تابعنا على فيسبوك وتويتر

قراءة في كتاب (مسرحة الآلام )
أحمد الشطري
كانت ومازالت العروض المسرحية تشكل عنصر جذب للكثيرين، بمختلف توجهاتهم واذواقهم واهتماماتهم ووعيهم، ومن المؤكد ان لكل جمهور ذائقته ووعيه واهتماماته التي تؤثر على اختياراته لنوعية العرض المسرحي الذي يسعى لمشاهدته، وهو أمر طبيعي، بيد ان للمسرح وظيفته التي تحتم عليه، ان لا تنحصر دائرة اهتماماته واهدافه في الجوانب الترفيهية، بل ان للمسرح دورا هاما في النهوض بالواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع الذي يخاطبه، لا ان يكون سببا في زيادة تردي ذائقته ووعيه، وهو ما نلاحظه في الكثير من العروض الهابطة التي يقدمها (المسرح التجاري) منذ التسعينات وربما اصبحت الآن اكثر اسفافا وانحدارا. واذا كانت عروض( عروض المسرح التجاري) باتت معروفة ومألوفة و ربما لم تأخذ من مداد النقاد ما يمكن ان يراق في الحديث عنها. فان تلك الاقلام لم ولن تهمل الحديث عما يقدم من عروض مميزة بنصوصها، او بتقنيات عرضها، او بخطابها واهدافها، وهي ما يمكن ان تمثل المسار الصحيح للعمل المسرحي، بغض النظر عما يؤشر عليها من ملاحظات، تتعلق بمدى اقترابها او ابتعادها من معايير الجودة والتفوق، سواء في الجانب الفني، ام في الجانب المتعلق بمدى تمثلها للواقع المعاش، وتفاعلها مع التجارب العالمية المتطورة.
ومن هنا جاء كتاب (مسرحة الآلام… تحولات المسار ونقد المقدس) ليرصد لنا فيه وعبره الناقد امجد ياسين الحركة المسرحية الجادة للفترة من 2013 الى 2018 ويستعرض بتحليل نقدي واع ومميز ثلاثين عرضا مسرحيا. من حيث النص والاخراج والاداء ومكملات العرض الاخرى ومدى التكامل والانسجام بين هذه العناصر ثم الحق ذلك ببعض التنظيرات ومن ذلك موضوع النص باعتباره الاساس الذي يبنى عليه العرض المسرحي، والفرق بينه وبين النص القصصي اذ يقول: “الفرق كبير جدا بين السرد الذي هو عماد النص القصصي والحوار الذي هو عماد النص المسرحي.” ص 154 وهذا الاختلاف بين النصين لا يلغي المشتركات بينهما فكلاهما يعتمد الحدث اساسا لبنائه.
منهجية وسمة العرض
مثلت الاعمال المسرحية المرصودة مدارس عدة واساليب مختلفة سواء في منهجية العرض ام في سمة النص، وقد تناول الكاتب هذه المسرحيات بتحليل فني واع كاشفا جماليات كل عرض سواء من حيث عمق ثيمة النص وقدرة حواراته على ايصال الفكرة الى المتلقي او لكامل العملية الانتاجية من حيث الاخراج والتمثيل والتقنيات الاخرى المصاحبة ومشيرا الى مدى تمكن العرض من خلق التواصل المطلوب مع الجمهور والقدرة على خلق اجواء الدهشة والابهار.
وعملية رصد كهذه تتطلب احاطة ووعيا من الراصد تمكنه من تحليل العروض وتقييم عناصرها منفردة آنا ومجتمعة آنا اخرى وفق رؤية نقدية منهجية ثم بيان مدى نجاح او فشل كل عرض مسرحي في التأثير بالمشاهد باعتباره المستهدف الرئيسي للعرض وهو عامل رئيسي في قياس جودة العمل من عدمها.
لقد حرص الناقد امجد ياسين في استعراضه للعروض ان يشير الى العناصر التي وفق العرض في تقديمها بالشكل الامثل والعناصر التي اخفق فيها.
وكمثال على ذلك ما اشار له في مناقشته لمسرحية حصان الدم اذ يقول:” كان الاداء وحركة الممثلين قليلة جدا، بسبب تركيز المخرج على استغلال الضوء وحركة المسرح الدوار في بناء بعض مشاهد المسرحية” ويرى” ان حضور المؤثرات، كالصوت والاضاءة وغيرها مهم، على ان يحضر الممثلون بدرجة اكبر، لانهم اساس العمل” ومما لا شك فيه ان العمل المسرحي هو وحدة متكاملة لابد ان تتوافق جميع عناصره وان لا يجري الاهتمام بعنصر دون اخر، فأي خلل في احد العناصر سينعكس سلبا على كامل العمل.
تمثل النص للواقع
ومن بين النقاط التي حرص على الاشارة اليها هو مدى تمثل النص للواقع الذي نعيشه ومدى انفعاله وتفاعله مع المعاناة التي تواجه الفرد والمجتمع كما نجده في حديثه عن مسرحية (Noise) اذ يقول” المسرحية قراءة في الواقع العراقي، فكان الارهاب الفكري والجسدي والنفسي حاضرا، بل هو محور العمل، … وكأن هذه الفوضى هي من صنعنا، لأنها نتاج افكارنا وقناعاتنا، وما تلوثنا بها الا لأنها وجدت من يحتضنها ويمهد لها ويقدمها الينا،”.
ان رصد واستعراض امجد ياسين للاعمال المسرحية لم يكن استعراضا فنيا وتقنيا محضا بل انه حرص على ان يناقش تلك الاعمال من جوانبها المتنوعة سواء من ناحية الأداء الفني او المحتوى الدلالي.
وقد قام بتقسيم العروض الى ستة انواع هي: ( المسرحيات التناصية ومسرحيات الذات ومسرح الحواريات ومسرحيات معرّقة ومسرحيات معاصرة ونصوص عراقية قديمة) وهو تقسيم أراد من خلاله وضع النصوص في اطارها المرجعي ومناقشتها وفقا لذلك.
ثم تبع ذلك بعرض نظري لرؤيته النقدية لواقع المسرح العرقي بعد 2003، وما على المسرح ان يقدمه في ظل فسحة الحرية التي تتيح للخطاب بكل توجهاته ان يرفع صوته وان ينطلق في مساحات شاسعة من التعبير دون ان تحد من انطلاقته جدران القمع والتكميم. اعتقد ان الكتاب نجح في التعريف بالحركة المسرحية للفترة المذكورة وأشر سلبياتها وايجابياتها بوعي ومقدرة تستحق الثناء والاعجاب.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"