د. إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السابع والعشرون)

الجزء السابع والعشرون
وبعد أن قضت أيار وقتاَ مزعجاَ في المدرسة صباحاً بسبب الإتهامات الكيدية الهادفة الى التسقيط وعلى الرغم من دفاعها عن سبأ إلا أن الشكوك راحت تساورها ، إذ كيف لسبأ ان تحبها كل هذا الحب وتتعلق بها كل هذا التعلق وقبل أشهر كانت لا تطيقها ولا تسلم عليها حتى ، فراحت تقلب رسائلها الرومانسية التي تجعل الروح ترقص في قارورة الجسد وتحرك حتى المشاعر المتثلجة ، لكن الوساوس تؤذي الإنسان لذا فلابد من المكاشفة وإطلاعها على الأمر والتثبت منه ، فبوجود نعمة اتصال (الفايبر) تنتفي مشاكل التكاليف .
أيار بهدوء مخلوط بألم وبعد التحية : سبأ أريد أن أتكلم معك كلاماً مهماً جداَ .
سبأ متنهدة : وكأني انتظر اتصالك لذا … إختليت بنفسي وبيدي نقالي … ولم أطفء النور على الرغم من نعاسي .
أيار متألمة : لماذا ؟؟!! تقربتي مني … بعد ان كنتِ تمقتيني … أريد قول الحقيقة … ولا تنسي بأننا تعاهدنا أمام الله على الصدق والصراحة مهما كانت قاسية … فأنا متعبة جداً ولم أستطع النوم .
سبأ متألمة : أولاً هل فعلاً صادقتيني لإغاضة هبة ومجموعتها ؟ وهل فعلاً لإثارة غيرتهن تسايريني للتمثيل لأنك كما هو معروف عنك تحبين أن يغار عليك الأخرين للتسلية والضحك على مشاعر الأخرين ؟
أيار مستغربة : ماذا ؟ ماذا ؟ أنا كل ذلك … هذا محض إفتراء .. وكلام عار عن الصحة … فأنا الصدق بعينه ومشاعري لك خالصة .. ولكن كلام الإخريات يتعبني جداً … ويرهق كاهلي .
سبأ ترقرقت دموعها وتحشرجت العبرة في صدرها : جائتني رسائل على نقالي تحذرني وتتكلم بفضاضة وكأنك شريرة وتريدين الإيقاع بي فضلاً عن انك تتجسسين على خصوصياتي لنقلها الى مجموعة هبة .
أيار منزعجة وقد ترقرقت دموعها : ماذا ؟ ماذا ؟ أنا كل ذلك … وجاءتك رسائل لتحذرك مني .. ماذا كتبوا …؟ وأنا … أيار .. أمارس عمل التجسس عليك لصالح هبة ومجموعتها ، ولكن من صاحبة هذا الرقم ؟
سبأ متأثرة : انه رقم غريب … ولا أحب ان أزعجك بما هو مكتوب عنك ستأتين غداً وتقرأينها بنفسك .. وكلما اتصلت بالرقم أجده مغلقاً ، لكن العمل مقصود … والهدف واضح وأصابع الإتهام توجه الى هذه الوضيعة أو إحدى أفراد فرقتها ، بقصد زرع بذور الشك المتقيحة في صداقتنا الفتية وإبعادنا عن بعضنا بدسيسة ماكرة لتفرقنا عن بعضنا ، لكن غداً لناظره قريب وسترين بعينك الرسائل … نامي الآن … وستتضح معالم الصورة على الواقع منَ الصادق ومن المنافق .
أيار : وكيف أنام وأتون الألم يستعر في صدري من هذه المشاكل التي أنهالت علي دون هوادة … والله أنا لا أمثل عليك … ولست مجبرة على التمثيل أصلاً والكل يعرفني ويعرف صراحتي .
سبأ : وأنا والله وبالله وتالله أحبك بكل جوارحي ولا يكون لديك شك بذلك ولشدة تأثري بهذه الرسائل الماكرة المتوحشة أريتها لأختي أطوار ، قرأتها وسفهتها وقالت انها بفعل الغيرة والحقد لا تكترثي لها .
أيار : وأنا أيضاً أحبك … وسأنسى كل الكلام الماكر الذي قيل بحقك .. فكوني لي أختاً وقفي الى جانبي ولا تتخلي عني مهما اشتدت العاصفة ، شدي على يدي لنحولها الى عاطفة ، والله أشعر بالتعب الشديد وكأن جسدي منهك والساعة الآن أقتربت من الثالثة فجرا .. فلا أعتقد بأني سأقوى على الإستيقاظ باكراً والدوام غدا صباحاً .. لذلك قررت عدم الداوم غداً … وسأرسل برسالة الى أنصاف لتأخذ لي أجازة ليوم غد ، لكن بعد الغد ان شاء الله سنذهب الى إدارة المدرسة ونقدم شكوى عن موضوع الرسائل على نقالك … تصبحين على خير .
سبأ : لا أعتقد بأن الإدارة لها المقدرة تقنياً أو قانونياً على معرفة الوضيعة التي أقترفت هذا الذنب وهذه الدسيسة ، أنا من رأيي ان نسفه الأمر ونطبق قول الشاعر(متاركة السفيه بلا جواب أشدُّ على السفيه من السباب) ، ونداوم وكأني لم أر الرسائل وسأغير الشريحة ، ولنواجه هذه الأزمة بقوتنا وتآزرنا وأخلاصنا لبعضنا ، على عكس ما يريده الوشاة ، والأمر متروك لك ان لم تقتنعي برأيي ، فلك حرية التصرف وأنا سأكون معك قلباً وقالباً ، وأريدك ان تعرفي بأن الحياة التي لا توجد فيها أيار لا أحب العيش فيها وأنا أيضاً لن أداوم غداً وسأكلف أنصاف برسالة لتأخذ لي إجازة ، ومتى ما قررتي التغيب أبلغيني حتى أتغيب معك ، وأعلمي ان الحب علاقة سحرية متعلقة بالجوهر وليس بالمظهر فأن كان جوهرنا صادقاً فلا يتأثر بالسيول ولا بالرياح ولا بالطوفان ولا حتى بالزلازل .
سُـــبل لا تتأخذ أيّ قرار إلاّ بعد مناقشته مع مروة هاتفياً ، لاسيما وأنها ستتخرج قريباً من الكلية الطبية وستصبح طبيبة ، فراحت تفكر بمشروع للعمل في أحد المجمعات الطبية في أحد الأقضية ، لكن والدتها وعلى الرغم حاجتها تعارض ولا تتفق مع هذه الفكرة لبعد المساحة ولخوفها المفرط ، وتقترح عليها أن تفرد غرفة الإستقبال في البيت وهي كبيرة وتفي بالغرض أي تطويرها وتقسيمها بالألواح الخشبية وتحويلها الى عيادة وفي ذلك راحة للقلب وتقليل للتكلفة ، لكن سُبـــل لا تريد التضييق على عائلتها وبيتها وتريد الإعتماد على نفسها وأن لا تتكأ على بيتها وتحويله الى عيادة ، وإنما بالإتفاق مع مجموعة من الأطباء بتأجير أحد المنازل وتحويله الى مجمع طبي ، ودفع التكاليف من الإيرادات التي تتجمع خلال العمل ، وأمامها وقت لإعطاء قرارها الى المجموعة الطبية وعليه تحتاج الى مناقشته الموضوع مع مروة .
مروة متنهدة مبتسمة : والله أشعر بالسعادة القصوى… يا دكتورة سُبـــل ، وجاء اليوم الذي نتناقش فيه حول موضوع العيادة … فمن حق الوالدة ان تخاف على ابنتها المتآلقة … ومن حقها ان تفخر بها .
سُبـــل : أشكرك حبيبتي … يا أستاذة اللغة الإنكليزية المبدعة … غردي الآن … ما هو رأيك بما سمعتي … فرأيك عندي مهم ولا أرتاح إلا بسماعه والإستئناس به .
مروة مبتسمة : أقسم لك بأني أحبك وخوفي عليك لا يقل عن خوف خالتي عليك فهل عندك شك ؟
سُبـــل : أبداً حبيبتي والله أعرف ذلك أتعرفين لماذا ؟ لأن هذا هو نفس مشاعري تجاهك .
مروة : جيد … أذن … فأمامك خياران … فأما الأول فهو ان أستأجر لك عيادة (ولا تقولي كرامة) فهذا عمل ، وعندما ينجح المشروع ويتعرف الناس على العيادة بإمكانك التسديد وقتها ، والخيار الثاني : فأنا أوافق وأشدُّ على يد خالتي بفكرتها ، لأن داركم ذات مساحة كبيرة ، وغرفة الإستقبال موقعها ستراتيجي وفي ركن البيت والبيت في الاصل واقع في مكان ستراتيجي ركن في شارع رئيس ، والنقطة المهمة هنا بأنه لا يوجد مجمع طبي في الحي وأكيد سينجح هذا المشروع ، وسأقدم لك أخشاب الفيبر التي تستخدم في تنظيم العيادة من شركة الأوجي للنجارة ، وسأطلب من والدي الإتفاق مع أحد الموظفين لأخذ القياسات .
سُبـــل متنهدة : لكن … يا مروة … لا أستطيع .
مروة منزعجة بفتور : سُبـــل … هذا الأمر … فراق بيني وبينك … لأني لا أطيق شعورك هذا تجاهي ، واسمحي لي … لا أستطيع الكلام لقد نفدت طاقتي …وأشعر بأن صداقتنا على كف عفريت… الى اللقاء .
سُبـــل متأثرة وقد سالت دموعها : مروة … كيف ينطق لسانك هذا العبارة … والله … أتمنى ان أفارق الحياة قبل التفكير بفراقك … ولماذا هذا الوصف القاسي على قلبي ( على كف عفريت ) … الى اللقاء .
مروة متأثرة وقد خنقتها العبرة : أرجو فنحن توأم لروح واحدة فلا تجعلي هاجس الشعور بالتكلف يعرقل صفو صداقتنا الرائعة،وكأننا إلتقينا للتو صدفة على قارعة الطريق،وأنا قصدت بعبارة فراق بيني وبينك بالنقاش،وما دمتِ لا تقتنعين برأيي فلماذا تطلبين مني الرأي والمشورة،ثم أن الهدية التي سأقدمها لك من شركتي وأنت تعرفين ماذا أقصد بشركتي،وإن منعتك كرامتك من قبول هديتي فإعتبريها بيعاً بالتقسيط .
سُبـــل : حبيبتي … هدأي من روعك … سأقبل عرضك … وسأقبل هديتك … سامحيني أرجوك .
مرة أخرى تستأنف زكية حديثها متابعة الأحداث التي عقبت إصطدام عصام بنزار ، مما قاد الى رفع شكوى قضائية ضده لأن ساجدة أثر هذه التصادم دخلت المستشفى ، لكن ولاء دخلت مرحلة من التوتر لم تعهدها من قبل وقد افقدتها اعصابها ولم تحتمل هذا وراحت توجه أصابع الإتهام الى زوجها ، ولا سيما وأن أخاها خلف القضبان ، ومطالبته بالتنازل عن الشكوى لأن البيت يعود للطرفين ، ولكن العنت لا يقود إلاّ الى عنت وفي لحظة من التوتر قام نزار بطرد ولاء من المنزل مستخدماً كلمات مهينة بحقها لم تعهدها من قبل ، وقد وصل جدالهما الى المحاكم وهي تطالبه بحقوقها في المنزل لأنها انفقت اكثر من نصف تكلفته ، ولكن نزار اتخذ موقفا مضادا لموقفها ، متخذاً قرارا مصيرياً كارثياُ بسبب جزعه من عائلتها بحسب زعمه بطلاقها ، وخرجت فقط بملابسها من بيتها الذي تشاطرت في بنائه بعرق جبينها ، ولم يتنازل عن الشكوى إلاّ بعد ان خرجوا من منزله وغادرت ولاء معهم والدموع تتطاير من عينيها والصبية يتصارخون وينظرون إليها من النوافذ ، ولم يحرك هذا الموقف عاطفة نزار ولا قدر أنملة ، إلا أنها لم تفقد الأمل وحاولت ان ترجع المياه الى مجاريها قبل صدور الحكم بطلاقها ، عادت الى المنزل بعد اسبوع لرؤية اولادها ولا سيما ولدها المريض أياد ، ولكن لم يقابلها وأقفل باب الغرفة على نفسه لئلا يضعف أمام توسلاتها مما أضطرها الى المغادرة في جو مآساوي يفجر الحجر .
مروة متنهدة واضعة يدها تحت خدها : كما يقول الحكماء … الحياة القاسية تطول الأظفار.
زكية : صحيح أنستي إنه قاسى وعانا من المشاكل وطالت أظفاره ليظلم بها من وقفت معه وعانت وقاست الأمرين وهي صابرة ، ولم يعترف بالجميل … فالمهم استأجر عصام منزل جديد ، وأفرد لها غرفة خاصة بها ولابد عليها من الخضوع لرسائل القدر المباغته وتقبل بالأمر الواقع ، وفي غضون اسابيع قليلة صدر الحكم النهائي بالتفريق ، وفشلت الدعوى المقدمة من قبل ولاء لإنعدم وجود أدلة كافية قانونية وموثقة تثبت بأنها شاركت في تكاليف المنزل وان شاركت في تسديد القرض ، فسلمت أمرها الى الله عملها دوامها في المعمل وهي ترى نزار كل يوم ، وقد توسلت بعدد من الزملاء للتأثير عليه ، إلا إنه وكأنه أصيب بكآبة نكوصية ، لا يسمع لأي طلب ولا يتأثر لأي توسل ، ويغادر المكان كلما فتحوا سيرة الموضوع ، ولم ترعوِ هي عن توسلاتها لأجل أبنائها ولا سيما ولدها المريض ، ولكن دون جدوى كل توسلاتها ذهبت أدراج الرياح ولم يحرك ساكناً ، طلب نقله الى مؤسسة أخرى وبالفعل تمت عملية النقل ، ليقطع الصله بها ولا يراها ، لكنه لم يمنعها من رؤية أولادها ، ومن حسن طالعها ان المنزل الذي استأجرته مع أخيها قريب من مدرستهم مما يتيح لها رؤيتهم كل يوم ان شاءت وان سمحت لها ظروف عملها ، وتعطيهم النقود كما عودتهم كل شهر .
مروة قلبت شفتيها : لا يعرف الإنسان عاقبته … وان كان فوق الهرم السلطوي .
زكية متنهدة وبألم : ومن جديد دارت الدوائر عليها فبعد ان كانت تبكي ولد واحد اليوم تبكي على أربعة أولاد ، من جانب أخر لا بد عليها من التواصل بالعمل لتعيل نفسها وتدفع إيجار المنزل ، وقد تعرّف عصام على سائق تكسي أسمه صدقي بعمر عابد ليوصلها الى موقع عملها ، ومع الأيام تأقلمت مع ظروفها بعد ان كبر أولادها ودخلوا المتوسطة،والمضحك المبكي ان خطابها على قدم وساق لجاذبيتها المعهودة.
اتفقت مروة مع والدها حول موضوع تأهيل غرفة الإستقبال وتحويلها الى عيادة وبصورة منظمة ومنتظمة وجميلة بعد فصلها عن المنزل ، ورجته ان يتبنى الفكرة وكأن العيادة لها ويرسل من يثق به لتولي هذه المهمة مع بعض العمال العاملين في الشركة ، وقد كان عبد الرحمن يحب سبل كثيراً وكذلك والدتها فاطمة وقد أعتادا على أهمية وجودها في حياة ابنتهما ، ولاسيما وان والد سـُـبل متوفي وأخوها لا زال صغيراً ولم تعتد هي بعد تولي مثل هذه المهام الصعبة ، وبالفعل بدأ عبد الرحمن بالتخطيط لهذا الأمر والإعتماد على أحد المصممين في الشركة بوضع صورة مناسبة لما ستؤول إليه العيادة ، وقد كلف من يثق به للإشراف على العمل سواء ما يتعلق بعمال البناء ( لفصل البناية عن المنزل ) ، أو العمال الذين سيتفننون في تغليف الجدران والسقوف بالتصاميم الأنيقة ، شريطة ان لا تتدخل سُبــل بأية تفاصيل ولا تدخل المكان إلا بعد إتمامه ، وسبل بدورها وافقت وهي عاجزة عن الشكر وتخشى بشدة زعل مروة حتى وان تعارض الأمر مع أرائها وما تربت عليه من تكلف وعزة نفس.
منذر يتكلم مع نفسه لا أعرف ماذا أفعل الآن حتى أفوز بملكة أحلامي أحبها وهي لا تحبني ولا تعلم ولا تحس بأحساسي ومشاعري تجاهها .. ولا أعرفُ أيضاً كيف وصل بي المطاف الى هذه الحالة ، أحسها في كل لحظة معي في سكناتي وحركاتي ، حبها يسري في عروقي ويمدني بالحياة ولا أتصور حالتي كيف ستصبح بعيداً عنها .. اني اتعذب أموت في كل لحظة .. وليتها تشعر حتى بلواعجي ، على الرغم من كلمات الإعجاب المغلفة بشغاف قلبي التي كانت تنساب من على شفتي ،كل لحظة تقول لي .. يا اخي .. ويا اخ منذر .. وكأني أنفخ في قربة مثقوبة .. وأحلامي محض سراب وكلامي هراء يذهب سدى .. آهٍ .. كيف أصلُ لها وبأي طريقة .. ولا أعرف كيف أثير إعجابها وأتقمص دور فارس أحلامها ، وان كنت انا حقيقة لا أعرفهُ رائد فضاء أم عالم من العلماء ، سأدع عيوني تتكلم لحبيبة عمري وتميط اللثام عن حرقة فؤادي وإلتياعه.
وراح يتكلم في دخيلة نفسه وهو يقول : فرحت لسماع صوتها واهتزت لها عروش مشاعري لكن للأسف جابهتني بأسلوب الصدود ، الذي هو اقرب للأهانة آهٍ.. لو تعلمين حبيبتي كم أُقاسي من اجلكِ آلاماً مستديمة لا تبرح مكانها عقلاً متيماً قلباً مقطعاً فكراً مشتتاً وعينين مؤرقتين لا تعرفان سبيل الكرى وناراً متوقدة بين جوانحي لا اعرف كيف أطفأها .. لو تعرفين كل هذه المعاناة لما فعلتِ بي كل هذا .. تنهد تارة اخرى واستطرد قائلاً : لقد احترت في امري يا مروة .. ساعديني ارجوكِ .. وخلصيني من هذا العذاب .. أاصارحكِ بلواعج حبي .. ام لا ..لا اعرف .. الذي اعرفه .. هو انكِ سوف ترفضين كما رفضتِ الذين تقدموا من قبلي .. ام انتظر .. الى ان اثبت نفسي في العمل وانجح بجدارة .. واحرز الرضا والتقدم .. أهٍ كم هو بعيد هذا اليوم الذي ارجو قدومه .. لذا لابد ان اكون مكيثاً .. ورجلاً بحق .. عليه الاعتماد في المستقبل لكن كيف ذلك يا منذر .. وانت عندما تراها .. تضطرب ويهرب أسلوبك هذا وتهوي من على جبل شاهق الإرتفاع تحت قدميها .
دخلت أيار الى الصف وألقت التحية على زميلاتها وكأنها لم تسمع بأي مشكلة لكن توجد رغبة جامحة برؤية الرسائل في نقال سبأ عند نهاية الدوام ، المهم بدأ الدرس الأول اللغة العربية حيث كان درس مادة الأدب والمدرّسة كما أسلفنا تفرض على الطالبات الإلقاء أمام الطالبات ، وما هي إلا خطرات حتى دخلت سبأ مسرعة لتتلافى تأخيرها ، وعندما جلست في مكانها قرب أيار شدت على يدها بقوة ثم استخرجت كتابها وراحت تواصل الدرس وهي تتمنى ان تتلاشى كل المحاضرات بسرعة لتنفرد بأيار وتكمل النقاش حول الموضوع الآنف الذكر ، ولتطبق خطتها التي أعدتها لمواجهة هذه التحدي من مجموعة من الطالبات وهي بإعتقادها انها قادرة على هذا التحدي وتمتلك من الدهاء ما لا تتوقعه الأخريات ، وان أردنها حرباً فحرب ، وانها لن تتخلى عن أيار ، وقالت سأستفيد من القول : ( الحرب خدعة ) ، المهم جرى الدرس بكل إنسيابية والكل شارك الى ان وصل دور أيار ، فنهضت بكل جد وزهو لتلقي القصيدة وكأنها أمام سبأ فقط هذا ما راحت تشعر به منذ مدة ، وذات الشعور تولد عند الأخرى ، وسبأ تنظر إليها بإعجاب ، وأنظار المجموعة الماكرة ترنو إليها بتعجب واستغراب ، وقبل إن تنهي أيار واجبها رن الجرس معلناً إنتهاء وقت الدرس فخرجت المدرّسة ونهضت الطالبات من أماكنهن وتعالت الأصوات وأيار قادمة الى كرسيها فباغتتها سبأ بالتحية وعانقتها بشدة وكأنها موجة انهمرت عليها ، وبصوت مسموع … حبيبتي أشتقت إليك هل أنت بخير لماذا لم تداومي البارحة ؟ مما قاد الى رسم ابتسامة مباغتة على محيا أيار .. لكنها تبدو واقعاً مريضة ومتأثرة من الموقف وان لم تتفوه بعد بالأمر لكنها تريد معرفة الرقم الذي أرسل على الأقل .
