حسين سرمك حسن: “هيفاء بيطار” وجماليات السرد الضاري (الحلقة الأخيرة)

وهناك – كما يقول معلم فيينا – لوحة للفنان ” فليسيان روبس ” تفصح على نحو تعبيري موح لا يجاريه  فيه أي شرح وتفسير عن تلك الحقيقة التي نادرا ما تسترعي الانتباه مع أنها جديرة بأن تأسره : فقد صوّر الفنان حالة الكبت النموذجية لدى القدّيسين والزهّاد . راهب متنسك هرب من إغراءات الدنيا وتجاربها بدون أدنى شك – إلى جذع الصليب الذي عُلق عليه ( يسوع ) المخلّص – فإذا بالصليب ينخسف وكأنه طيف وتنتصب مكانه وكأنها لسان حاله وترجمانه صورة باهرة لامرأة عارية رائعة الجمال أخذت وضع المصلوب عينه . ولما أراد رسامون آخرون ، ما أُتوا مثل هذا الحس السيكولوجي المرهف أن يشخصوا إغراءات التجربة ، صوّروا الخطيئة في وضع تحد وانتصار إلى جانب المخلّص المصلوب . أما ” فيليسيان ” فقد أدرك أن المكبوت ينبجس لدى عودته من داخل السلطة الكابتة نفسها ” .وليس أدق من هذا الوصف ما حصل لنازك وهي تجسر – بعد عذاب تردد وصراع تحسبات – على مقابلة الكاهن العجوز المشهور بكتبه ومقالاته وبتأثيره الساحر والفوري في تهدئة النفوس المعذبة الممزقة وقيادتها إلى بر الأمان والإيمان ، الكاهن الذي كانت تجمعه مع والدها صداقة تعود لأيام الشباب حين جمعهم العمل في الجمعية الأرثوذكسية . في صالة الانتظار قبل المقابلة وباب خشبي فقط يفصلها عن هذا الرمز الديني تتذكر رعشة القبلة الأولى اللاهثة الوجلة التي تبادلتها مع زميل لها في رحلة جامعية : ” قبلة ساحرة لا يمكن لها تذكرها ما لم تستعد يذاكرتها روائح الأرض والعشب المندى وثغاء خروف بعيد ، وهسيس أغصان الأشجار . أحست بالخجل كونها تنتشي بخيالاتها العاطفية وهي على بعد دقائق من موعدها مع القديس – ص 81 ” . هاهي تقف مضطربة في حضرة الكاهن لتطرح كارثتها أمامه : مسيحية تحب مسلما معها في الجامعة وتريد الزواج منه !!! اعترفت وبكت وسمعت توجيهاته وأطاعت وامتلأت روحها الصغيرة بالندم وغسلتها بالدموع : ” قام إليها يحضنها ويقول لها : نازك يا طفلتي لا تعذبي نفسك بالندم ، سأصلي من أجلك .. ” وهنا ، وعندما يحتضنها الكاهن العجوز ، وهي في موقف التكفير الخاشع المثير للرهبة ينبجس المكبوت الآثم :” كان وجهها مدفونا بلحيته أمكنها رغم تماهيها في هيمان كلماته أن تشعر بقوة قبضتيه تشدّانها إلى صدره ، ولم يفتها وقتها سماع سؤال خبيث انبعث من مكان ما في فضاء الغرفة ، كأنه فقاعة صابون انفجرت لتوّها : ألا يشعر هذا القديس بمتعة وهو يحضنها ؟ .لكنها طردت بقسوة هذا السؤال الذي اعتبرته همسا شيطانيا – ص ص 85 و86 ” .                                                                                       ” لقد زارت امرأة – والقول لمعلم فيينا – تشعر بدوافع غريبة راهبا للاعتراف ثم قدّمت له هدية فلم يشكرها ، فغضبت ولكنها بدأت تحس بميل جارف نحوه تطور إلى حبّ يدفعها إلى البحث عن الراهب للتحدّث إليه ( تذكّر حكمة نازك في أن الكره والحب وجهان لعملة واحدة ) . سافرت أكثر من مرة لتتخلص من هذا الميل فهي امرأة تحب زوجها ، وحاولت مقاومة هذه المشاعر لكن عبثا . وحدث أن مرت من أمام بيته فدخلت وصعدت السلم من غير أن تعرف ماذا ستفعل ، ثم قامت بزيارته أيام أعياد الميلاد وحدث أن تقارب رأساهما فلم تستطع الامتناع عن أن تلمس بشفتيها رقبة ذلك الرجل المسكين الذي ألقى إليها بنظرة مندهشة ولم ينبس ببنت شفة . فعادت إلى بيتها مضطربة أشد الاضطراب وهرعت في اليوم التالي إلى الاعتراف . لقد كانت هذه القصة هوى غراميا نما لدى امرأة ورعة وشريفة شديدة الحرص على سلامة ضميرها . لقد ارتبطت فكرة الراهب منذ طفولة هذه المرأة بفكرة المقاومة ضد الغريزة . فقد كان هناك تداع بالتضاد يصل بين تصور رجال الدين وبين تصوّر الغريزة ، وكثيرا ما يحدث في مثل هذه الحال أن ينغمر الكابت بالمكبوت ، وأن تصبح أداة الكبت ، مع الأيام ، مثيرا جديدا للجنس . إن حب هذه السيدة للراهب هو العودة الظافرة للغريزة الجنسية الطفلية من خلال تصورات الكبت الدينية ” .وهذا ما عانته نازك . وهي معاناة تتكرر كثيرا في حياتها . ففي تجربة حبها الثانية مع الشاب الذي يصغرها بثلاث سنوات ، أخو صديقتها ، ذي الرجولة المتفتحة والقوام الممشوق والعضلات المتينة ، والذي حين انحنى وكشف شق قميصه صدره الفتي تكسوه الأشعار السوداء ، اخترقها سهم حارق شطرها نصفين ( والسهم الحارق الذي يشطر يتكرر في الرواية ) . وفي أثناء صلاة الغروب –  والكاتبة تتحدث عن ذاتها – بطلتها  بضمير الغائب الذي يتيح لها الحرية في التحدث عن ذاتها كما تقول في حين هي ، أيضا محاولة لإسقاط المشاعر الآثمة – واللعب على الضمائر سمة حكائية خلاقة في هذه الرواية – تصف احتدام مشاعرها الجنسية في المكان الذي يحضرها ويعمل على تطهير روحها منها : ” كانت تقف في الصف الأخير في كنيسة الدير ، تتحرق شهوة لجسده المتناسق الذي كان محصورا في قميص قطني ضيق ، وبنطال جينز أسود ، وحين ركع على عارضة المقعد الخشبي واتكأ بمرفقيه على مسند المقعد أمامه ، انحسر القميص كاشفا مساحة من ظهره الأسمر ، تمنت بكل شوقها الدفين لو تداعب بحنان تلك المساحة الساحرة من جسده – ص 39 ” .                                                                                                             بهذه الحركة التبصصية – والإبداع كلّه تبصّص – تحاول التنفيس عن رغباتها المحاصرة بقبضة القمع . ثم تنصب كمينا لهدفها – الشاب المراهق ، هي الأخت في فرقة المحبة التي تقص على الأطفال معجزات المسيح ، ” وحين كانت تفتح عينيها السابحتين في النشوة ، كانت تلمح حبيبها الأول يتعبّد محاربا طيفها في أحد أديرة اليونان . كانت تشعر بسخرية شديدة منه ، وتعطي نفسها بزخم أكبر للشاب الذي خرقت عذرية جسده ، ودعته لخرق عفتها الزائفة – ص ص 40و41 ” .                                                                                               