د. مرتضى الشاوي: تحليل قصيدة ( تناسُل ظِلال ) للشاعرة فوزية محمد أمين*

إنَّ المعاني الدفينة تتبلور وتولد من جديد من الظن والحدس والحلم فيظهر الخيال أكثر صدقاً من الواقع ، فيجب عدم الخلط بين عالم القصيدة وعالم الواقع ؛ لأنّ الشاعر بشكل عام لا يقدم إلينا وثيقة مدعمة بالسند التاريخي أو الديني عن إحساساته ومشاعره ، بل هو غير مطالب بأن يعرض الحقائق الموضوعية عن العالم ولا عن شخصيته .
وإنَّ القصيدة تفكك بعضها في بعض لتبدأ عملية الخلق المكثف بعد هذا التفكك ثم تعاود في أديم جديد .
وإنّ قصيدة النثر تقوم على مقومات منها التكثيف والتركيز ، فلا تحتمل الإطناب والإطالة والإسهاب ، فضلاً عن اشتمالها عنصري الايحائية والمفاجئة في تكوين الصورة ؛ لكي ترتفع عن النثر الفني ، فهي أذن في غاية الدقة والتركيز ، فالمتلقي يجب أن يتمتع بمرجعية ثقافية عالية ومتنوعة ؛ لكي يستوحي نص القصيدة بحساسيتها الشعرية ؛ ولأنّها تجمع بين الوصف الكثيف والسرد بدلالات محددة وإيقاع ينساب بهدوء.
بدأت الشاعرة قصيدتها بديباجة سردية مكثفة معبرة عما يدور في خوالجها الدفينة ، فذلك الشاطئ هو الملاذ الذي تلجأ إليه دائماً ؛ لأنّ حنين الانتظار قد تصدأت فيه ، وإنّ أمواج ذلك البحر الذي أضفى سراً للتكسرات متهالكة من ارتفاع وانخفاض؛ نتيجة مصادرة ذلك العمر الذي أصبح مثل فريسة مقطّعة الى أشلاء في رصيف الإحتضار عند الموت التي تتمنى أن تكون إكسير الحياة الذي ينقلها من حال الى حال بغية التغيير .

” على شاطئٍ
يصدأُ فيه حنين الإنتظار
تلملمُ أمواجه المتهالكة
أشلاءَ عمرٍ مصادرٍ ”
والبحث عن الذات هو ديدن الشعراء المعاصرين في وسيط اسمه الليل بهتاف قوي رصين ؛ لأجل تحقيق مآرب واقعية في نظرهم ، وقد لونتها الشاعرة بلغة مجازية ؛ لشكل مفارقة في تداعي حنو الأم الرؤوم التي طالما أثقلها أفياء التكاثر من أجل استمرارية الحياة ، فصبت قوالبها في صورة نفسية ؛ لتناسل الظلال في عمق لجج الحياة وبإرتشاف متوالد في استمرار أكيد ، ربما قد أهلكها  رغم خوفها من الموت التجهمي في إهراقه الاحتضار؛ بسبب شهقات الولادة وهي كاظمة صابرة ، لهذا لم يكن هناك صوتاً آخر تخاطبه إلا الليل البعيد والقريب من نفس الشاعرة ؛ لتبث إليه مشاعرها وخوالجها وأمانيها ومطالبها ؛ لتشعر بحرية دائمة مع نفسها ومع الآخرين .
إنّ صوت المتكلم ( أنا ) متعال في ( أهتف ،أشعل ) والبحث عن الذات ( ياء المتكلم ) ( خذني ، ويلازمني ، وأعرني ، يتجهمني ، وتهرقني )على مستوى الفعل في دلالته على التجدد والاستمرار وأيضاً في ( عمري ، وظلالي ، أشعاري ) على مستوى الاسم في ثباته وفي ( لعلي ) على مستوى الأداة في تركيبها المشبه بالفعل في مخاطبة الليل بدلالة الرجاء ، وهو تداعي في تشخيص غير العاقل على مستوى المجاز الاستعاري ، فالفكرة هنا واضحة فصوت المتكلم في القصيدة يعبر عن حقيقة مدهشة في حالة متفردة ، ربما يعود إلى تلك الاداة الدالة على استعمالها في مقاربة البعيد ، فـ( أيا ) أداة لنداء القريب والبعيد في الغالب إذ وظفت من أجل الدنو وتثبيت العلاقة وتقويتها في ( أيا ليل خذني ) كقول الشاعر:

أيا جَبَلَيْ نَعْمانَ باللهِ خَلِّيا … نَسيمَ الصَّبا يَخْلُص إليَّ نَسيمُها

وكقول الآخر:
أيا شجرالخابور ِمالكَ مُورقاً ؟ كأنّك لمتجزع على ابنِ طريفِ !
لقد خاطبت الشاعرة الليل من أجل تحقيق المصاحبة الحقيقية وابراز الجانب الانساني في المعايشة ، فالاحتضان بعيون رانية متطلعة هو الامل وبث روح التفاؤل كما في قولها :
“000 خذني
بحضن عيونك الرانية ”
فالليل ليس كائناً عادياً يمتلك عينين فقط ، بل أكبر من هذا رغم تشخيصها إيّاه ، لهذا السبب استعملت مفردة (عيون) لأجل الكثرة والمبالغة في إحتواء النظر، وكأنّها عين بئر دافئ في لقاء مقبل.
فالتعاطي بين الليل والشاعرة لا يتحقق بسكونه ولا بسواده ووحشته كما يرى الآخرون ، بل بالهبة والاستعارة والمكابرة والمنحة ؛لأنّه الآخذ والواهب والمستعار والتارك للشيء والمانح في وسيط التشفي ببلسم ملزم وخضّاب لسني عمر مصادر في زحمة الأيام التي ذبل ورودها وديمومة تغزله ذوائب الصمت وارتشاف توالد الظلال كأفياء الاشجار عندما تكبر وفي انبثاق الصفاء الذي تجلى بسيل من الرؤى بعد كثير من آهات الحياة المتمركزة في الشجو الملازم والفوضى السرمدية بلقاءالموت بوجهه المتجهم وصهر شفافية الروح ولجج الاعماق وعند الإحتضار على الأرصفة في قولها الذي جاء بدفقة سريعة يجمع بين صفات الممدوح وصفات المادح :
” هب لي شغبَ الشفق
بلسماً لشجو يلازمني
خضاباً لورود عمري
أعرني سرمدية فوضاك
إكسيراً ضد موت
يتجهمني
تغزله ذوائبُ صمتٍ
يصهر الروح بلا رأفة
دع عمق لججك
يرتشف ظلالي المتوالدة
وإهتراء شهقات كظيمة
تهرقني في رصيف الإحتضار
امنحني خبايا الغسق
وانبثاق البياض
سيل رؤى ”
فرجاء المطلوب هو ذلك الإشتعال في قناديل الأشعار المضاءة ، لكي تكون في صحو مستمر طامحة ، ولتعيش على حرير الحلم الناعم بهتاف الفجر الشفاف ونيسان الورد المعبأ باستقرار الحياة دون أن يكون حزناً مفروضاً من الآخر، بل فرحاً يانعاً ممزوجاً بهتاف الفجر وهو طالع ؛ لأنّه جزء من الليل ذلك الزمان القريب من نفس الشاعرة والبعيد لطوله ، فاجتزاء الزمن هو ناتج لإستقباله بلا شك بإنطلاقة جديدة ليوم جديد بشهر جديد يشابه نيسان الصفاء في موسم الربيع ، فضلاً عن ملامحه النفسية في اجوائه مقاربة لذلك الظرف من الزمان بالعلم لشهر نيسان شهر الورد بصفائه والخصب بنمائه كما تقول في مسك ختامها :

” لعلي أشعل قناديل اشعاري
يهتف للفجر 000
ونيسان ”
فلا تمتلك سوى قناديل القصائد، وهي مشتعلة لتنير الأيام القادمة .
وكلمة أخيرة بحق الشاعرة المبدعة المتألقة فوزية محمد أمين فرصيدها الشعري يشهد لها أنّها شاعرة متمكنة من أدواتها الشعرية بالرغم من إنّها مقلة في النشر إذ تحاول استعمال تلك الأدوات في مجال التصوير الفني فهي تمتلك في رصيدها الثقافي في القدرة على التوليد في المعاني لأنّها لاتقلد الآخرين ولاتحاول أن تناص الآخر ، هي شاعرة تمتطي بساطاً شعرياً شفافاً تخترق به المسافات وكلًّ الجُدُر بطريقة انسيابية ، إنّها غرة وثراء قصيدة النثر في الشعر المغربي المعاصر .

فاللون عنصر مهم في الصور الرمزية وهو عنصر ايحائي فأصداء اللون بارزة بتداخل الشفق وتهييجه بلونه الاحمر متمازجاً مع لون الخضاب الذي يبعث الفرح والسرور في النفس ومشتركا مع انبثاق البياض بصورته الانفجارية وكأنّه الصبح ببياضه وهو يتنفس .
لقد استفادت الشاعرة من الطرح المعاصر في فلسفة الألوان من احتواء وتمازجها بما ينسجم مع المضامين فحمرة الشفق بتهييجه وتداخله دليل أنوثتها مع حمرة الخضاب تذكيراً لورد عمرها مع صفاء وشفافية روحها بدلالة البياض في سيل من الأحلام .
في القصيدة تتزاحم الصور الرمزية ، وتتداخل فيها الحواسل بطريقة المجاز الاستعاري ؛ لتشكل منعطفاً في تعميق الأثر لدى القاريء وملامح التأثير ، لهذا نجد هناك علاقات وصلات قد تبنتها الشاعرة بين المحسوس وغير المحسوس والمادي بالمعنوي ، وقد عملت على خلخلة وتشويش الاشياء لتطويع ما في الحقيقة ضمن امكانية خلقه كي تألف حواسها غير المالوف كما في تصويرها :
( تصّدأ حنين الانتظار ولملمة أشلاء العمر كأمواج متهالكة وحضن العيون و بلسم شغب الشفق وكأنّها عين بئر متفجرة وخضاب العمر بلون الورد وغزل الصمت بذوائب منصهرة مع الروح وارتشاف لجج الماء بعمقها مع أفياء العمر المتوالدة ومع إهراقة الشهقات الكظيمة بصبر في رصيف الاحتضار عند الانتهاء وأشعار مشتعلة كالقناديل ) وكلّ ذلك من التوليد في المعاني جاء عفو الخاطر طبيعياً دون تصنع وضمن إدراك المعنى الفني البديع .
ربّما لم يحالف الشاعرة الحظ في تشييد ديوانها البكر لكنّ رصيدها في مواقع النشر يشهد لها أنّها شاعرة متمكنة في التصوير بخيال خصب لا ينضب .

د مرتضى الشاوي

متن القصيدة تناسل ظلال

للشاعرة المغربية فوزية أمين
على شاطئٍ
يصدأ فيه حنينُ الانتظار
تُلملم أمواجُه المتهالكة
أشلاءُ عمر مُصادر
أهتفُ…
أَيا ليلُ خذْني
بحُضنِ عيونِك َالرّانية
هَب لي شغبَ الشّفَق
بلسماً لشجوٍ يلازمُني
خضّاباً لورودِ عُمري
أعِرني سرمدِية فوضاك
إكسيراً ضدَّ موتٍ
يتجهّمني

تغزلُه ذوائب ُصمتٍ
يصهرُالرّوح بِلارأْفَة
دعْ عمق َلججِك
يرتشف ظِلاليَ المتوالدة
واهتراءَ شهقاتٍ كظيمة
تُهْرقُني في رصيف الاحتضار
امنحني خبايا الغسق
وانبثاق البياض
سيل رؤى
لعلّي أشعل قناديل أشعاري
صحواً في حريرالحلم
يهتف للفجرِ …
ونيسان

*فـوزية أمين
شاعرة مغربية

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.