  .
هتف الصياد بذلك عالياً ، وهو يفرغ كيسه من طيوره الحبيسة ويطلقها إلى الفضاء الواسع المديد .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الجبار الجبوري : تعالي أمرّغُ قصيدتي بترابِ نعليّكِ .

مررّتُ قُرب مزارِها، فآرتجفتْ نخلةُ قلبي، ونزَلتْ دمعةُ أيامي، على أديم روحي، روحي المعلّقةُ بسماء …

| د. ميسون حنا : أنين .

رضوض بسيطة ظهرت عليه إثر سقطته، عولج منها، واستُبدل المقعد بآخر أفضل من سابقه، المقعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *