تابعنا على فيسبوك وتويتر

لا ذاكرة للوطن

قصة قصيرة

عقيل فاخر الواجدي

علامة فارقة سيجارته التي في يده ، معقودٌ قِرانُها منذ اَوّل فجيعة اَلَمَّتْ بروحه ، دخانها الذي يُعَبِّئ المكان يرسمُ ذات المشهد دون خروج عن النص ، هما عنوانان – يده وسيجارته – لأيامٍ تعيد نفسها .

ساقهُ التي اَلْقوها كيس القمامة بقيمة وطنٍ بخلَ عن لحظةِ اتكاءٍ له ، خيالهُ الذي يتكسرُ على الزاوية من الغرفة الناعسة الضوء لحظةُ ندم ، وعيناه التي تشيحُ عن التركيز مقصلةٌ تقطعُ منه في كل لحظة منها حُلما تعثر عند ابواب العوز . رؤوفا كان المشرط به فهو لم يقطع ماتبقى من ساقه فحسب انما قطع الوجوه المزيفة التي تلاشت تباعا ليبقى في عالم من الوحدة لاانيس له الا نافذة هي عينه التي يطل بها على العالم ، وبقايا امنية كهذا الدخان ما ان تتسع دائرته حتى يختفي !

العويلُ الذي اصاختْ السماء عن سماعة سِمَةُ البيوت التي تُفْردُ روحها سخاءً ، على ضيقها ، وحدها من تتناوبهُ – العويل – اياتٍ بيناتٍ تُتلى اناءَ اليتمِ واطرافَ الموت ، فالليل يرنم الانين المنبعث من الصدور حتى تخال ان البيوت تصغي اليه لتنعم بالسكون ، لاابلغ من صمت الحزن بارواح انهكها الترقب وخداع النفس ان العيون ستصحو على وجوه طال ترقبها …

الليل ملاذ المنكسرين الخائبة احلامهم الرامقين السماء بعين التلطف ، هاهو الليل يزف الى مسامعه عويلا اخر ، وآخر من هناك ، وآخر … ماعاد صوت العويل يخطف قلبه كما قبل ، فربما لانه بلاقلب منذ ان خطف العويل قلبه على صراخ تجمهر عند باب بيته لتشيخ احلامه دفعة واحدة وهو يرى اباه مسجى على ظهر سيارة ! اودع قلبه حيث ماتبقى من ابيه في حفرة ادرك فيما بعد انها قبر ، هو الليل الذي ماعاد يرهبه فكل الايام من دون ابيه ليل … وكل البيوت المحدودبة حزنا ضحايا للحروب التي لاقود لها الا الفقراء … الحروب ترث بعضها في وطن ادمنه الموت .

لا فيروز للصباحات الكسولة في مدينة تتلفتُ طيورها فزعا من حصى الصبية الذين يسبقون الفجر نحو المزابل ، هي روحٌ اخرى يشيعها العويل نحو السماء لتُمطر َ البيوتَ وجوما وحزنا . الحالمون بسقفٍ وحدهم من يشيدون الجدران وينسجون الاماني سلالما ، ووحدهم من يهبون الارواح بلاثمن ..

سكون قاتل هذا الليل لا يكدره سوى صريرِ ابواب الصفيح لبيوت تراصفت الى بعضها كأنما تنشد الدفء ، عيناه وحدهما من يرقبان العالم وهذه السماوات التي تتعطل عند ابوابها الادعية وارواح المغادرين ، لا انباء عن الفقراء الذين شيَّعهم العويل ، معطلة حواسنا عن ادراك ذلك ، من كان عبدا في الارض لاشك لن يكون ملكا في السماء !

منسي – هو – كفكرة لم تُدَوَّن ، منذ ان تخلى الوطن عن ذاكرته ، النافذة عالمه الفسيح ومتكؤه الذي لا يَضْجَر ، اعقاب السجائر التي تتطاير من النافذة بحركة لولبية بعض متعته وهو يراها تندفع من يده كرصاصة ، الرصاص الذي كاد ان يفجر الرؤوس لازال دَويّه في اذنه وهو يقفز السواتر تباعا للوصول نحو الرابية التي تنفث رصاصها نحوهم ، قلبه الذي دفنه نبضت به الارض ، الفقراء وحدهم من يخافون على مالايملكون ووحدهم من يظنون انهم يملكون كل شيء !! لكنما ما كانت الشجاعة كافية لان يعود بساقه ولا الدماء التي تناثرت كافية لاخضرار غد !


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"