وفي وقفة محسوبة تعود بنا الكاتبة إلى رواية محنتها الحاضرة مع كاتب البلاد وعصبته من الذكور ، خصوصا ذكور الثقافة الذين يكافيء قلمهم قضيبهم ، فتعرض علينا نماذج بالغة الخسّة والدناءة . فهذا محرّر في المجلة الثقافية الأكثر شهرة وفي عقده السادس يهاجمها في مكتبه الرسمي ويحاول افتراسها . وهذا مثقف طبع أكثر من خمسة عشر كتابا يطلب منها وهما عاريان وفي أكثر اللحظات حميمية ، أن تساعده ماديا ، في حين كانت أصابع يمناه تداعب عقدها الذهبي الثخين المحيط بعنقها . وهذا ثالث متغطرس مصاب بالهوس الجنسي طرح خلال عشرين عاما أكثر من خمسة عشر كتابا يعرض عليها مقايضة صريحة : ( أعطني جسدك ، أنشر لك ) يهاجمها وهو يوصلها بسيارته فتهرب بصعوبة . ولا تقلل الجملة الدفاعية التي قدّمت بها الروائية لروايتها في صفحتها الأولى : ” كل شخصيات الرواية من الخيال ” ، من الاستقبال التأويلي للقاريء شيئا . كما أنها ليست مهمة لسببين : الأول يتعلق بمن أين يأتي الخيال ؟ . وبخلاف ما يعتقده الكثيرون فإن الخيال لا ” ينزل ” من سماوات الخيال ، إنه يتصاعد من أرض الواقع . خذ أي كائن ” خيالي ” يبتكره ” ستيفن سبيلبرغ ” أو ” ستانلي كوبرك ” ستجد له عينا وأطراف وأحشاء توزيعها وتناسباتها ” غير معقولة ” . وهل هناك أي تكوين ” خيالي ” في ألف ليلة وليلة لم تكن مفرداته مشتقة من الواقع ؟ . أما الثاني فإن إسلوب الكاتبة كان مشحونا بعاطفة شديدة الصدق والعدالة في عرض مفاسد شخوصها وهي منهم ورسم صورة تتكرر أمامنا ” أخذتها من الواقع ” جعلت مسألة قيام القاريء بالتفتيش عن ” مرجعية ” فعلية يقيس عليها أمرا لا مفر منه . إنها تقدم درسا غير مباشر مفاده أن ليس ” أعذب الشعر أكذبه ” أو بالعكس ولكن أعذب السرد أصدقه . كانت هذه الوقفة التي تكشف دناءة بعض المثقفين محسوبة كما قلنا ، فهي ترسخ في أذهاننا لماذا لا تجد المواهب الجديدة الأصيلة – مثل موهبة نازك – فرصتها مادامت الساحة محكومة بلهاث مثل هؤلاء الذئاب – ذئاب الغريزة – أولا ، وكيف تنطلق مواهب أنثى في وسط ذئبي مثل هذا دون أن يتعهر جسدها على أيديهم ثانيا ، وهي تكشف السلوك المزدوج والمتناقض لأفراد هم مثقفون على الورق وبهيميون على أرض الواقع ثالثا ، كما أنها تشكل نقلة تهيئنا نفسيا لاستقبال سلوك كاتب البلاد مع نازك في كمين غداء الظهيرة الحمراء كما حلّلناه سابقا . ويبدو أن هذه الجرعات السلوكية اللاأخلاقية ضرورية للقاريء كجرعات تمهيدية مرّة وصغيرة تعده لتجرّع حنظل جرعة الفساد الكبرى في الاستضافة الداعرة التي عادت نازك منها كخرقة بالية مهترئة من المهانة والإذلال ودوامة الضياع تجتاحها النقمة على الكاتب وسلوكه الشائن معها ، قاطعة العهد على نفسها بأن تقاطعه وتحتقره فيما لو اتصل بها ، لكنها – وبعد ثلاثة أيام ، وبعد أن تصلها باقة اعتذار منه : نازك يا ابنتي ، سامحيني إن استطعت – تنسى عهودها الحاسمة ، وتغفر له محملة نفسها المسؤولية ( الباديء أظلم ) وتوافق على دعوة العشاء الجديدة مع أصدقائه والتي أشرنا إليها ، لتعد نفسها من جديد ” دون أن تقصد ” لجولة من عذاب الذات المازوخي التي توغل في ” تعهير الذات ” من خلال التواطؤ المبرّر – بطريقة ” مكيافيللية ” ترى أن الغاية تبرّر الواسطة – . وهاهي – بعد موجة لعنات على الكاتب وعلى الذات وعلى الشهرة – تستقبله في بيتها وتعطيه الفصل الخامس من مخطوطة روايتها لكي يقرأه في رحلته الطارئة ملاحقة إياه بعينيها النفسيتين .                                       في هذا الفصل والذي أشرنا إلى جوانب منه سابقا تتصاعد محنة نازك الشابة المدوّمة بعد أن أحبت – وهي المسيحية ، زميلها في الكلية ؛ الشاب ” صفوان ” المسلم . نعلن في كل مكان أننا أخوة ومواطنون في وطن واحد يجمعنا منذ آلاف السنين ، ثم لا نستطيع الزواج من بعضنا البعض ، فياله من وطن واحد يجمعنا فيه مصير واحد !! هل يمكن أن نلتحم في ساحات القتال الشاسعة و ” هم ” يحرمون التحامنا في سرير الزوجية الصغير . هل يمكن أن نحب بعضنا البعض جمعيا ، و” هم ” يحرمون علينا أن نحب بعضنا البعض فرديا . رسالة خطيرة هذه التي توجهها هيفاء بيطار إلينا . ولا أعتقد أن مبدعا عربيا – رجلا كان أو امرأة – قد تناول هذه المحنة الخطيرة المحظورة بمثل هذه السعة والاقتدار والجسارة . لقد أحبت صفوان بصدق حارق ، وكانت تتسلل إلى شقته في الطابق السادس دون أن تبالي بنظرات الجيران التي تخترقها . كانت تحبه بلا حدود سوى صلابة حد أن الزواج مستحيل بينهما . هاهي تراوح بين أحكام أهلها ومشيئة حبّها ، بين تعاليم دينها وتوجهات قلبها . كل شيء في حياتها صار يحكمه التشوش والاضطراب ، ولا شيء مفهوما فيها . لماذا يكون أعز أصدقاء والديها من المسلمين ثم يحرم الزواج منهم ؟ تتذكر أنها كانت ما تزال طفلة حين سألت أمها المفتونة بالمطرب عبد الحليم حافظ :                                                                                                           – ماما ، لو تقدم عبد الحليم حافظ لخطبتك قبل أبي ، أما كنت توافقين ؟                                                   ضجّوا بالضحك .. قالت أمها بقناعة مطلقة : بالطبع لا ، لأنه مسلم .                                                     – لكنك معجبة به كثيرا ؟                                                                                                 – لكنه مسلم – ص 95 ” .                                                                                                                ماهو الحل ؟                                                                                                                         