ميسلون هادي : النخلة (ملف/53)

إشارة:

يسر اسرة موقع الناقد العراقي أن تنشر هذه القصة القصيرة المميزة للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي ضمن الملف المخصص لإبداعها.

النخلة
ميسلون هادي
كل يوم عند غروب الشمس يفترش (عبد الله) التراب الحار أمام الخيمة يأكل من صحن التمر، ويشرب من كأس اللبن، فتشرب السماء معه من لون الشفق حتى تغرق بدم اليمام، ثم ما تلبث أن تعتم ويسوّد لونها، إذ تفارق أشعة الشمس الغاربة المدينة شيئا فشيئا، لتتركها تحت رداء الليل مملكة من العتمة والوحشة زادها من الضوء كواكب منيرة تبعد عنها ملايين الاميال والسنين .. وكأن الشمس تريد أن تكّفر عن قسوتها على المدينة في النهار، فترسل لها من خلل النجوم في الليل البارد ضوءاً رحيما حالما كأنه لآلاء مصابيح من نور الجنة .
وكل يوم عند الغسق عندما ينتهي (عبد الله) من لبنه وتمراته يطمئن على فرسه المربوطة عند الخيمة، ثم يضع رأسه على عباءته المطوية وينام… وقد حلم (عبد الله) ذات يوم بتلك النخلة التي تحدث عنها الناس طويلاً .. قالوا إن ثمرها طيب، وكأنه من زرع مسحور، وإنهم ما ذاقوا طول حياتهم تمراً ألذ ولا أحلى من تمر تلك النخلة، وإن تلك النخلة المعطاء الطيبة تقدم ثمرها للناس بكل شهامة وكرم، فمهوى عذوقها يقع عند ارتفاع قامة الرجل، فلا يمد المرء يده حتى يطال العذوق المتدلية، ويقطف منها ما يشاء من تمر كأنه أصابع من عقيق.. وإذا ما أكل المرء منها وشبع، فان هناك على مقربة من النخلة، عين ماء صافية يشرب منها حتى يرتوي ويمضي يملؤه احساس برضى وسرور لامثيل لهما. وقد حلم (عبد الله) تلك الليلة أنه يعبر النهر إلى الضفة الاخرى ليذهب إلى حيث يقال إن النخلة موجودة، وإنه كان وهو يعبر الجسر يسأل رواده عنها، فيبتسمون له ويشيرون بايديهم إلى مكان ما في الشاطئ الثاني.. وما أن بلغ الضفة الاخرى حتى فز من نومه دون أن يكون قد أكل من تمر النخلة شيئاً.
قرر (عبد الله) في صباح تلك الليلة، يثيره حلمه مع الفضول، أن يعبر النهر فعلاً ليرى تلك النخلة التي شغلت الناس، وملأت عليهم تفكيرهم .. وامتطى ( عبد الله) صهوة فرسه، وانطلق بها إلى حيث يقع جسر المدينة الوحيد، غير أنه عندما وصل رأى حاجبين يقفان عند مدخله يقولان لكل من يتقدم إلى الجسر :
-العبور ممنوع بأمر الوالي .
فيتفرق الناس عنهما تعلو وجوههم الخيبة والغضب. وانصرف (عبد الله) هو الآخر وهو يحس بأن شوقه إلى رؤية النخلة يزداد ويكبر مع كل خطوة يبتعد بها عن الجسر …… ومر يوم ومرت أيام والحاجبان لا يزالان يقفان عند مدخل الجسر يصدان الناس عنه ويمنعانهم من عبوره..
ويوماً بعد يوم أخذت النخلة تملأ على (عبد الله) تفكيره وحياته، فعافت نفسه التمر الذي كان يأكل منه، ولم يعد يجد له في فمه أي مذاق طيب على الاطلاق، بل وأصبح قليل التحدث الى الناس.. هائم النظرات.. إذا ما جلس الى أحد ليتحدث اليه، يرده خاطر النخلة عن الحديث، أو الانصات فتضيع الكلمات من رأسه ومن فمه… ويصبح العالم أمامه في لحظة غابة من نخيل .
لم يكن في بداية الامر يريد غير رؤية تلك الشجرة وتذوق ثمرها يدفعه الفضول وكلام الناس لذلك، أما الان فانه يرغب في ذلك اكثر من أي شيء اخر . وجعل يحس أن شيئاً ما في حياته قد تصّدع، وأن هناءه السابق قد اختل، وراحة باله قد أُقلقت وأن الاشياء لن تعود إلى طبيعتها السوية ما لم يرى هو تلك النخلة .
ومر اسبوع و(عبد الله) يأتي كل يوم الى جسر المدينة فيرى الحاجبين لا يزالان هناك يحولان دون الناس ودونه … وذات يوم استعصى نهاره على الانقضاء فقال (عبد الله) لنفسه :
– لابد أن أعبر.
في المساء تسلل (عبد الله) تحت رداء الظلام إلى ضفة النهر عاقداً النية على أن يعبر النهر سباحة، وفي خلسة من عيون الحجّاب.. هبط الضفة ببطء وحذر شديدين يبث صوت ارتطام الموجات ببعضها وعلى الشاطىء في نفسه رهبة وخشية سرعان ما يغشاهما تصميمه على قطع دابر ذلك الهاجس اللعين الذي نغص عليه حياته بين ليلة وضحاها، فيمده ذلك بالشجاعة ويمنحه الشعور بأن لا خيار امامه ولا مفر مما هو قادم عليه ..
وكان هو يتقدم إلى النهر يرى انعكاس ضوء القمر على صفحة الماء السوداء، فيثير في نفسه المنظر الخوف مع الرغبة، ويجعله يؤخر قدماً ويقدم اخرى … وظل هكذا .. لايرى في الكون غير صورة قمر ، ولايسمع منه غير ضربات قلب .. برودة الطين تلذع قدميه، فتغريه ليُبقي الواحدة منهما على الأرض لفترة أطول بين خطوة واخرى. الكون .. ساكن .. ساكن .. ساكن … يسير والخيول تسير بعيدة ولا يسمع (عبد الله) لها صوتاً .. الجسر يقترب … والخيول تخب باتجاهه، فتعلو جلبة سنابكها لتخدش سكون الليل وتهتك مهابته، ثم لتخمد تماما بعد قليل عند حلق الجسر .
رفع (عبد الله) رأسه مجفلاً، فتبين من خلل الظلام فارساً يترجل ويتحدث إلى الحاجبين، ثم سرعان ما انصرف الجميع آخذين معهم الحاجبين تاركين مدخل الجسر مفتوحا فارغا كمجنون فاغر الفم . قال (عبد الله) نفسه: لابد أنهم قد رفعوا المنع إذن!
ثم تسلق ضفة النهر المرتفعة وسار نحو مدخل الجسر، وهو يكاد يسمع لوجيب قلبه صوتا مدويا يردده فضاء الكون الغارق في الظلمة والسكون . كانت عيناه وهو يسير معلقتين عند مدخل الجسر لا تحيدان عنه، وكان يحس بهما تجذبانه في سيره وتحثان خطاه حتى ظن انهما وصلتا الجسر قبله. وأصبح (عبد الله) عند الجسر ينظر الى امتداده الرحب وسماحته اللا متناهية، فيقدم قدما ويؤخر اخرى ويتلفت يمنة ويسرة ثم يقول لنفسه: ها أنا إذن.
وظل واقفا يتأمل الجسر لفترة ظنها لحظة وظنها سنين.. وخاطر النخلة يشاغله ويشغل حواسه.. وبدا الجسر له مفتوحا أكثر مما ينبغي كمنظر سخيف لامعنى له … او كأمرأة لا تثيره .. أجال نظره في أرجاء المكان ثم لف عباءته على جسده بهدوء .. انحدر الضفة مبتعداً عن الجسر وغار في جوف الظلمة البارد .

*من (مجموعة الشخص الثالث 1985)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *