زيد الشهيد: عندما يكون الكتاب ممتعا

كثيرة هي الكتب التي تمر من أمام ذائقة المتلقي. وكثيرون هم الكتّاب الذين يترجلون علي قارعة القراءة. لكنها قليلة الكتب التي تحفر وجودها علي صوان الذاكرة فلا تستطيع عواصف الأيام أن تمحوها ولا أمطار السنين أن تجلوها، مثلما قليلون الكتّاب الذين يزرعون في تربة الذائقة أشجار الإبداع : باسقة، ناهضة، مثمرة فيظلون متوهجين كلما مر الزمن، ويستمرون أحياء مهما تعاقبت الحقب.
فما زال كتاب (ماجلان.. قاهر البحار) علي سبيل المثال يرديني شغوفاً عند عتبة حب القراءة، وما زال ستيفان زفايج يقص عليَّ بمتعة مهولة لا تضاهيها سوي متعة أن تمارس السباحة في بحر يهبك الطيران في الماء، والعوم في الجذل.. فالكِتابُ الخالد لا بدَّ أن يأتي من كاتبٍ خالد ؛ وأنَّ خلودَ الكاتب متأتٍ من خلودِ الكتاب.. جدلية لا يمكن التجاوز عليها أو غض الطرف عنها. فماجلان كان معي وأنا أقرأ، كما لو كان يسرد علي لسان زفايج أسطورة آسرة لبحّار شق عُباب البِحار وعبر الشطآن واجتاز الأرخبيلات وصمم علي أن يترك للبشرية جغرافية غير معروفة قبله ؛ أو أنا كنت معه أمسك صارية من صواري سفينة القيادة التي تحت إمرته – وخلفها أربع سفن وهو يبحر نحو المجهول لسبر أهواله – جوّالاً في رحلة المتعة، والجذل، والاكتشاف.. جاع وعطش، سهر وصبر، تلقي الغيظ من الأصدقاء المصاحبين وواجه الأعداء ممَّن التقاهم في السِّفر البعيد والسَّفر العنيد.
((من قصص المحقق)) كتاب وجدتني أتسلمه هدية من مؤلفه الكاتب والسيناريست علي زين العابدين وأنا أتسلم (جائزة الإبداع الثقافي الأولي) من مديرية النزاهة العامة في العاصمة كمكافأة لي علي نشاطي الأدبي في حقل السرد.
الكتاب رافقني في طريق عودتي من بغداد إلي السماوة.. أربع ساعات وأنا انتقل من ردهة إلي ردهة لسجناء سقطوا في شباك هيئة النزاهة، حوَّلها الكاتب زين العابدين إلي قصص بسرد ممتع علي طريقة السهل الممتنع. فثمة (المعتمد)، و(من سرق المرسيدس البيضاء)، و(المخبر السري)،و(افعي بثلاثة رؤوس)، و(حافة الخوف)، وأنا أقرأ، والسيارة (جي أم سي) تلتهم الكيلومترات، وكلمات زين العابدين تسحبني إلي حقول اللذاذة ممزوجة برغبة أن أقرأ وأقرأ عن قضايا تحفز النفس علي الفضول والتعرف علي ما تؤول إليه سلوكيات المتهمين.. أركب زورق المتعة، وأحصد سنابل المعلومة.. ففي حكايات القضاء تكمن الحقيقة – وإن كانت مرة لا ترتضيها لأناس أغرتهم مطامع الحياة فأسقطتهم أسري العقاب – ولا وجود للخيال.. وعلي زين العابدين أباح لي بأن ما تناوله أخذه من ملفات قضاء مديرية النزاهة العامة… إنه التوظيف الأدبي للواقع الجاري والحاصل والشخوص الحقيقية. وهو توظيف سبق لتجربته أن خيضت بأقلام كتاب عمالقة صنعوا شخوصاً أبطالاً. فمن ينسي (أجاثا كريستي) ورواياتها البوليسية الشهيرة التي تبني علي أساس جريمة تحدث، ومُعقِّب يَكتشف، وقانون يُدين ؟.. وكيف تغيب عن الذاكرة شخصية المحقق شارلوك هولمز التي قدمها إلي الأدب العالمي الروائي الاسكتلندي (آرثر كونان دويل) والتي تلقفتها السينما لتخلق النجاحات المتميزة.
أنه القضاء والقانون ؛ هذا الميدان الواسع الذي يغري الكتاب إلي أن يدخلوا ميدانه من أوسع الأبواب.. وهو القاضي رحيم حسن العكيلي رئيس هيئة النزاهة الذي أشاد بجهد علي زين العابدين وكتابه (من قصص المحقق) معتبراً إيّاه فصلاً من فصول التثقيف، ووسيلة من وسائل التربية التي تسلط الضوء علي مظاهر الفساد وتدعو إلي النزاهة في السلوك، والتصرف، والتعامل مع النفس، ومع الآخر ، مشيراً إلي ((أن الفساد معضلة معقدة، وقد يصعب تحقيق تقدم في معالجته إلا باستعمال جميع الوسائل الممكنة، بل لا بدَّ من أن تبتكر وسائل وأساليب جديدة لاستعمالها في آخر الحروب المقدسة للإنسانية، وهي الحرب ضد الفساد.))، ومجي نتاج زين العابدين ليشكل لبنة من لبنات التثقيف.
كتاب أعترف أني استمتعت بقراءته مثلما اطلعت فيه علي قضايا حدثت بالفعل ولم تنبثق من خيال مؤلف.. لذلك ما أن انتهيت من قراءتي له حتي اكتشفت أن السيارة التي تقلني تصل مشارف السماوة وقد قطعت أربع ساعات بدت لي خاطفة..
هكذا حين يكون الكتاب ممتعاً، والكاتب مؤثراً، والموضوع مثيراً.
تجسيد
زرعت النفسُ بقعةً سوداء علي تربتِها الحيّية،
فأشعلت حريقاً ماحقاً، وأثمرت ندماً.
قال النهار : ما الذي جرك إلي ثورة الرماد ؟
بكت النفس.. بكت حزناً :
انه الظلام. قالت ! نده بي.. ولم أشرب نداءك،
ولم أمدَّ لك كفَّ المصافحة.

مشي الحبر علي نقاءِ الورقة
فأنتج قصصاً تحكي أحداثاً لأناسٍ
مزقوا الصباح، وتأبطوا العتمة اغراءاً
قادتهم إلي أشباحٍ لا تهبهم غير الانكفاء ديدناً،
والتعثر درباً.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.