غزاي درع الطائي: الإتجاه بالدراسات البلاغية نحو الإبتكار

الكناية: هي أن نُكنّي، أي أن لا نعبِّر عن الشيء بظاهر ما وُضع له من تعابير، فنبتعد عن اللفظ ذي المعني الظاهر والمدلول الحقيقي، وهكذا يكون الحديث عن الكناية حديثا عن اللفظ والمعني، ولكن ليس المعني الظاهر بل المعني المخفي المُكنّي عنه، والكناية التي اعتبرها ابن سنان الخفاجي (ت466هـ) في كتابه (سر الفصاحة) أصلا من أصول الفصاحة وشرطا من شروط البلاغة، والتي تشكِّل مع التشبيه والمجــاز (الثلاثية) المعروفة التي يقوم عليها علم البيان العربي، هي التي تتمحور حولها دراستنا هذه، والمناسبة هي صدور كتاب (الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي) للأستاذ الدكتور إياد عبد الودود عثمان الحمداني، وهو كتاب مهم أخذ علي عاتقه تفحُّص (الكناية) بطريقة جديدة تتقاطع مع إجراءات التحليل المستندة إلي الرؤية المنطقية واللغوية المجرَّدة، وتتَّجه نحو خلق عوالم ترتبط بالخيال والتخييل والفنطازيا.

الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي
(الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي) هي (دراسة) بلاغية نقدية قدَّمها الأستاذ الدكتور إياد عبد الودو عثمان الحمداني إلي مؤسسة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD (بالتنسيق مع الدكتور شابو تالاي الأستاذ في جامعة ايرلانكن الألمانية التي يقع مقرها في مدينة نورنبيرغ، في إطار التعاون بين جامعتي ديالي/العراق وجامعة ايرلانكن/ألمانيا، وأصدرها عام 2010م في كتاب جري طبعه في المطبعة المركزية لجامعة ديالي، وقد صدرت الطبعة الثانية من المؤلَّف نفسه قبل أيام عن المطبعة ذاتها.
ومما يتَّفق عليه الجميع، أن غالبية الدراسات البلاغية التي تناولت موضوع (الكناية) قد درستها بوصفها بنية دالَّة، فتحدثت عن بنائها التعبيري وأركانه الثلاثة (المكنّي به، المكنّي عنه، والقرينة العقلية)، وناقشت أنواع (الكناية) في ضوء ماهية المكنّي عنه وطبيعته ووجدت أنها علي ثلاثة أنواع هي: الكناية عن الموصوف، الكناية عن الصفة، والكناية عن النسبة، كما ناقشت أنواع (الكناية) في ضوء السياق الذي يُفهم منها وفي ضوء الوسائط التي توصل القارئ إليها ووجدت أنها علي أربعة أنواع هي: التعريض، التلويح، الرمز، والإيماء أو الإشارة. وظلت تلك الدراسات تدور في فلك شواهد محددة متكررة تجترها المرة بعد المرة، ومن أبرز تلك الشواهد: (فارس طويل النِّجاد) كناية عن طول قامته، و(رجل كثير الرماد) كناية عن كرمه، و(إنسان نقيُّ الثوب) كناية عن البراءة عن العيوب، و(سيدة نؤوم الضحي) كناية عن كونها مترفة ومخدومة، و(امرأة خرساء الأساور) كناية عن كونها سمينة، لكن كتاب الدكتور إياد عبد الودود عثمان الحمداني الذي نتحدث عنه يحاول أن ينحي منحي آخر، وابتداء من عنوان الكتاب، يلفت المؤلف انتباهنا إلي ما يهدف إلي إنجازه، فهو لا يكتفي بكلمة (الكناية) عنوانا لكتابه، بل يضيف إليه عنوانا ثانويا هـو (محاولة لتطوير الإجراء النقدي).
وفي (المقدمة) يحدد المؤلف توصيفا عريضا لغايته من تأليف هذا الكتاب فيقول: إن (تجربتنا النقدية في هذه الدراسة تقوم علي عوامل تحاول الإتجاه بها نحو الإبتكار) /ص7.
ويخبرنا في الصفحــة (29): أن (الإهتمام بالقارئ والقراءة أساس في الإجراءات، التي نحاول من خلالها تطوير القراءة النقدية للكناية)، وهو يدعو إلي (دراسة الكناية بالإفادة من مستويات التداعي بعيدا عن الرؤية المنطقية، وذلك بتوظيف ـ الصورة ـ والقراءة الحرَّة التي تبحث في مراكز دلالية تخاطب الذهن وتولِّد المفارقة وتحقِّق عنصر المفاجأة والتغريب الذي يقوم عليه العمل الأدبي)/ص29، معتبرا في الوقت نفسه أن (دراسة الكناية علي وفق ترصُّد الأبنية إجراء غير ناجع)/ص7.
إذن فنحن هنا في هذا البحث الخاص بالكناية أمام محاولة جادَّة لتطوير الإجراء النقدي بطريقة تحاول الإتجاه بهذا الإجراء نحو الإبتكار وتهدف إلي تطوير القراءة النقدية، بعيدا عن الرؤية المنطقية وترصُّد الأبتية، وهو بلا شك هدف كبير وسام ويستحق الخوض فيه، وهو ما نحتاج إليه اليوم وغدا وبعد غد.

تعريف بالمؤلف
من الضروري إطلاع القراء علي تعريف بمؤلف الكتاب الذي بين أيدينــا (الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي):
ولد الأستاذ الدكتور إياد عبدالودود عثمان الحمداني عام 1968م في قضاء الزبير بمحافظة البصرة.
ـ حصل علي شهادة الماجستير والدكتوراه من كلية الآداب/جامعة البصرة.
ـ عمل رئيسا لقسم الدراسات اللغوية والأدبية في مركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة عام 2002م.
ـ ألقي محاضرات في المصطلح البلاغي والنقد التطبيقي علي طلبة الدراسات العليا في كلية الآداب/جامعة البصرة.
ـ أصبح استاذا للبلاغة والنقد المشارك في كلية التربية/المهرة بجامعة حضرموت.
ـ انتقل عام 2005م إلي محافظة ديالي وأصبح أستاذ للبلاغة والنقد المساعد في كلية التربية بجامعة ديالي.
ـ حصل علي مرتبة الأستاذية في 9/5/2008م، أي عندما بلغ الأربعين من عمره.
ـ يلقي في الوقت الحاضر محاضرات في الشعرية ونظرية الأدب علي طلبة الدكتوراه في كلية التربية/الأصمعي بجامعة ديالي.
وهو عضو اتحاد المسرحيين العراقيين في البصر منذ عام 1997م وعضو الإتحاد العام للادباء والكتاب في العراق منذ عام 2002م.
ـ نشر بحوثا محكمة ومقالات علمية وأدبية داخل العراق وخارجه.
ـ كتابه الذي بين أيدينا (الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي) هو كتابه المنشور الثالث، بعد كتابيه اللذين صدرا عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، وهما:
1. التصوير المجازي… أنماطه ودلالاته في مشاهد القيامة ـ عام 2004م.
2. شعرية المغايرة… دراسة لنمطي الإستبدال الإستعاري في شعر السياب ـ 2009م.
ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الحمداني حرص منذ انتقاله إلي محافظة ديالي علي حضور أمسيات إتحاد أدباء وكتاب ديالي التي تُقام في السراي القديم ببغقوبة، وعلي المشاركة الفاعلة فيها عبر تقديم دراسات أدبية وبلاغية مهمة أو عبر المشاركة في التعليق الذي يأتي في نهايات الأمسيات عادة وعبر الحوار الثقافي المبدع.
ثقافتنا والثقافات الأخري
انتقد الدكتور الحمداني الدراسات النقدية والبلاغية القديمة التي قادت إلي دراسة الكناية علي وفق التصور اللغوي والمنطقي، والتي كانت السبب وراء بروز (آفة التقنين الصارم) التي اجتاحت تلك الدراسات، كما انتقد البلاغيين المتأخرين الذين انشغلوا بدراسة (اللازم والملزوم والعلاقة المنطقية بينهما) وتصنيف الكناية تصنيفا ثلاثيا منطقيا.
ولقد اعلن الدكتور الحمداني عن رفضه للتفسير المجرَّد والمعيارية والنظرة التجزيئية في التحليل البلاغي، واتخذ رأيا متميزا وواضحا إزاء علاقة الثقافة العربية بغيرها من الثقافات، فقال: (إن ثقافتنا المعاصرة بحاجة إلي التأصيل بقدر ما تحتاجه إلي الجهود الغربية، لكن بطريقة تنسجم مع خصوصية اللغة الإبداعية ونمط التفكير وذاكرة اللغة) /ص7، وأضاف وهو يحاول ان يضع النقاط علي الحروف في قضية شغلت وما زالت تشغل حيزا مهما في الدرس البلاغي العربي: (لق ظل عدد كبير من النقاد العرب يستوردون آليات التحليل والمناهج النقدية بشكل مجرَّد من الفضائل، بسبب إغفالهم لتلك الخصوصيات المرتبطة بالأصالة وطبيعة التلقي)/ص7.
ملامح مهمة في دراسة الكناية
تقودنا قراءة كتاب (الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي) إلي تأشير ملامح بارزة حدَّدها المؤلف للكناية لإبراز صورتها علي النحو الذي يراه، ويمكن وضع القارئ أمام العبارات المهمة الآتية في هذا الإطار:
1. إن ما تقوم به الكناية هو إعادة الفهم بإشراك الحواس ـ ص17.
2. إن قدرة الكناية علي التداعي هي أكبر من قدرة التشبيه أو الإستعارة أو المجاز المرسل ـ ص26.
3. إن الإيحاء في الكناية مفتوح إلي ما لا نهاية ـ ص26.
4. إن الكناية قادرة علي توسيع معني الوحدات المعجمية نتيجة التأثر بالسياق ومقتضي الحال ـ ص26.
5. إن دراسة الكناية يجب أن تقوم علي المستوي الفني وأن تتنبَّه إلي أهمية الحواس وإلي تطوير الذائقة ـ ص26.
6. إن خصيصة التداعي هي أهم ما في التعبير الكنائي لارتباطها بالتكثيف والإيجاز، وهذه الخصيصة تجعل الكناية أصلا مهما للغة الأدبية، وعندها يشترك الخيال مع التفكير ـ ص40.
7. إن الوقفة الطللية في الإبداع الشعري العربي ترتبط بالتعبير الكنائي ـ ص42.
8. إن الرسوم التعبيرية التي ترافق القصائد المنشورة يمكن أن ينشأ بينها وبين القصائد المرافقة لها (تناغم كنائي) ـ ص43.
الكناية في آفاق البلاغة العربية
وتظهر (الكناية) في آفاق البلاغة العربية في أربعة مواضع هي:
1. الكتب التي تعني بالبلاغة العربية بشكل عام وتخصِّص مبحثا من مباحثها لدراسة الكناية، وعادة ما تتناول تلك المباحث الكناية لغة واصطلاحا، والفرق ين الكناية والإستعارة، وتعرِّج علي أركان الكناية وأقسامها وأنواعها، ومن تلك الكتب علي سبيل المثال: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده لابن رشبق القيرواني (ت456هـ)، وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجـاني (ت 471هـ)، وأساس البلاغة للزمخشري (ت538هـ)، والإيضاح في علم البلاغة للخطيب القزويني (ت 739هـ)، وغيرها.
2. الكتب المتخصصة بدراسة الكناية، ومنها علي سبيل المثال لا الحصر كتاب الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية لأبي منصور إسماعيل الثعالبي (ت429هـ)، وكتاب المنتخب من كنايات الأدباء وإرشاد البلغاء للقاضي الجرجاني (ت482هـ).
3. عند الحديث عن (الإستعارة المكنية)، وهي الإستعارة التي تجمع بين (الإستعارة) بمعناها المعروف و(الكناية).
4. عند تناول (طباق التدبيج)، ويُقصد به استخدام الطباق باعتباره أحد المحسنات المعنوية لأغراض كنائية.
في التطابق والمخالفة
يري الدكتور إياد عبد الودود الحمداني وهو يربط بين الكناية والمعني الذي تعبر عنه أن (الكناية تشطر الصورة إلي نصفين أحدهما واقعي يمكن أن يتحقق، والآخر يرتبط بمخاطبة الحواس، فالتعبير بالكناية أكثر قوة في أداء المعني)/ص21، وهو في وجهة النظر هذه إنما يتطابق مع وجهة نظر عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) التي جاءت في كتابــه (دلائل الإعجاز) واتي تقول: (إنك لما كنَّيت عن المعني، زدته في ذاته، بل المعني أنك زدت في إثباته فجعلته أبلغ وآكد وأشد)، فالكناية علي وفق هذا هي التي تعطي عمقا وسعة للمعني.
ومن جانب آخر، خالف الدكتور إياد عبد الودود الحمداني الرأي الذي جاء به ابن الأثير (ت622هـ) والذي ذكره في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) وهو: (إن الإستعارة أهم ما في اللغة الشعرية)، فهو يري أن هذا الرأي ليس صحيحا في كل الحالات، وأن الرأي الصحيح هو (إن الكناية أهم ما في اللغة الشعرية)، ولو توقفنا عند هذين الرأيين المختلفين لوجدنا أن كلا منهما يميل ميلا كبيرا نحو إلغاء الآخر، وهذا ما لا ترتضيه الموضوعية التي تري أن اللغة الشعرية مثلما لا يمكنها أن تستغني عن الإستعارة فإنها بالمقابل لا يمكنها أن تستغني عن الكناية، فالإستعارة والكناية هما ركنان أساسيان من أركان اللغة الشعرية، والقول بإلغاء أيٍّ منهما هو مثل محاولة إلغاء الهيدروجين أو الاوكسجين عن الماء.
كما خالف الدكتور الحمداني الرأي الذي جاء به (ياكوبسن) وهو إن الكناية لا ترتقي لمنزلة الإستعارة، وحاول عبره إخراج الكناية كلية من نطاق الأدب واعتبارها سمة من سمات النص الأدبي، فقال الدكتور الحمداني: (إن الكناية من نطاق ـ الشعرية ـ لأنها ذات أثر شعري واضح في التعبير، ومعها تتحقق أعلي مستويات الأدبية، ولا سيما إذا ما تداخلت مع الأنماط التصويرية الأخري) /ص24.
ملخص للملاحظات العلمية والنتائج
بلغ عدد الملاحظات العلمية والنتائج التي توصل إليها كتاب (الكناية: محاولة لتطوير الإجراء النقدي) اثنتي عشرة ملاحظة ونتيجة، ولأهميتها نقدِّم ملخصا وافيا لها:
1. إن الكناية وسيلة أسلوبية ذات أبعاد لا يمكن الإفادة منها إلا إذا اشترك المتلقّي في القراءة النقدية.
2. إن الكناية هي أظهر الأنماط التصويرية في استقطاب المتلقّي، وإن العملية النقدية تتحوَّل إلي عملية إبداعية بحدِّ ذاتها.
3. لا يمكن للكناية أن تخضع لعملية الإحصاء، لأنها عملية محكومة برؤية لغوية ومنطقية لا علاقة لها بعملية التوصيل والأثر.
4. إن دراسة الأمثلة الكنائية تحتاج إلي متلقٍّ فطن ذي إحساس خاص وذكاء يوظِّفه لقراءة ما وراء اللغة.
5. إن هناك ذاكرة لكل لغة من لغات العالم، ترتبط بالتفكير الإجتماعي والأصول القديمة التي جاءت منها مادة اللغة، وإن مصطلح الكناية قد تشكَّل في كل لغة من لغات العالم بطريقة مختلفة، تتلاءم مع خصائص التفكير لكل أمة من الأمم، وإن مصطلح الكناية في المنظور العربي يرتبط بالتفكير الإجتماعي والاعراف وتداعي المعاني وذاكرة اللغة.
6. إن القول بأن الإستعارة أهم ما في اللغة الشعرية هو قول خاص برؤية غربية ترتبط بخاصية اللغات الهندوأوربية، وفي مقابل ذلك فإن الكناية في المفهوم العربي هي أهم ما في اللغة الشعرية.
7. حدَّد البحث أربعة مجسّات نقدية، افترض أنها توجِّه الناقد إلي مداخل جديدة لدراسة الصورة الكنائية، وتلك المجسّات هي: القراءة والقارئ، تحويل القيمة الشعورية إلي قبمة تعبيرية، شرف المعني، التكثيف وخاصية الإستقطاب.

ملاحظات عامة
1. إن الكتابة تضمن موضوعا واحدا عن (الكناية)، وقد وصف المؤلف هذا الموضوع في الصفحة الأولي بأنه (دراسة)، فيما وصفه في الصفحة (43) بأنه بحث، وتكرَّرت كلمة (دراسة) في أكثر من صفحة، وكذلك الحال مع كلمة (بحث)، فهل كان الموضوع دراسة أم بحثا ؟، علما أن كلا من الدراسة والبحث لها اشتراطاتها في البحث العلمي الأكاديمي.
2. جاء في الصفحة (24) من الكتاب مصطلح (النصوص الكنائية)، ولكن المؤلف لم يتوقف عند هذا المصطلح ولم يقدِّم للقارئ توضيحا له، هذا من جانب، ومن جانب آخر يبرز سؤال جوهري هو: هل يعني ذكر هذا المصطلح أن النصوص يمكن تقسيمها إلي قسمين: نصوص كنائية ونصوص غير كنائية ؟.
3. ذكر المؤلف في الصفحة) 24) مصطلح (synecdoche) واكتفي بذكره باللغة الإنكليزية، دون أن يقدِّم ترجمة عربية لذلك المصطلح.
4. بيَّن المؤلف في الصفحة (41) أن (الكناية تقع في التركيب والمفردة)، وشاهده علي الكناية التي تجري في التركيب كان الآية الكريمة التالية: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَي يَدَيْهِ)/الفرقان/الآية 27، أما شاهده علي الكناية التي تجري في المفردة فكان الآيات الكريمات الثلاث الآتية: ( الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ)/القارعة/(1 ـ 3)، مبيِّنا أن مفردة (القارعة) هي المفردة التي تجري فيها الكناية، ولكنه هنا كما نري لم يقدِّم لنا مفردة واحدة فقط بل قدَّم لنا ثلاث آيات كريمات، ثم إنه لم يقدِّم لنا شاهدا آخر علي الكناية التي تجري في المفردة، وهنا نتساءل إزاء هذا الشاهد: هل معني هذا أن الكناية يمكن أن تجري في كل مفردة من المفردات العربية، أم في بعضها فقط ؟ وكيف يمكن الفصل بين الحالتين ؟.
5. حكم المؤلف علي (دراسته) بـ (الغني والرصانة)، وذلك يمكن استنتاجه ببساطة من قوله في (المقدمة): (إن هذه محاولة، نرجو أن تكون قد مهَّدت السبل للتفكير بطريقة جديدة، أتمني أن تتبعها دراسات أخر أغني منها وأكثر رصانة)، كما أنه قيَّم (بحثه) في (المقدمة) ذاتها، مبيِّنا أنه حقق (قدرا من النجاح) وذلك واضح تماما عبر قوله: (توصَّل البحث إلي نتائج أحسبها قد حقَّقت قدرا من النجاح).
6. جاء في الهامش رقم (2) من الصفحة (14) ما يأتي: (يُنظر مادة ـ كنن ـ في المصادر الآتية: العين، معجم مقاييس اللغة، المصباح المنير، الصحاح، أسس البلاغة، لسان العرب، والقاموس المحيط)، فهل يعني هذا أن مادة ـ كنن ـ موجودة في هذه المعاجم دون غيرها ؟، وأنه لم يذكر المعاجم الأخري لعدم تضمنها مادة ـ كنن ـ ؟، ولماذا أولا وأخيرا ذُكر كل هذا العدد من المعاجم التي كان بالإمكان الإكتفاء بواحد منها مثل معجم (لسان العرب) ؟.
7. ذكر المؤلف في المبحث الذي عنوانه (دراسات تأثَّرت بأفكار ياكوبسن عند دراسته لمرض الحُبسة) أن هناك محاولات لنقاد جاءت لتتأمَّل أجواء إنتاج الكناية ولتتمرَّد علي إجراء التحليل المنطقي واللغوي، وذكر ست محاولات، جاء في المحاولة رقم (6) ما يأتي: (حاول إياد عبد الودود الحمداني توظيف نظرية ياكوبسن هذه بطريقة كشف فيها عن… الخ)، ثم أحال القارئ إلي هامش قال فيه (يُنظر: شعرية المغايرة: 66 ـ 68)، وقد ذكر المؤلف ما ذكر وكأنَّ بينه وبين نفسه جفوة من نوع ما أو كان المؤلف قد تبرَّأ من نفسه، وكان من الأفضل أن يستعرض جهوده البحثية بطريقة أخري كما يفعل غيره من الباحثين، وكان عليه أن يعلن بوضوح أنه فعل كذا وكذا بضمير المتكلم.

الخاتمة
حقا لقد استطاع الأستاذ الدكتور إياد عبد الودود الحمداني أن يقدِّم لنا بحثا رصينا جديدا حول الكناية، علي طريق الإتجاه بالدراسات البلاغية نحو الإبتكار، والفهم الجديد الذي يستخدم الآليات الجديدة بعيدا عن الرؤية المنطقية واللغوية المجرَّدة، في إطار تحديث الدرس البلاغي العربي، والنأي عن التكرار والدوران في فلك الأفكار المستعادة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.