إنها تعلم بأنها بحاجة إلى عمل ” بطولي ” تخرق به هذا التابو .. وهذا العمل هي غير قادرة عليه في حين أنه في حقيقته الفرصة الذهبية لتطبيق كل التعاليم الدينية التي حشو رأسها بها . هذه هي فرصة ” الفداء ” التي لا تعوّض . ألا يحملوننا تعاليم الدين كي نطبقها ؟ أم أننا جميعا كحمار يحمل أسفارا حسب الوصف القرآني الدقيق ؟ أليس المفروض علينا تطبيق الأخلاقيات والمفاهيم والمباديء التي يلقنوننا إياها في الكنائس والمساجد ؟ هذه رسالة خطيرة أخرى تقدمها الكاتبة تفضح فيها ازدواجية حياتنا المنافقة ( كان والدها لا يمانع أبدا أن تلبس المايوه أمام عيون الناس وتسبح ، لكنه يتمنى لها الموت إذا ارتبطت بمسلم ) . لكنهم مسخوا إرادتها على الفعل تمهيدا لتعهيرها في صراع ترويضي لا يكل من الطفولة حتى الموت . ورحى هذا الصراع التعسفي تدور على ساحة روح غضة هي روح نازك التي عادت من لقائها الإعترافي مع الكاهن الشيخ الذي أمرها بالتوبة وبالاستغفار والركوع . ولم  تعرف لماذا يكون الركوع  وأن تلامس جبهتها المتخاذلة الأرض ضروريا للتكفير بحيث تكون مؤخرتها أعلى من مستوى رأسها ( وهذه الوخزات التحرّشية البسيطة لها معانيها السيكلوجية الهائلة في الصراع بين المقدس والمدنس . وخزات توصل عبر تكرارها إلى التخدير واستقبال جرعات الكفران المرّة . هذا ماتقوم به هيفاء بيطار . لقد قصُت نازك على الأطفال الفقراء العراة الممصوصين معجزات المخلّص وهو يكثّر السمك .. فتساءل طفل لماذا لا تتكرر هذه العجائب ، فاحتارت . يذكّرني هذا بمكر أدونيس في كتابه : ” المحيط الأسود ” حين قال :                                                                                        سألني طفل : هل يحلق الملاك شاربيه ؟                                                                                      فوجئت ولم أعرف أن أجيبه . غير أنني وعدته بأن أستفتي العارفين وأنقل إليه جوابهم ” .                                          عادت نازك وقد ” اقتنعت ” – وهي المسيحية بضرورة هجران حبيبها المسلم ” صفوان ” الذي كان غارقا في حبها حتى أذني روحه والذي التحم بها جسديا وروحيا وكان يعد للزواج منها . وهي التي أحبته رغم حاجز الدين الحديدي المخيف الذي ينتصب بينهما ، صار المطلوب منها الآن نسيانه ونبذه كأي شيء نبيذ مخصص للإستعمال الواحد ، صارعت نفسها ليال مضنية عديدة فلم تستطع أن تقنع نفسها بوصفة الكاهن لأن الله لا يمكن أن يكون قاسيا على هذه الصورة ( في الثاني من كانون الثاني 2005 تناقلت القنوات الفضائية نبأ تخلّي رئيس أساقفة كانتربري وهو الدكتور ” روان ويليمز ”  عن الإيمان بالله بعد إعصار تسونامي المدمّر قائلا :                           – المسألة هي : كيف بمقدورك أن تؤمن بإله يسمح بمعاناة على هذا النطاق ؟ مضيفا أن الصلاة لا تقدّم حلولا سحرية ” . وكان ” هاينه ” ، شاعر ألمانيا العظيم شديد التجديف ، وحين كان أصحابه يلومونه ويخوّفونه من ردة فعل الإله كان يقول : إن من واجبه الغفران ) . لكن إله نازك كان شديد القسوة ، كان بلا قلب وهو الرؤوف العطوف ، ولا يظنن أحد أنه الإله – الأب الحاني الحامي المنعم  ، إنه الوجه الخاصي من العملة الأبوية الذي يصعده الأبناء الذكور المعصوبون إلى السماوات القصية ، القصية إلى حد أنه لا يستطيع رؤية عذابات الأبناء المحاصرين المعذبين بوضوح ولا سماع نداءات أرواحهم المحطمة بدقة ، فلا يستطيع إيقاف مسيرة التعهير التي تنتقل رايتها السوداء من جيل إلى جيل ، والتي لن تكون نازك آخر ضحاياها . نازك التي ” لم تكن تعرف أنها من حيث لا تدري ستبدأ بتعهير نفسها ، ومحاولة خلق إنسانة جديدة انتهازية تلعب على الحبلين ؛ تحب المسلم وتستمتع بحبه ، لكنها في أعماقها تعرف أنها لن تتزوجه ، تحوّل الحبيب إلى عشيق عابر ، وفي الوقت نفسه تنمي في ذاتها القدرة على قبول الزواج الذي يحلمان به لها من ثري مسيحي ، لكنها لم تقدر أن تمنع موجات غثيان حادة من الطفو على سطح روحها ، إنها في العمق تحتقر نفسها وما ستؤول إليه – ص 100 ” . وفي خلجة مقاومة أخيرة قبل السقوط النهائي الكارثي ، تلقي نازك بكتاب الصلوات وتعليمات الكاهن ونواهي أبويها خلف ظهرها ، تقرر اقتراف ” الخطيئة ” الجميلة مع صفوان للمرة الأخيرة . ولكن حتى هناك يلاحقها الرمز الأبوي القمعي .. فقد لاحقها شبح الكاهن إلى شقة حبيبها وهاهو يجلس على الكرسي الهزّاز يرمقهما وهما متعانقان ، فتنتفض من السرير لتخرج الكرسي من الغرفة .. لكن شبح القمع يتناسل وترتسم صورته على حمالة الثياب الطولانية .. ثم نصل أشد المراحل قسوة وإرهابا حين تدفن وجهها في صدر صفوان لتمحو صورة الكاهن ، فترتسم صورته على جلد صدر حبيبها الأسمر . بمثل هذا الحصار المميت هل هو ممثل للرحمن أم للشيطان ؟ . لقد قلبت الكاتبة الحالة المريرة السابقة التي صورتها لوحة ” فيليسيان روبس ” حيث ينبجس المكبوت المحرم من أحشاء السلطة الكابتة نفسها ، إلى حالة عجيبة مدمّرة حيث ينبجس الكابت المعاقب من المكبوت المهدد فيسد حتى المسرّات الصغيرة . هنا تصبح حياة المرء كلها عبارة عن جرعة هائلة من السم تؤخذ ثلاث مرات يوميا مدى الحياة . هكذا سمموا حياة نازك إلى الأبد ، وهم وتحت أغطية مقرّة اجتماعيا ، يفصلونها عن حبيبها الذي بذل المستحيل لاستيعاب صدمة الانفصال غير المقنعة بالنسبة له أبدا فكان آخر ماوصفها به بعد أن سافر إلى أمريكا قبل أن يغلق السماعة هو :                                                             – أنت قحبة .. وهو وصف دقيق رغم مرارته وبذائته . فالقحبة – وهذه ” نظرية ” نازك نفسها هي التي تستبدل بعلاقة الروح علاقة اللحم . هاهم الأهل يخطون الخطوة ” المباركة ” الحاسمة في تعهير ابنتهم حين وجدو لها طبيبا ثريا ليتزوجها بصورة مطابقة لأوامر دينهم ويأخذها معه إلى باريس – مدينة الحرية ، في صفقة زواج تختلف عن الدعارة في حضور الماذون وجماعة الزفّة ، أي أنه دعارة بالإشهار العلني . وتأتي اللطمة المنافقة التي وجهها نفس الأهل الإنتهازيين لتهشم القيم الدينية نفسها التي حطموا بها حيلة نازك من خلال القيام بالسلوك الكافر المناقض ، فقد تزوجت ابنة عمها من أخ وزير مسلم ولم يقاطعها أحد ، وهبّوا جميعا ليباركوا زواجها فقد صاروا أقرباء وزير ، وقد سافر أخوها بمعاونة الوزير في بعثة إلى أمريكا بعد شهرين من زواج ابنة عمها من أخ الوزير . ولا أدري لماذا أشعر أن هناك شيئا من الظلم يقع على المومس المسكينة التي تقدم لك المتعة مقابل ثمن ، وبعض المومسات يتسامين في دورهن إلى نوع من عطاء الأمومة وهو الذي وصف بـ ” المومس الفاضلة ” حسب وصف سارتر الأعور . والزوجة الشرقية لا تحصل حتى على ما يوازي عدد ونوع المتعة التي تمنحها لزوجها . ولكننا في صفقة زواج نازك نقف أمام حالة غريبة ، فقد عادت إلى ” عش ”  الزوجية في باريس لظرف طاريء ذات يوم لتجد زوجها عاريا مع امرأة فرنسية هي ” إيزابيل ” التي ظهر لاحقا أنه على علاقة بها منذ خمس سنوات وأنه يحبها لكنه تركها لأن أباه هدّده بحرمانه من الميراث – على طريقة المرحوم زكي رستم – . وحين تشتعل أعصاب نازك المغدورة وتبدأ بشتم زوجها على خيانته تتكشف أمامنا حقيقة تعهير أشد قسوة حيث يعلن الزوج بكل صراحة بأنه يعلم بعلاقتها بصفوان وكيف كانت تزوره متنكرة بعد اشتداد الرقابة ,وأنها أجرت عملية ترقيع لأعادة عذريتها المفقودة قبل الزواج به !! . فإذا كانت نازك قد تحولت إلى مومس شرعيا فإن ماهر – زوجها قد أصبح قوادا بصورة شرعية أيضا . هكذا تكتمل دائرة التعهير وتنغلق على نفسها بإحكام حديدي يتأسس الآن ليس على التحريم ولكن على ” العيب ” حيث يتفق الطرفان – الغادر والمغدور – على تأجيل الطلاق لأنهما ما زالا في شهر العسل وأن الناس سيؤولون طلاقهما بألف شك وسبب و” في الشرق العربي الزنا مشكلة إذا لم يستتر ، والشرق يخشى الفضيحة ولا يخاف المعصية ” هذه المقولة العالقة في ذهن نازك من قراءة قديمة والتي استعادتها الآن لأنها تنطبق على  وضعها بحق . لكن الكاتبة التي تحب أبطالها جميعا – حتى كاتب البلاد الفاجر – لأنها خالقتهم ، وعلى الخالق أن يوزّع فيوض المحبة بالتساوي على جميع مخلوقاته حتى الأشرار منهم ، وقد عزز هذا الموقف موروثها الديني المتسامح – وهي الباحثة عن الجمال ، جمال روح الإنسان وسط قبح الفجيعة ، ، تنظر إلى الإثنين : نازك وماهر كمغدورين منكسرين ، كضحيتين لمؤسسة جبّارة أشد بطشا وإرهابا ووحشية ، إنها مؤسسة التعهير الاجتماعي المتحدة . وهي من أقدم المؤسسات في الحياة العربية . مات جسد نازك بعد أن تعهر ، ثم ماتت روحها بعد أن تعهرت ، لتموت كلّها وتتحول إلى روبوت وظائفي ذي فتحات تستقبل وتلفظ .. صار همها ليس معالجة المحنة وحلها بل الإبقاء عليها لأنها لا تستطيع تخيّل المهانة التي ستلحق بوالديها إذا طلقت وعلموا بعملية ترقيع العذرية . حالها اليائس الآن يشبه حال الذئب الذي تطبق على ساقه فكا الفخ الحديدي المسننتين ، والذي يحاول الإفلات ، لكن حين تفشل محاولاته المتكررة يجلس منتظرا بيأس لحظة وصول الصياد للإجهاز عليه . ضاعت … ضيعّوها . استجابت لحضور شاب تونسي جميل اسمه ” كمون ” ومنحته نفسها لأنها لا تعرف لماذا لا تمنحه نفسها وكانت مستعدة أن تفعل ذلك مع الفرنسي ” هيوم ” الذي مزقت الورقة التي تحمل رقم هاتفه ثم ندمت .. من أجل من لا تمنح نفسها ؟ .. كيف لا تتمزق روح الناقد ؟ .. ويتحدثون عن الناقد الموضوعي المبني من الطابوق .. أين هو هذا الناقد الموضوعي البنيوي .. الناقد إذا صار موضوعيا أولا فهو من طابوق أولا .. الناقد الإنسان هو ذاتي أولا ثم موضوعي ثانيا .. وإذا أراد أن يكون مفرط الموضوعية ، فعليه أن يكون ذاتيا أولا وذاتيا ثانيا ثم موضوعيا ثالثا .. أصيب النقاد الأوربيون بالإحراج من تهديدات العلم الكاسحة الخاصية  فانبروا يقعّدون الإبداع على قوانين ومعادلات ورموز وإحصائيات .. ووضعوا أسسا للناقد الموضوعي تجعله ” علما ” .. ما تعيشه نازك ليس الضياع الذي نعرفه ، إنها حالة ” ما بعد الضياع ” .. حالة لا تعرّف من الألم .. من ما بعد الألم الذي لا يؤلم .. حالة تسكّنها باللعب اللغوي الباهر المعبر عن المركبات السادومازوخية مثل : اليأس الجميل ، الاختناق الأنيق ، الغياب الجميل ، الذل اللطيف . هذه المركبات التي تختصرها عبارة دستويفسكي المعروفة : ” جاء الحل كأفضل ما يكون : القبلة والطعنة سويا ، وهو أكثر الحلول منطقية ” . عجزت كل المنشطات الجسدية وحقن العلاقات العابرة عن إنعاش روحها أو التخفيف من وطأة فاجعتها .. فقط الكتابة كانت تعالج جراحها لوجه الله .. جعلتها المحنة شاعرة .. يذكرني هذا ببيت شعر لشاعر عامي عراقي أمّي يقول فيه ما معناه أنني لم أكن ، من قبل ، شاعرا ، لكن العشق هزني بكل قواه فجعلني شاعرا . لكن شتان بين الحالين .. شتان بين أن يهزّك الغرام ويجعلك شاعرا ولم تكن من قبل شاعرا وهو شيء عظيم ، وبين أن تلوك كيانك المحنة وتطحنه ثم تهرسه لتلفظك شاعرا .. شتان .. شتان .. لكن حسنا اختارت نازك الأصل ، الحكاية مثل جدّتها شهرزاد ولم تختر الشعر لأن قصائد النثر التي كتبتها لا تصل مستوى المهارات الحكائية لديها . ويبدو أن الكتابة تعدها لاستكمال شروط كتابة أخرى أعظم كمالا وأشد فعلا في الوجود : وجودها الشخصي من ناحية رسوخه ووثوقه ، والوجود العام من ناحية تجاوزه والترفّع عليه . كانت الخطوة التمهيدية الأولى أن تشعر أن الحياة تستحق أن تُعاش ( ما أوسع الدنيا وما أضيق الذات خاصة حين تلتف حول قضية واحدة شديدة الخصوصية ، ملّت من آلام روحها ، فليذهبوا جميعا إلى الجحيم ) ، وأن تعود إلى كتابة ” الرسائل ” – اليد تكتب بمختلف الطرق ، حتى استمنائها كان كتابة بشكل ما – وأن تمزق أغطية الافتعال والتمثيل ولعب الأدوار التي يفرضها العيب والناموس ، الأدوار المخاتلة التي أنستها ذاتها ” الطبيعية ” : ” أن تعود إلى انتمائها الأصلي ، إلى الأرض ، إلى الطبيعة الأصل غير المزيفة كالبشر ، الراسخة والنقية ، إنها بحاجة أن تضرب جذورها في الأرض وترفع عيونها إلى السماء ، هكذا ستجد نفسها ، هنا ستتعلم الدروس الأولى في التعامل مع الحياة . وهنا عليها أن تتعرف إلى نفسها . الطبيعة ، وليس الأهل ، ستجعلها تتعرف إلى ذاتها الحقيقية – ص 120 ” . ” كانت الطبيعة عزاءها الوحيد في اختناق روحها وحيرتها – ص 142 ” . لا يفهم الأنثى سوى أنثى أم صموت .                                                                                                                          عادت إلى مشيتها الواثقة تضرب الأرض بقدميها بعد أن كانت تمشي بخطوات لص تلاحقه نظرات شرطي العار .. عادت تستمع لتعليقات الشباب .. كان يحلوا لها أن تتخيل نفسها ” رومي شنايدر ” .. لإعجابها الشديد بتلك الممثلة .. وقد تعتقد نازك أن هذا الإعجاب أمر عفوي .. كل شيء يتحرك وفق حتمية لاشعورية – القدر الذي تتساءل عن كنهه نازك كثيرا وعن أن لم يكن السبب في خراب حياتها – .. رومي شنايدر الساحرة ، الفرنسية ألمانية الأصل ، فوق أنها عانت من الخيانة مع زوجها ” ألن ديلون ” وقُتل سائقها تحت شبهات معقدة ، فإنها ” انتحرت ” بالإدمان بعد موت ولدها الجميل الوحيد عندما سقط واخترق قضيب حديدي جمجمته – سنرى معنى ذلك لاحقا – . عادت .. نعم عادت نازك تتكيء على جراحها .. عادت لتكتب روايتها العظيمة التي لا يستطيع كتابتها حتى إله من الذكور الطاووسيين .. لقد بدأت بطنها تنتفخ .. هذا هو الله . . وهذه هي الرواية العظيمة في تاريخ البشرية .. لا ذكور ولا سفالات ولا خيانات : ” ما أشبه الرجال بذكور النحل ، هذا ما قالته لنفسها وهي تتحسس بحنان نبض الحياة في بطنها – كنت أتمنى أن تتحول الكاتبة إلى ضمير الأنا هنا ؛ الناقد – ، ليس هناك أسعد ولا أكثر توازنا من امرأة حامل . هذا الجنين الذي ينمو في رحمها يعيد تشكيل روحها التي عفرتها الأحزان ، ولوّثتها الخيانة بدنس ظل يرافقها كغثيان لا تعرف كيف تعالجه . إنها تشارك الكون في سمفونية الخلق الخالدة . تحس بنبض مختلف في أحشائها . إنه ابنها الذي بتشكل من وهج روحها ، ويتشرب نسغها ، وينمو في جنان حبّها ، كانت تفكّر بطفلها كأنه يعنيها وحدها ، ظلّ زوجها مهمّشا وبعيدا ، ظل من لحم ودم ، ولم تخرج علاقتها معه من إطار الالتزام الزوجي . وفي كل مرة كانت تشعر أنها تهبه جسدا ميتا ، أما روحها فكانت تشرد في فضاءات بعيدة لا تزال مبهمة ، ثم تغرق في نوم ثقيل مغيّبة هذا الرجل من أحاسيسها وأفكارها . إنه لا يشاركها فرحة انتظار الطفل – ص 150و151 ” . لا أعتقد أن كاتبة استطاعت – وهذا اختصاص أنثوي – أن تصوّر المشاعر التي تكتسح المرأة التي تكتشف أنها حامل في تاريخ الكتابة وتصف التحولات النفسية والسلوكية والاجتماعية والوجودية والكونية مثل هذه الكاتبة : ” إنه طفلها الذي يعيد إليها الفرح الخام ، الذي نسيته ، غابت كل الوجوه ، وما عادت توجعها الذكريات ، طفلها سيكون رجلها الحقيقي الوحيد . خرجت من عيادة طبيبة النسائية تلجم خطواتها المتقافزة سعادة ، إنها تريد أن تشتري كل الألعاب ، وألبسة الأطفال . داهمتها حمى الشراء لدرجة أنها اشترت فرشاة أسنان للأطفال ، لها شكل تمساح صغير ، ولأول مرة تغسلها دموعها ، ويكون لها فعل شاف ، جلست على مقعد خشبي في حديقة قرب منزلها كوّمت الأغراض في حضنها وبكت بغزارة لم تعرفها من قبل ، لكن دموعها الآن مختلفة ، فهي لم تعد منكسرة ومهزومة ، دموعها هي السائل السحري الذي ينزلق على جروح روحها فيشفيها . إنها تبكي لأنها تعي بكل حواسها ذلك النسغ الجديد الذي يترشح في ملامحها .. إنها أم ، تحس أنها راسخة كالأرض ومطلقة كالسماء ، إنها تعبد هذا المخلص الصغير الذي ينمو في أحشائها وستكون أما رائعة . لن يعرف حبها له فتورا ولا خيانة ولا جفاء – ص 151 ” . ” لا تتحقق شخصية المرأة تماما إذا لم تصبح أما ” ، حكمة نفسية يفسدها ” فرويد ”  بالقول أن المرأة من خلال الحصول على الطفل ، تظفر بالقضيب الذي كان ينقصها ويشعرها بالدونية تجاه الرجل ، القضيب الذي انتظرت طويلا أن يمنحها إياه الأب . لكنني أرى – فوق هذا العامل – أن المرأة حين تحمل تمتلك مشاعر إله . فقط قبل قرنين – بعد اختراع المجهر – تأكد البشر أن تلقيح بويضة المرأة ينتج عن ” حيمن ” ذكري يسبح وله رأس يخترقها ليكمل كروموسوماتها – . قبل ذلك ولآلاف السنين كانت المدة الزمنية التي تفصل بين ليلة الزفاف – أو المواقعة الحرة في الوقت الحاضر – وبين انتفاخ بطن الأنثى وظهور أعراض الحمل عليها ، والتي تمتد لشهور ، قد جعلت البشر يعتقدون أن لا علاقة مباشرة للحمل بالرجل .. الرجل زائدة جنسية كمالية .. وأن المرأة تخلق .. في الواقع هي المخلّصة . و” مخلّصها ” الصغير هو هي .. روحها التي تلبي النداء .. جاء المخلّص ” حبيب ” – وانتبه إلى رمزية الاسم وكذلك إلى رمزية اسم الأم البطلة ” نازك ” – ليكون هو الحبيب النهائي والأخير الذي يعصمها من العثرات وهو في الواقع الحبيب الأول . يشكو الكثير من الأزواج من تناقص شهية زوجاتهم الجنسية بعد الولادة – البعض يجد ذلك عذرا للخيانة – .. لنسمع نازك تتحدث عن وليدها – مخلّصها وسنفهم الأبعاد الحقيقية لهذه الشكوى : ” الزوج كان غائبا من احتفال حبها . إنه الوسيط في عملية الخلق – سلب الاستنساخ الوراثي هذا الامتياز من الذكر ، تلقح الأنثى الآن بخزعة جلد من ثديها ؛ الناقد – ذكر النحل الذي يموت بعد إلقاح الملكة ، صحيح أنها غدت أكثر رقة ولطفا مع زوجها ، لكنها لا تستطيع أن تخدع نفسها .. ظلّت تغيّب زوجها كرجل وكإنسان . إنه يعيش في الضواحي القصية من حياتها . إنه ديكور حياتها . لكنه لا يقترب أبدا من العصب الأساسي لوجودها ، فهي والطفل مترابطان بحبل سرّي أبدي .. أنستها الأمومة المتدفقة كونها أنثى . لم يعد للجنس أي إغراء لديها . نسيته كأنها لم تتورط في لهيب عواطفه فيما مضى . اكتشفت في روحها ميلا للعفة ولم تستسيغ على الإطلاق أن تتعرى بين ذراعي الرجل الذي يسمى زوجها . إنها لا تشعر بأي ميل نحوه ، ولا نحو جنس الرجال . تساءلت : كيف يمكن لامرأة يمتليء نهداها بالحليب أن ترغب برجل ؟ في سرّها تمنت لو يجد زوجها عشيقات عابرات لترتاح من إلحاح غريزته التي صار يمارسها بصفة أقوى الآن . كونه أبا الطفل الذي تعبده . إنها تسمح له أن يقربها بين وقت وآخر إرضاء للصغير كأنها تهمس لوحيدها : لأنه أبوك فقط أسمح له أن يلمسني . أتقدر حبّي لك يا حبيبي الوحيد ؟ – ص 154و155 ” . ثم تشرع في تصوير تفصيلات مضنية ترصد فيها تطور طفلها ومنتجاته السلوكية ” السخيفة ” وتحولاته العضوية ، وكيف تسجلها لحظة بلحظة ، وزقزقة زقزقة ، ورضعة رضعة . حتى الآلهة ليست لها مثل هذه الدقة والحرص في متابعة تطور مخلوقاتها .. بالعكس ، الآلهة تسهو في أحيان كثيرة فتحصد الأعاصير والحروب الملايين من أبنائها دون أن تنهض من نومها . لكن .. يا لهذه الـ ” لكن ” التي تكون أحيانا وقفة استدراك كارثي . يقولون : إحمد الله إذا جاءت المصيبة لوحدها ، لأنها تأتي دائما ومعها أولادها وأولاد إخوتها وأولاد أخواتها . هكذا تتعامل الحياة – القدر – والقدر وجه الله المتجبر – المصير المرسوم على لوح اللاشعور . فبعد مصائب نازك المتلاحقة جاءتها الآن المصيبة القاضية الطبية ، وهذا هو حبيب – حبيبها الأوحد والأخير ، الكتلة اللحمية الغضة الصغيرة التي شكلتها من روحها ، ملقى في وحدة العناية المركزية تخترق جسده المحبب الأنابيب الطبية لتي لا تعرف الرحمة . لقد طرحه التهاب السحايا الدماغية الخطير الذي قلّما ينجو منه أحد وغاب فاقدا الوعي تماما . ( لاحظ أن نازك والأطباء والروائية وهي طبيبة حسبما قرأت في السيرة المثبتة في نهاية الرواية لا يعلمون ما هو السبب ، لكن نازك ومن شدة التغير الإنساني العطوف الذي اجتاح كيانها بعد الحمل جاءت بقطة عرجاء إلى البيت ، ومن مصادر الإصابة علميا  بالتهاب السحايا الدماغية لدى الأطفال هو الحيوانات الأليفة ، وقد يكون هذا شكل من أشكال تدمير الذات اللاشعوري بفعل الشعور بالإثم ) . لكن من الذي يخطط لمثل هذه الإصابات المحكمة التي تنشب سهامها في لب سويداء الروح ؟ هذه مقدرة إله قاس وشديد المهارة في اختيار مواطن العذاب .. تنهار نازك .. وتبرع الكاتبة الفذة في تصوير انهيارها الكاسر ، وتهاوي أركان وجودها مثلما تنسف الناطحات الضخمة بالديناميت بطرقة هندسية ذكية تقوضها على حدودها .. تقوضت على قدر ” روحها ” بلا زيادة أو نقصان .. هكذا يأتي العذاب الإلهي رشيقا ومفصّلا على قدر جسد وجودك .. ولو صور مخرج هوليوودي مشهدا لأم مثكولة بابنها الداخل في غيبوبة عميقة ولا رجعة منها بسبب إلتهاب السحايا ، ويُلبسها الأطباء قناعا كي لا تلتقط العدوى المميتة من وليدها المريض ، ثم غافلت هذه الامرأة الأطباء ونزعت القناع بطرفة عين وانهالت على قدمي وليدها المحتضر الرقيقتين تقبيلا وهي تعوي من الألم ، أما كان ممكنا أن تعد هذه اللقطة واحدة من بين أفضل مائة لقطة في تاريخ السينما . لن تقترب منها سوى اللحظة التي اكتشفت فيها الممثلة ” دايان كيتون ” أن طفلها الساكن في المهد والذي حبلت به من حبيبها وليس زوجها كان ميتا . هذا في فيلم ” طفل تحت الورقة ” .                                                                                                         مات ” حبيب ” رضيع نازك – ولم يتعد الشهور الستة من عمره – نازك المثكولة أبدا – ثكلت منذ أن كانت طفلة عندما فصلتها معلمة الصف الأول الابتدائي عن صديقها ” سعد ” المصاب بالربو لأنها يجب أن تلقن أناشيد المسيحية بعيدا عن المسلمين – ثم ثكلت بحبيبها الأول فالثاني فالثالث .. مات وليدها ” حبيب ” – وفي الواقع خُطف ولم يمت – هؤلاء هم الضحايا الذين لم يتغن بهم أحد . وفي الصفحات الأربع التي سطرتها الكاتبة  تحت عنوان : ” ما كتبته  نازك بعد وفاة صغيرها ” يكمن الجواب الشافي الكافي . لو لم تكتب هيفاء بيطار غير هذه الصفحات الأربع لكان يمكنها أن توضع قطعتها هذه في مصاف القطع الفنية المشهدية التي لا تتكرّر . وأقول المشهدية حيث أتذكر مثلا : مشهد الجواهري في مغازلات الضفادع على شواطيء دجلة ، مشهد المومس التي تحن إلى مبغاها القديم بعد زواجها كبلبل أطعم فلفلا كما يقول محمد خضير ، مشهد ” منيرة ” بطلة الرجع البعيد  وهي تريد الانتحار بعلبة حبوب الفاليوم فوق السطح لدى فؤاد التكرلي ، مشهد إيما بوفاري حين تفكر بالانتحار فيصعد إليها الرصيف وفي احتضارها وهي تسمع العازف الأعمى في الشارع لفلوبير ، ومشهد نازك هيفاء البيطار وهي ” تحتضر ” بعد اختطاف وليدها ” حبيب ” من قبل أخّاذ الأرواح ، ملك الموت : ” أنت لم تمت . أنا التي تشبع موتا كل لحظة . لم يروك حيا ولا ميتا يا طفلي الحبيب . يعرفونك من صورك فقط التي تزين صالوناتهم . لن تتلقى الهدايا التي أعدوها لك . ولن تتمكن أن تناديهم : تاتا .. جدو . لكن لماذا خرّبت تلك الجراثيم اللعينة دماغك ؟ وأنت لم تستطع المقاومة . أتذكر كم أنك رقيق ومسالم لدرجة لا تقاوم فيض قبلاتي التي تستهدف خدودك الطرية . سحبوا الأنابيب الداخلة والخارجة منك ، سحبوا المفجر من رأسك وسلموك لأمك جثة . أنت لا تعرف ماذا يعني أن تحمل أم جثة طفلها . أتعرف وددت لو أشق صدري بضربة سكين وأرمي رئتي الإسفنج خارجا ، والقلب المنخور بالحب ، وأسكنك سجن أضلاعي لنتعفن معا ، ونورق معا ، ونزهر معا ؛ شجرة حب خالدة بين أم وطفلها . تذكرت حبلك السري ، رأيتهم كيف قطعوه ، وكيف لقطوا طرفه قرب سرتك بملقط . أتعرف : لحظتها غمزتك . قلت لك وأنا أسمع صراخك الأول : لا تزعل .. هذا مجرد حبل ليفي ، الحبل السري بيننا أوسع من الدنيا كلها ، فلا تعتقد أنك انفصلت عن أمك . فهمت رسالتي لأنك سكت فورا . وضعوك قليلا على بطني معتقدين أنهم بذلك يدخلون الطمأنينة إلى روحك المفصولة عن الحب الكوني . أجل يا حبيب ، داخل صدري يكمن الحب الكوني ، وفي رحمي يتكون الخلق . أنا أبدعتك يا حبيب – ص 163 ” ” كسرت جهاز الهاتف حين اتصلوا بي ليقولوا لي : احملي مجددا وستعوضّين بطفل ينسيك طفلك الذي مات . السفلة لا يعرفون أنني حملت من رجل أحتقره ، لا يجمعني به سوى الغش ، لذلك آثرت أنت النقي كالضوء أن تغادرنا . سأحكي لهم كل شيء يا حبيب ، الألم يحرّر من الخوف … أين تهيم روحك الآن ؟ هل تراني يا حبيب ؟ هل أنت ذلك العصفور الصغير الذي يحط أحيانا على النافذة ؛ نافذة غرفتي في قسم الأمراض العصبية ؟ . أنا لا أحترمهم لأنه يتعاملون مع آلامي كما يتعاملون مع دمّلة لم يحن وقت شقها وتفريغها من القيح . ألمي عليك يأخذ شكل كرات صغيرة حمراء متراصة ، إنه دمي ، دمي هو ألمي ، وألمي هو دمي . الموت ياحبيب هو تحقيق للحب العظيم .. سأكتب آلامي كلها لأتطهر ، لأصير لائقة باحتضانك حين تجمعني بك هوّة الموت ، لنصعد منها إلى أبدية الحب – ص 166 ” .                                                                ومن الناحية النفسية فإن هذه القطعة علاجية يمكن أن توصف لأي أم مثكولة . ولا أعلم لماذا لم تكن نازك الروائية  قادرة على تصديق صديقها – صديق والدها – ( الرمز ) حين قال لها أنه بكى حين قرأ روايتها . ولكن حين تتحدث نازك عن أوردة طفلها الرقيقة التي غطتها كدمات التأبير .. والجانب الحليق من فروة رأسه المرضوض بسبب جرح المفجر .. وعن دفنه واستمرار شعورها بضرورة إعداد وجبة السميد مع الحليب وكيف يجب أن يقول أح أح أح … لتسأله أخيرا : حبيب أسألك وحدك يا صغيري : ما الحكمة في أن تموت ؟  فأنا مضطر أن أعود إلى السؤال الآن : ما جدوى البحث عن القبح في النقد ؟                                                     في الفصل الختامي تعود نازك الروائية بعد أن أعجب كاتب البلاد بالفصل الذي قرأه من روايتها إلى السلوك المتضاد المتناقض : سلوك التعهير ، تعهير الذات ، لكن هذه المرّة تقدم لنا العودة إشارات شديدة الإحالة إلى بنية تلويث لاشعورية قائمة في ذاتها مبعثها تلويث الإنموذج الأبوي الذي لا يتحقق دون تعهير ذات الإبنة فركضت إلى بيروت للقاء بالناشر السافل الذي لقبته بـ ” القناص ” – الأكثر سفالة من الكاتب – والذي تسلم راية الفجور الحمراء من الأخير ، والذي يكبرها ، مثل الكاتب ، بأكثر من ربع قرن . لكن الآن في غرفة استأجرها لها في أرقى فنادق بيروت .. تصوّر ناشرا يستأجر غرفة حمراء لكاتبة ناشئة وفاتنة ويهديها ساعة سويسرية غالية جدا ..ويحاول الإعتداء عليها وهي حاولت وناولت وداورت وناورت .. إلخ .. وإلخ  .. وتعيشون وتسلمون .. لماذا أجهضت هيفاء النهاية الدرامية العظيمة ؟                                                    كنت أتمنى أن تصمّم الكاتبة إخراجا دراميا آخر بحيث تصبح النهاية السوداء عند فاجعة موت حبيبها ” حبيب ” التي أدمت قلوبنا هي الخاتمة – تحيدا القسم المعنون بـ ” ما كتبته نازك بعد وفاة صغيرها ” ففيها وصلت شهقة الروح المكلومة ذروتها القصوى ، ولا عذر لمن يحبس دموع التعاطف والمشاركة والتطهير . فلا تبرد ملحمة الأحزان والثكل في برودة الخمريات والتواطؤات التي تكرّر سيناريو ما حصل في الظهيرة الحمراء مع كاتب البلاد .                                                                                                                                  إن من أروع ما قدمته هيفاء في روايتها هذه هو إدراكها الحاسم لأهمية ما أسميته في دراسات سابقة : ” الفسح  التأملية ” أو ” الوقفات الفلسفية ” في الفن الروائي . هذه الفسح والوقفات هي عصب وجود الرواية الحديثة وهي التي ميّزتها من الرواية القديمة . في سيدة الحكايات كان هناك حكي لواقعة تتسلسل ، طبعا هذا لا يعني أن ليس فيها معان وموقف من الحياة والوجود – لكن هذا التسلسل لا تتخلله فسح تأملية تنتقل من الموقف اليومي الحدثي العابر الذي يهم الفرد المعني في الرواية  إلى المعضلة الوجودية المأزقية الثابتة التي تثير في نفس المتلقي ما هو أبعد من التساؤلات الهامشية فتدخلها في أتون التساؤلات الجوهرية التي لا جواب لها ، لكن الأهم هو أن نجعل القاريء يلتفت نحو الداخل .. الداخل الموجع الذي يتغاضى عبثا ليتملص من مخالب المثكل متبعا سلوك النعامة الحكيمة . بغير ذلك تظل الرواية وقائع تتقطر سلسلتها مثلما كانت الحوادث تنطلق من فم الحجواتي أو ” القصّخون – راوي حكايات المقهى الشعبي :                                                                                   تتعرض نازك لإهانة من مديرتها وبدلا من أن ترد عليها تجد نفسها تقدم لها هدية وهي ابتسامة الإنخذال والامتنان المهادن التي تدربت عليها طويلا بفعل المهانة والإنذلال الاجتماعيين  . هذا حدث مبتذل يحصل كل يوم ، لكن كيف ننقله إلى خانة المحنة الوجودية الأشمل والأشد والتي تبقي لها تأريخا ، وبغيره تظل حكاية . تحوّل نازك إهانة المديرة إلى وقفة تأملية واسعه الأبعاد فتقول سارحة في أعماق مهانتها : ” فكرت أن أهم شعور يميز الإنسان ، ومن دونه يكون مسخا هو الإحساس بكرامته الشخصية وبأنه محصّن ضد الإهانات . كنت ضحية شعورين متناقضين في آن : أولهما أنني لا أساوي شيئا ، وثانيهما أنني أمتلك موهبة كامنة في أعماقي كدرّة لا تقدر بثمن . وكنت أستطيع أن أعيش الشعورين في وقت واحد ، وكان الزهو الذي يولده إحساسي بموهبتي يتأبط إحساسي بعدميتي وتهميشي في مجتمعي . كنت مجرد موظفة ، عملي في الواقع هو البطالة الأبدية ، وراتبي حقير ، وحياتي الاجتماعية مقفرة لسبب رئيسي هو شح الراتب الذي كان يضطرني أن أبقى في حالة شلل . لكن رغبتي بالكتابة كانت تطفو فوق شخصيتي … إلى آخر المقطع الذي اقتبسناه سابقا ( راجع الصفحات 23و24 و25 من الرواية ) . هكذا ننتقل من حدث يومي مبتذل إلى مراجعة الكرامة الانسانية وشروطها وعملية الخلق كوسيلة للسيطرة على الاغتراب والتهميش الذي يسحق الفرد وشروط العملية الإبداعية الملغزة ، قوة الإلهام ، شروطه الداخلية ، عملية التخمّر الإبداعي ، السيطرة على قطرة الزئبق اللغوية .. وغيرها . وتستمر الكاتبة في سياحة التأمل هذه التي بدأت على الأرض مع المديرة متصاعدة مع فكرة الحياة والخلق شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى السماء لتستنتج : ” كنت أقتنع كلما أمعنت في الكتابة معتصرة روحي أن الصمت هو أكثر بلاغة من كل الكلمات ، وأن الله حين خلق الكون كان صامتا ” .                                            وحينما تعطي الفصل الخامس من مخطوطة روايتها للكاتب وتتساءل إذا كان سيعرف أنها تتحدث عن نفسها هي ، تأخذنا إلى الحديث عن الذاكرة البشرية وصلتها بالزمن وفعلها الانتقائي الذي يفرضه الصراع بين الشعور واللاشعور والنظرة الفائقة للكيفية التي تصبح فيها ما لنفسها حين تكتب سيرتها : ” للذاكرة عالمها الخاص . أحسها تلعب في حياة الإنسان ما يقوم به الاصطفاء الطبيعي بالنسبة للأحياء . لقد اجتهدت أن أكتب بنزاهة الفصل الخامس من روايتي التي لا تزال ضبابية . كتبت عن نفسي ، وبيني وبين تلك الفتاة التي كنتها حوالي عشرين سنة . لا أعرف إلى أي حدّ محت ذاكرتي حوادث ، ورفعت من شأن حوادث أخرى ، لكنها بالنتيجة أنشأت عالمها الخاص الذي سجلته لي تلافيف دماغي . رؤيتي للأحداث بعد عشرين سنة من وقوعها يختلف كثيرا عن رؤيتي لها حين كنت أعيشها . ترى ما الذي يربط تلك الفتاة الرومانسية في العشرين من عمرها – التي كنتها – بتلك المرأة التي تحاول باصرار عنيد أن تكون كاتبة ( … ) حين كتبت هذه الأوراق أحسست بأمان ، ربما أمان زائف ، وأحسست بسعادة كبيرة . شعرت أنني أمسح برفق على رأس تلك الفتاة العشرينية التي كنتها ، جميل أن أصير أما لنفسي ، وبعد سنوات أغدو جدة أيضا – ص 78 ” .                                                 إن هذا هو ما أدخله ” مرسيل بروست ” صاحب البحث عن الزمن الضائع ، في فن الرواية ، وخذ على سبيل المثال تداعياته منطلقا من كعكته الشهيرة . والكاتبة عن هذا الطريق تنقلنا من الفردي إلى الجمعي ومن اليومي العابر إلى الوجودي الثابت ، وبذلك لا نكون ” متفرجين ” على وقائع تعرضها الكاتبة مثلما كان الحاضرون ” مستمعين ” لحوادث يقصها الحكواتي ، بل مشاركين فاعلين في معضلات الكاتبة التي أصبحت ترتبط بهمومنا وشؤون حياتنا بأكثر من وشيجة .                                                                                                          لقد استخدمت الكاتبة مفردات فصيحة يغلب عليها طابع الاستعمال العامي اليومي ، لكنها انتقت لها الموضع المناسب والصياغة الملائمة فجاءت موفقة ودقيقة في التعبير عن الحركة أو الصورة المطلوبة :- كنت أنصت لبقبقة التفاعلات الداخلية … شياطين الشهوة تنطنط في ذهنه ..  ثمة سوسة تؤرقها … طبطبا على كتفها …الأذيّات التي حصلت لها كبيرة جدا .. في حين أنها استخدمت تعبير ” يا للورطة ” في جملة تعجبية لم تكن بمستوى حرارة الموقف : كانت تمشي على إيقاع جملة واحدة : يا للورطة .. يا للورطة !! مقابل الاستخدام الموفق لمفردة ( طز ) : تضافرت أصواتهم جميعا وقالوا : طز في حبه .. حاولي أن تكوني مغرية .. تابعي أفلام البورنو !!                                                                                 وحين تحدثت عن لغة الروائية وصفتها بـ ( الشعرية ) المتوهجة ووضعت مفردة الشعرية بين قوسين لأنني لا أؤيد أن تكتسح لغة الشعر ساحة القص .يجب أن تكون للشعر لغة شعر وللرواية لغة رواية ، وهذا ما حافظت عليه الكاتبة من خلال استخدامها اللغة الشعرية بصورة منضبطة ، الأمر الذي جعلها في موضعها مثلما يتدلى منديل أحمر من جيب  جاكيته نسوية بيضاء – والوصف ليس لي – مثل : شهق شهقة استحوذت على روحه وهو يطل على قبتي الفضة ، وقد انعكست عليهما زرقة الفستان ( وهذه الصورة تعبر عن حساسية لونية تشكيلي مرهفة … انغرست يده بين حمالة النهدين السوداء والنهد ، فطعنت الحلمة راحة يده بتحد صريح .. وغيرها ( قليل ) وهي الستراتيجية الصحيحة .                   وحين أتأمل الغلاف الذي لم يثبت اسم مصمّمه ، أجد أن مصممه قد قرأ الرواية بدقة وغاص في معانيها وتوفر على ثقافة نفسية عالية أيضا : طابق سواد الآثام في اليدين اللتين ” تقترفان ” والرأس حيث تترعرع الأفكار الآثمة ، وطابق حمرة الغريزة الدموية المحاطة بصفرة نوايا اللاشعور الماكرة ؛ طابقان. والبياض لـوجه ” الإبداع .. روح الأنوثة الخالقة .     تبقى الرسالة – عدنا إلى الرسائل – الأخيرة ، المسكوت عنها في الوقت الذي لا ينبغي السكوت عنها ؛ رسالة تثور في الأذهان من خلال استدعاء الموقف المناقض ويمثله التساؤل البغيض : لو كانت كاتبة هذه الرواية – وهي رسالة – مسلمة وتطرح الكيفية التي تتحطم فيها أحلامها وآمالها ووجودها على صخرة التابوات الدينية ، فهل ستستقبلها الجهات المرجعية بهذه الطريقة ؟
آه .. ياله من مجتمع منافق !!
وأخيرا ، وليس آخرا كما يقال ، أقول لصديقي الناقد الذي يبحث عن السلبيات وجداول الأخطاء اللغوية التي قد يقع فيها حتى الناقد : قالت الكاتبة في الصفحة (152) : الصفحات البيضاء ، والصحيح هو الصفحات البيض ، فهل ارتحت ؟.. وشكرا هيفاء بيطار .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.