محمد خضير: فتـحُ العينين

إشارة:
محمد خضير .. الحاوي الذي مازال يسحرنا بما تستخرجه أنامله الفذة من جراب اللغة والنصوص .. ساحر قصة كبير يكشف الحجاب عن نصوص ساحرة للمبدع لؤي حمزة عباس الذي طبع بصمته منذ أن انطلق في عوالم القصة على دراجة في الليل .. فتحية لأبي مناف الكبير وللؤي المبدع المثابر..

هذا الفن، القصة القصيرة، المعروف بصعوبته، يتصعّب أكثر بارتقائه في إنتاج كتابنا العرب، أو بانخفاضه في إنتاج كتّاب الغرب، لا بسبب ما يمكن إضافته إلى جنسه الرحب إنما بسبب ما لا يمكن إضافته إلى رصيده المهيب في سوق النصوص العالمية المتراكمة، حتى صار (فتح العينين) ديدناً واعياً لقراءة مجموعة القصص الدالة على (إغماض العينين ) في تجربة لؤي حمزة عباس الأخيرة ( دار أزمنة 2008) ليس هذا الإجراء التهيّبي وحده لازماً لكشف الحجاب عن النصوص المقروءة، لكن أيضاً استعداداً للدخول الضمني إلى مجال توترها وحسيّتها والتصاقها بدواعيها وغاياتها الشخصانية، بل أكثر من هذا لتأويل أغوارها وقلب اتجاهها الباطني المفرط في احتراسه بحسب ما يفترضه السرد الظاهري من فصل الحوادث الموضوعية ومواقعها الزمانية والمكانية عن مقصودها الذاتي المطلق.
وإني لأعرف وعورة هذا الاستظهار الموضوعي، ذلك لأن الفصل المجازي بين الإحساس الذي كُتبت به القصص ومرموزاته العميقة، سيقضي على شعرية الاستبطان التي يتطلبها (إغماض العينين) في خضم حالات الإنسان الواقف (( وجهاً لوجه أمام الدمار والموت والتعذيب والوحدة)) . إنها إغماضة ((إنسان الحالات المتطرفة وقد بلغ، أو على وشك البلوغ، نهاية وجوده )) كما شهد عليها أو شهدها أرنستو ساباتو في استبصاراته الباطنية . فمن أين للكاتب، ومن على نهجه، ببرهان يؤدي القصد الذي تؤديه (القصة القصيرة) في هذا العالم الداخلي الموحش والمتطرف في إنسانيته، حين يكون القصد إدراك نهاية الوجود ووصف حالاته ؟ ما مثل القصة القصيرة أداء جوهرياً يحقق هذا الترابط العميق بين حالات الوجود المتطرفة وبرهان الفن البسـيط . هذا ما يبرر الوسـيلة المتطرفة (في بلاغهـا وإبلاغها) التي اتخذها القاص للحفاظ على سرّانية السرد تجاه ما يغمره من طوفان السير الشخصية التشهيرية التي تسلك السبيل نفسه . سلك لؤي حمزة عباس أقصر سبيل، وترك لنا أن نستقصي وحشته بتهيّب لا يقل عن تهيّبه امتثالاً وتمثيلاً، مسرّة وإسراراً، اختصاراً ومشقة.
الهيبة أو التهيّب، تاج القصة القصيرة، لا يُتخذ قناعاً أو وسيلة، ما لم يُقدّ من جنسها، ويُقرأ بدلالتها، فاحسبْ عدد القصص المطلوب جمعها في كتاب، كثير أم قليل؟ وما الذي يحدد هذا المجموع : ما تيسّر لدى القاص، أو ما عنَّ له جمعه من هنا وهناك، وإنْ غثَّ وصدِئ ؟ لا هذا ولا ذاك، الهيبة والتهيّب، أو الرهبة والترهّب، هما حدّا العدد المطلوب، وإنْ حوى قصة واحدة لا غير في حساب نصوص القاص . فليعدّ غيري ما يرغب من قصص لمجموعته، لكنه لو اتبع هذا القانون لأحجم عن إعداد ما لا يرهبه ولا يهابه! يتهيّّّّّّّب البرهانُ السارد في مجموعة (إغماض العينين) من فتح إطاره الدلالي الابتدائي على محتويات القصص، فينصب بعد الإطار العام (العنوان) خمسَ عتباتٍ توجسية : تعريف بيبلوغرافي بنتاج الكاتب، إهداء إلى ولديه، مقتطف من القصة الأخيرة، مقتطف آخر، مقدمة بعنوان (منطق الطير) . ثم يُفتح إطار التوجس على النص القصصي الأول (اتصال) وهو نص قصير، يليه نص طويل مجزأ إلى أربعة عشر مقطعاً، فعدد من النصوص القصيرة لا يتجاوز طول كل منها أربع صفحات، و يُغلق الإطار على نص طويل ختامي. ويبدو هذا التوزيع الطوبوغرافي للمحتويات متوازناً مع رفرفة أجفان تنفتح وتنغلق لحساسية عينين تصطدمان بالمرئيات بمددٍ مختلفة الطول، وإيقاع أنفاس ترتدّ عن حركة أشـياء تسـدّ مجرى المراقبة على أبعاد متفاوتـة، وعملية تمثيلٍ حيويّ لإحساسات الجسد المراقِب تدفع بالأجزاء المبعثرة على فترات (قطرة دم، عدسة، زهرة وأوراق، طائر، باب، فم، عين، بطاقة ..) كي تنتظم في علاقات مُعنوَنة (قطرة دم لاكتشاف الجسد، إغماض العينين، عينا رجل المترو، الباب الشرقي، لا زيارة للغرباء ..) وليس في هذا التمثيل ما يخالف الإيقاع الذي افترضته سوزان لوهافر لتحليل قصة قصيرة : إيقاع دورة يومية حيوية لكتابتها، فضلاً عن أنه إيقاع دورة شبقية لمتعة قراءتها، في عُرف رولان بارت . وليس بعيداً عن هاتين الفرضيتين الجسديتين يتجاوب إيقاع مشترك بين فرضيتين لغويتين، فرضية لوهافر عن الإحساس البصري والإدراكي بتجربة المرور خلال جملة قصصية تتميز بالشدة والكثافة ومقاومة الإقفال، وفرضية تودوروف عن تطابق التجربة الكونية للقصة والتجربة اللغوية في جملة تتألف من أفعال وأسماء : أفعال الحياة، وأسماء الشخصيات،وملحقاتها من الأوصاف والأحوال . وإذا شئنا جمع الفرضيات الجسدية مع الفرضيات اللغوية لتمثيل نصوص لؤي حمزة عباس، قلنا أن عملية بنائها تتراوح بين فتح العينين وإغماضهما، في دورة إيقاعية لجسد تحكمه أفعال الحياة وأسماء الموت وما يلحقها من صفات وأحوال . يتكون النص القصصي خلال المدة التي تتصاعد فيها العصارة الحامضية من البؤرة العميقة للجسد إلى سطح العين الرامشة، فيمتزج فعل الحياة الأوليّ بإغماضة الجفن الأخيرة على مشهد الموت يرفرف الموت حول سطح نصوص لؤي حمزة المكتوبة بين 2003 ـ 2007 كرفرفة غراب ناعب بلازمةٍ تتداعى إيقاعاتها بين متواليات نظمية في رؤية غير متلبثة على منظر حياتي سريع المرور، تختزن مرئياتِه وتتمثلها باحتراس لبناء عالمها المستبطن بنور مديد لا حدود لانعكاسه على الجسد المراقِب.
إنها رفرفة النصوص ذاتها التي تتساءل في دخيلة المؤلف: ماذا بعد، ماذا بعد هذه الفاصلة من عدم التلبث أو انحسار النظر أو الانعطاف على تأليف نص آخر؟ أصدر لؤي حمزة عباس من قبل ثلاث مجموعات قصصية، تلبّثَ خلالها عند كتب سردية فاصلة بين الحدود التقليدية للجنس القصصي (كتاب المراحيض ورواية الفريسة)، لذا فإن عودته إلى حقله المألوف، تثير لديه مخاوف حصرية تحيط بوجوده الجسدي المهدد، مثلما تحيط بالتكوينات البشرية الثانوية لصقه، يتغلب عليها بذلك الاستعداد القديم من الاستبطان اللغوي المشدد بكثافته التعاطفية وعلائقه النظمية . يستند القاص إلى مهاراته الأساسية ويستخلص من حقله أنقى البدايات والفواصل، لتطعيم نصوص مجموعته الأخيرة ضدّ وباء المناورة والتدليس على واقع هرم يعتاش على الآلام الإبداعية ويتطفل على إنتاجها الحيوي ويشاركها مصيرها المأساوي . عاد القاص إلى عمله الأساسي، ليضيف إلى قائمة مؤلفاته دورة جديدة من التداعيات الاستبطانية الاضطرارية، خلال موسم عاصف بالدورات المتداعية، يدفعها بحرص كي تمر بهدوء وتختزن محصولها السردي مع الخزين العراقي المعروف بنوعيته الخصبة . إن أي نص من (إغماض العينين) يختزن شفرته الجينية باحتراس شديد، لكنه يشترك مع الخزين الذي أنتجه (غرباء) الحقل السردي العراقي، بخصائصه القابلة للانتقال والاستنبات في الطرف المسوَّر من إقطاعات السرديات العراقية الكبرى.
أيضاً، فإن نصوص لؤي حمزة تستعيد موقعها المنفرد بأكثر من رابط ذاتي، لعل أهمها رابط التحفز والوثوب من طرف بعيد . يوفر هذا الرابط نوعاً من الهيبة السردية، والسمة الواقعية المتطرفة، كنتُ قد أفرزته في نقدي لمجموعته (على دراجة في الليل ـ1997) باعتباره الرابط القويّ الذي جهّز قصصه بسمةِ (نصف الضوء ونصف الظلمة) المطلوبة لرصد طيّات الواقع الغامضة، ولتمثيل إيقاعاتها الغريزية المعادية، وأعيدُ تشخيص ذلك الرابط اليوم بـسمةِ الاتصال بعالم غريب، تمتد أصوله حتى تصل (منطق الطير) الذي حاول المؤلف تفسيره في مقدمة (إغماض العينين) . استعار المؤلف هذا المنطق ليفسر حكاية من حكايات فريد الدين العطار، مفادها أن رجلاً من الصين كان مشغولاً بتكسير الأحجار، تذرف عيناه الدمع على الثرى بغزارة، فتتحول قطراته إلى حجارة … وهكذا فهو (محكوم) بالمشقة المقترنة بمعنى تكسير الأحجار، مثلما المؤلف العراقي مشغول بمحاكاة الرجل الصيني باذلاً المشقة إياها لإعادة الأحجار إلى كلمات وحكايات، ومناقلة المكان الخرافي إلى أرض الوقائع العراقية الغزيرة بالقصص المماثلة. لقد أخلى منطق الهيبة أو التهيّب مساحة السرد لمنطق المشقة والاتصال بعالم غريب، يبحث فيه عمال الحكايات عن مساحة تساوي المساحة المفقودة لأحجار أوطانهم.
نبعت قصص (دراجة الليل) الأولى من المنطقة المخرَّبة لحرب الثمانينات، عندما كان مؤلفها جندياً يؤدي واجباً إلزامياً بالتجوال في أحلامه الليلية بين المقابر، ثم صدرت في كتاب بعد تخرجه في كلية الآداب، لم يخرج جندي الآداب من حلمه الاضطراري بالقتل اليومي المدور من المنطقة الأولى . وحتى اليوم لا أرى فارقاً في هذا الواجب الاحتياطي للجندي الذي يقايض الموت بسرد الحكايات . كما لم أحسّ يوماً بأنّ النص السردي العراقي قد تخلى تماماً عن هاجسه المتوتر بمجاورة الحوادث المرعبة . إن تاريخنا السردي يتلخص في تلك الحكايةالخرافية عن تكسيرالأحجار.
باجتياز العتبات الخمس، سنقع على عدد من المتواليات النصية الفرعية غير المرتبة، تنتظم في إطار متوالية دلاليّة كبرى رابطها الأساس الإحساس بالعزلة في عالم غريب.
تتصدر قصة (اتصال) متوالية فرعية موحية بانقطاع الاتصال بمكان أليف، وتعليق المعنى إلى حين ارتباطها بالقصة الثالثة (قرب المدرسة الإنكليزية) واتصالها بعالم الجماعات الثانوية من الأغراب والمهاجرين . بينما تؤلف القصة الثانية (قطرة دم لاكتشاف الجسد) بمقاطعها الأربعة عشر بداية متوالية قائمة بحدّ ذاتها على المناقلات الجسدية بين عالم قديم وآخر بديل، وعلى تحطيم عدد كبير من الجمل المستعادة في ذاكرة طفل يعيش بجوار مقبرة ومسـفن، كانت خالته قد أنقذته من الغرق، لكنها علقت اكتشاف جسده باكتشاف جسدها المستعرض على امتداد النص المعكوس في مرايا الفنادق الفخمة . ينغلق النص على حادثة إطلاق النار على عمال الميناء، وينفتح على الإحساس بجسد الخالة بعد أربعين عاماً من فقدانه بين سفن الميناء ومقبرة الأطفال وتظاهرة العمال . الذاكرة تنعش الجسـد، والجسـد يُفتتن بقطرات الدم، والارتحال البعيد في مرايا العالم الغريب تسـجن الرؤيا في مســفنها القديم، أو عند موقعها القريب من حكاية الرجل الصيني في كتاب (منطق الطير) . ولأنها متوالية منضمة إلى نفسها، فقصص المجموعة تدين بالعودة إلى مساحتها السردية لتحوّل الدموع إلى حجارة، والحجارة إلى حكايات، والحكايات إلى أوطان، والأوطان إلى أجساد، والأجساد إلى شفرات سردية ولود للنصوص المحترسة في ركنها البعيد . وهذه دورة الجسد ذاته الذي يعيد إنتاج وجوده السردي في أقصى نهايات الحقل المسوَّر بأكثر من شكل وإيقاع . تبدأ القصة الرابعة (إغماض العينين) متوالية فرعية ثانية، رابطها سيفتح المعنى على دورة الدم المسفوح في عالم (نصف الضوء ونصف الظلمة) أو كما يسميه القاص (الضوء المضبّب والظلمة الرمادية) العائد من تجربة المؤلف المقيم في الأماكن المغلقة والمصحاّت والثكنات العسكرية . كان ذلك العالم أليفاً لشدة التصاقه بإحساس المؤلف، لكنه يعود في نص (إغماض العينين) متسماً بالعدوانية والكبح الغريزي لأيديولوجيا التآلف والتجمع في مكان واحد . عاد فجائياً وهستيرياً لينهي آلية الإغماض التلقائية، ويقرّب منظار السرد من شاشة الضمير العائد التي تنعكس عليها قسوة القتل، كي يبقى البؤبؤان مفتوحين على اتساع الرابط القسري للنصوص الدموية التالية له (رجل كثير الأسفار، العدسة، عينا رجل المترو) . تتفرع متوالية القتل لترتبط بمتوالية جزئية تتراجع نصوصها إلى زمان المكان الأليف ـ ميناء المعقل ـ وتواصل نشوءها على قارعة الموت المفاجئ الذي بعثها من مثواها، كما يبعثها شخوص حبرٍ على رقّ بالٍ يذكرون المؤلف بهشاشتهم وزوالهم . تنهض نصوص المكان المستعاد عند آخر لفتة حانية على بقايا صداقة نادرة وجيرة حميدة، وما تلبث هذه الشخوص أن تهبّ عليها رياح المكان الغريب فتنثرها في فضاء المتوالية الإطارية الكبرى، وتزيح ما تبقى من أنقاضها، ليحلّ مكانها غرق شفيف لا مستقر لمعناه ولا عودة لروابطه . تؤلف نصوص متوالية القتل وجزئها الأصغر (زهرة منفردة، علي الأحمر، الباب الشرقي) الغلافَ الداخلي لمشيمة المتوالية الكبرى التي تغذي النصوص كلها بمادة الإحساس المختلط : الموت والهجرة، عبر رابطين دوريين : المكان الأليف والمكان الغريب، وحكايتين متفرعتين : حكاية الدمع وحكاية الحجارة، وما يتصل بهما من كثافة شعرية وشدة نظمية تتدرجان في الانحدار نحو الإقفال بصعوبة وممانعة من المؤلف الراوي، الذي يظهر بوجهين مزدوجين : وجه الضوء الضبابي ووجه الظلمة الرمادي . وما من تفسير لهذا التفرع الدلالي والانقسام المتوالي إلى وحدات نظمية صغيرة، غير انسحاب الوجه المزدوج أمام العدوان الغريزي، وانتقال مسروداته من متوالية المكان الأليف إلى متوالية المكان الغريب بالإحساس والشدة والكثافة السردية ذاتها : إن الازدواج والانتقال شرطان دوريان لمواجهة الخوف من المكان الغريب، واستمرار الحياة في السرد داخل المكان الأليف . بذلك احتلت قصة (ألق ما في فمك) مكان الصدارة في متوالية الخوف، استناداً إلى فكرتها الغريبة التي تستعيض بسحلية بلاستيكية لعبةً لمقاومة الخوف من السحالي التي تأكل وجوه الناس، فضلاً عن أنها رؤية طفولية مسترجعة من عالم المكان الأليف المندرس . يحقّ لي وقد وصلتُ قلب المجموعة الكثيف بدلالاته، أن أسقط قصة (غسل الوجه) من متواليات النصوص، لتقاعسها عن الالتحاق بواحدة تجذبها إليها بإحساسها الشديد وانضمامها الدلالي، بينما أضيف قصتي (النزول للظلام وعشق الحدائق المنزلية( إلى متوالية الخوف، لانجذابهما إلى روح الظلمة الخفي ودبيب الرعب الخفيف عند أطراف المكان الأليف . ثم تزداد حيرتي أمام النصين الأخيرين في المجموعة، وترتيبهما السادس عشر والسابع عشر، وأميل إلى عطفهما على متوالية النص الأول (اتصال) أو على متوالية النص الثاني (قطرة دم لاكتشاف الجسد)، لتجذرهما في المكان الأليف، ولرغبة الجسد في استعراض علاماته وتشكلها السردي، أو لالتصاق النصين بذاكرة المؤلف مثل جلدٍ حيكَ من أسماء أشخاص وأوصاف بيوت وأفعال اجتماع وانفصام والتصاق وافتراق . غير أني أميل أيضاً إلى فصم علاقتهما النظمية، إذ يهوي كل نص منهما إلى قراره الأخير في تجربة المؤلف الشخصية، ويأبى الانضمام إلى مكان بعينه. استطيع أن أعرّف النص السادس عشر (بطاقة بريد لأموات المعقل) بأنه نص ابتدائي واختتامي في مفصلي التجربة، تفصيلي وصريح ببوحه، حتى لتكاد تنزهه من دخائل الخوف والموت التي دفعت الذات الأخرى إلى تفريع سرديتها إلى متواليات محترسة . يرتبط هذا النص بوحدته السردية الجماعية الموكلة بذات المؤلف العالمة بكل تفصيل مباح، على وجه القرب والالتصاق والتخصيص . ويتضح فضل الجماعة على سرد المؤلف بهذين المقطعين الجذريين من النص:
((لم تكتفِ عائلة مردان طول إقامتها في منازل المعقل بعدد أفرادها، كانت تضيّف بين وقت وآخر عائلة من أقارب مردان أو زوجته، أو من غبر أقاربهما، لم يكن الأمر يخلو من مرح خفي، إذ أن سبباً ما يظلّ قائماً على الدوام بانتظار من يملأ إحدى الغرف)). (ص 86 )
((تبدو الأيام التي يخلو المنزل فيها من الضيوف أطول من غيرها، يقضي مردان نهاراتها بالجلوس على دكة أمام السياج مرتدياً دشداشته ناصلة الزرقة وكبّوسه الصوف بنيّ اللون، يخبئ شـعراً أكلت الثعلبة هامته ومعظم جانبيه) .(( ص88 )
لو قطعنا النص السابع عشر (لا زيارات للغرباء) عن متوالية (الاتصال) التي ننسبه إليها، لأهدرنا شحنته الاستبطانية الكثيفة، وسحبناه من مجال المكان الغريب الذي نتحسسه من خلال المراسلة . ولو دمجناه بهذه المتوالية لفقدنا من جانب آخر الاسترسال الذاتي الحميم لبوح العالم الأليف النادر وجوده بين نصوص المجموعة . فالنص الختامي هذا ينعطف نحو ذاته ويحرر جسده من الارتباطات المحترسة التي قيدت متواليات النصوص السابقة له في المجموعة. سنفقد مثل هذا البوح المعكوس الذي يواجه به الجسد حقيقته الواقعية :(( متى أيها الجسد الذي سيموت، تنتهي من كل هذا اللغط ؟)) . أو سنثبت نظرتنا على عالمنا الأليف ونغفل المساحة البديلة لحرية الجسد المحمولة على منطق المناقلة والتعدد :(( ليست هناك أرض مقدسة، هناك نظرة إلى العالم، قفزة للنظر خارج الطريقة المعهودة في رؤية الأشياء . آه يا صديقي .. وجهت أسلحتي إلى العالم وصرخت بفم الكتابة المتسع، ولم يكفني ضيق ذلك المصير )) ص 96. أما إذا أردنا أن نتجاهل هذه الرسالة المتبجحة برؤية العالم المغاير، فقد نفضّل عليها منطق اللسان الشعبي الذي استعاره المؤلف من الجماعات المهددة مثله بوجودها المتطرف عن قلب العالم: ((في أحيان كثيرة تسقط ذاكرتي أمامي مثلما تسقط ثمرة رقي، من أعلى سيارة الحمل على إسفلت الطرق الخارجية، فيتشظى قلبها الأحمر .. وتذوب . كنت أذوب ممروداً مع قلبها ، تمر بي سيارات الحمل ولا تبطئ ولا تتوقف، فلا معنى لوقوفها لأجل حبة رقي منفلشة على الإسفلت )) ص 93.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.