كانت الصدمة قوية على المجموعة التي شعرت بالخيبة وفشل المخطط والمنظر الذي حدث امامهم لسان حال وحسن مقال ما بينهما ، وإعلان أمام الجميع بأن هناك علاقة صداقة صلبة كالحجر الصوان الذي لا يتأثر بوخز الأبر ، وبعد هذا المنظر تجمعت الشلة حول أيار ورحن يتبادلن التحايا ، ويسألنها عن التغيب أو الإجازة ، لكن أيار بدت عليها علامات الحمى والقشعريرة ، وراحت تشعر بالبرد على الرغم من اعتدال الجو ، فإنسحبت الى كرسيها فراحت سبأ وعلى الرغم من صدق مشاعرها راحت تبالغ في تصرفاتها لإثارة المجموعة الماكرة وتوهمها بأنها لم تتلقَ أية رسائل ، فسحبتها بإهتمام فتارة تشدُّ على يدها وتارة تجس حرارة جبهتها ، ولكن أيار بدأت بالشعور بالبرد وقد بدا ذلك عليها وما كان من سبأ إلا أن خلعت سترتها ووضعتها على أكتافها مكتفية بالقميص الأبيض ، وعندما دخلت المدرّسة رأت الحال فعرضت على أيار الذهاب الى غرفة المكتبة لأنها دافئة لإحتوائها على المدافىء (الهيترات) ولترافقها أحدى الطالبات ان رغبت ، فراق لأيار الأمر ونهضت لتخرج ، ونهضت معها بالحال هبة ولينا وأنسام ، فقالت المدرّسة ، طالبة واحدة تخرج معها ، فإسرعت هبة ، وقبل ان تخرج ، نهضت سبأ وقالت مدرّستي عذراً أن سترتي على أكتاف أيار ، اسمحي لي بالخروج معها وما أن تدفأت ستعطيني سترتي لئلا يصيبني الزكام ، ابتسمت المدرّسة وقالت : وهو كذلك ارجعي هبة وتفضلي سبأ معها وأذهبا بسرعة الى غرفة المكتبة ، فإمسكت بيدها كعادتها وتوجهتا ، وجن جنون هبة وكأن الغضب والغيظ يخرج من عينيها ، ولا تعرف كيف ان لسبأ هذا الدهاء دون ان تنبس بكلمة ولا أحد يعرف حتى طريقة تفكيرها … تتصرف بغرور ودهاء .
وعندما جلسن على كراسي المكتبة قالت سبأ برقة … أشكرك حبيبتي لأنك فهمتيني … عندما تكلمت حول السترة وأدعيّت خوفي من الزكام … وأكثر ما خشيته ان ترجعي لي السترة امام الصف .
أيار مبتسمة وقد خلعت السترة وأرجعتها : أكيد فهمتك … خذيها أرجوك … أصبحت بخير فالجو هنا دافىء ، وأشكرك حبيبتي على موقفك الرائع … الذي سيبقى في الذاكرة ما حييت … أنزعجت عندما نهضت هبة ولم يثر أهتمامك … وأنا أنظر إليك … وأنت جالسة متسمرة في مكانك … ولكن .
سبأ : أنتظرتها تنهض … ثم أقوم أنا … وأطالب بسترتي … التي تخولني بمرافقتك … والحمد لله حدث ما توقعته وبدقة متناهية … وتقصدين بلكن الرسائل الماكرة .
أيار متنهدة : أشكرك حبيبتي … لأنك تقرأيني قبل ان أتفوه .
سبأ : النقال … معي الآن .. وعندما تشعرين انك بخير لنذهب الى الساحة وتطلعين عليه ، ولكن لا أعتقد بأن الذي أرسلت هذه التفاهات من نقالها أكيد لديها شريحة ثانية وبدون مستمسكات تستخدمها فقط للنميمة ما بين الناس ولا أعتقد أنك ستتعرفين على المذنبة ثم استطردت مبتسمة لكن اعلمي بأني انزعجت جداً عندما سمحت المدرّسة لها بالخروج ، فشعرت وكأني طفلة ستبكي على دمية وقطعة حلوى فوقفت بالحال .
أيار مبتسمة ممازحة : أشكرك … جعلتيني … دمية … بيديك .
سبأ شدت على يدها : يا إلهي … يا إلهي .
أيار مبتسمة : لكني لن أزعل … لأنك الطفلة التي ستعتنين بي .
سبأ متأهبة للنهوض : سأذهب … ما دمتي تحسنتي .
أيار مبتسمة ممسكة بيدها : أرجوك أبقي معي … لم أتحسن ان ذهبتي سترتفع درجة حرارتي … وستضطرين الى أعطائي سترتك من جديد وسيصيبك الزكام … فيا أيتها الزعالة لا تنحري الحقيقة في عجالة .. ثم استطردت ممازحة لكن ما هو رأيك لو إني أمثل البرد كل يوم ونتأتي هنا … فأنا … أحب لقائك … لماذا انت صامته … أنظري إلي ولا تبعدي أنظارك عني … أتعرفين … بأني أحب الجلوس معك … والمشي معك والوقوف معك والحديث معك .
سبأ مبتسمة : تقصدين المشي تحت المطر والطالبات يتفرجن علينا ويتهامسن بأن هناك طالبات مجنونات يمشين تحت المطر في الوقت الذي تحتمي الاخريات تحت المضلات،أتذكرين في أول لقائنا عندما سقطت علينا زخات المطر وأحتفلت العصافير.
أيار مبتسمة : وكيف أنسى .. يا له من يوم رائع … والله استغربت كثيراً عندما رأيت العصافير تطير تحت زخات المطر غير أبهة به وناسية تبلل ريشها … مقابل لحظات سعادة جمعتها مع من تحب … وليس مثلك … تعطينني سترتك ثم تطالبين بها أمام المدرّسة .
سبأ : سأتحملك لأن حرارتك مرتفعة وأنت تعرفين ماذا تفعل الحرارة بصاحبها تجعله يهلوس بلغة أخرى .
أيار : أتقصدين مجنونة … ثم من طلب منك مرافقتي لكنك هربتي من الدرس طبعاً .
مروة : لقد أرسلت لك كل الصور على الواتس أب ومباشرة .
سُـبل : لكنها فعلاً صورٌ جميلة جداً وواضحة ومعبرة وناطقة وبديعة ، وقد حدقت بالصور كثيراً ولاسيما تلك التي تجمع بينك ومنذر .
مروة ضاحكة : مابكِ يا أمرأة … خيراً .. ماذا دهاك .
سُـبل بغزل : كم انتما لائقان لبعضكما في هذه الصور .
مروة فتحت فمها دون ان تنبس بكلمة وقد إنتحرت العبارات على لسانها .
سُـبل: ما بكِ مروة لم تعلقي على رأيي .
مروة مبتسمة : لم أعلق لأني لا أريد الخوض بمثل هذه المواضيع وانا واثقة من اني إذا ما استمريت بذلك .. سوف لن أصل الى ما أطمح إليه في دراستي لذلك أنا أحذر الإنجراف في مطبات الهوى ، وأنا افهم ما تقصدينه وان لم تتفوهي به ، لكني أُزيدكِ علماً ومعرفة من إني متأكدة ومئة بالمئة وبلا ريب من ان منذر كان يعرف مكان سفرتنا .. إذ .. لم يكن لقاؤنا صدفة اتفهمين عزيزتي لم يكن صدفة أبداً .
سُـبل مستغربة : ماذا يا مروة .. كل شئ تقيسه بمقياس وتكيليه بمكيال ، ولكن هل هذا حدس أم رجم بالغيب إذ كيف لكِ معرفة أن منذر لم يلتقيكِ صدفة ؟ هل تقرأين الغيب ياترى أو لكِ دليل وبينة .. ؟

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: سيف ٌ في غرفة الضيوف على الجدار

واقفٌ يتباهى بسيف ٍ صائمٍ غمّدهُ الغبار صاح أصغرهم : هذا سيفٌ لا تخشاه طيور …

مسدس كاتم للوقت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

من بؤبؤ عين سحرية أترصد الوقت الجاثم على الباب كان يرتدي بِزَّةً عَسْكَرِيَّةً يبدو طويلا …

اقتباسات من أعمال الروائية “حنان الشيخ”

# يرعبني الشعور بأن علينا نسيان الشخص الأهم لدينا. الأوكسجين الذي كنا نتنفسه، بتره من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *