حسين سرمك حسن: هيفاء بيطار.. جماليات السرد الضاري (1)

” الألم غبار الروح ، هل قالها أحد غيري ؟ “
( محمد خضيّر )
” ما هو الإنسان حتى تهتم به يا رب؟ “
( نشيد الإنشاد )
” الكتابة بالنسبة لي ، سرد أشياء حياتية برؤية مخلّص “
( هيفاء بيطار )
” أنا الكتابة .. والكتابة أنا ”
( هيفاء بيطار )
في جولة بدمشق ، قال لي صديقي الناقد العراقي : قرأت أكثر من سبعة كتب نقدية لك ، ولم أجد في أي منها أي ملاحظات سلبية على أي من الأعمال التي حلّلتها ، فلماذا ؟ ” . فأجبته : يجب أن تكون لكل ناقد “فلسفة ” يؤدي عمله النقدي على ضوئها . وأنا لدي فلسفة تقول أن القبح هائل الانتشار في هذا العالم الجائر ، لكن الجمال فيه نادر ، بل نادر جدا . أنا أحاول اكتشاف مواطن الجمال في النصوص التي أحلّلها وهي مهمة عسيرة جدا ، أما السلبيات ومواطن القبح فيها فالعثور عليها عملية يسيرة ، على طريقة النقاد الذين يضعون في نهاية مقالاتهم جدولا بأخطاء الكاتب اللغوية ؛ قال الكاتب غيوم بيضاء والصحيح بيض ” . مطّ صديقي الناقد شفتيه وقال : لا أعتقد أن هناك نقدا دون ملاحظات سلبية ، لأن معنى النقد هو التقويم . دخلنا إحدى المكتبات ، أبحث عن كتاب ” افتتاحية للضحك ” للكاتبة ” عالية ممدوح ” لكي أكمل مخطوطة كتابي عنها ، لأنني تركت مكتبتي في بغداد المحروسة . عثرت على بغيتي وشاهدت كتابا آخر بجوارها ، هي رواية ” امرأة من طابقين ” لـ ” هيفاء بيطار ” التي لم أقرأ لها من قبل ، فحسبتها صيدا سهلا اشتريته وقلت لصديقي – بعد أن سمّم أفكاري بأطروحته – : سأحاول البحث عن مواطن القبح وتثبيت السلبيات . ومن عادتي أنني أقرأ أكثر من كتاب في وقت واحد ، وهو أمر يوصى به في علم النفس وهو اختصاصي أنا كطبيب نفسي ، لكن الكتاب الذي يستولي علي يتنقل معي في السرير والمطبخ والحمام والباص والمقهى والحانة .. وهذا ما حصل مع رواية ” امرأة من طابقين ” التي أنهيتها في نهار واحد بعد أن حولتها إلى كتلة سوداء بفعل تأشيرات قلم الرصاص على صفحاتها في ( محاولة مستميتة للبحث عن القبح وتثبيت السلبيات ) .                                                          فما الذي حصل ؟                                                                                                                    جاءتني دفعة جمال على صدري جعلتني أتراجع متعثرا إلى أن استندت على جدار يقظتي ؛ جمال السرد الضاري ، جمال اللغة ” الشعرية ” المتوهجة ، جمال الانفعالات الحسّية الحامية والمنضبطة ، جمال الصراعات الإنسانية العدوانية التي تثبت أن الإنسان يعمل الخير رغما عن طبيعته كما يقول الملك لير ، جمال المعضلة ” المقدسة ” الشائكة التي تجاسرت الكاتبة على تناولها ، جمال فضح القبح المساوم المنغّل الذي يسود حياتنا في الشرق العربي خصوصا والذي يذكّرني أيضا بمقولة للملك لير : ” الكلب يُطاع حين يحتل منصبا ” ،

جمال بطلة الرواية ” نازك ” المحاصرة بالعذابات والمؤامرات والاحباطات والخسارات من كل جانب ، جمال الارتباكات ” السادومازوخية ” الآسرة التي صورتها الكاتبة في حياة بطلتها بصورة باهرة ، وغيره ، وغيره . ثم الجمال الكلي في هذا العمل الروائي الذي هو من نوع ” الجمال المذعور ” ، ” الجمال المهدّد ” الذي هو أعلى درجات الجمال وأبهاها من وجهة نظري – هذا ما علمتني إياه الحروب الثلات التي خضتها دفاعا عن وطني – و تتمثل في اللحظة التي تقف فيها الحياة أمام الموت والحب أمام الكره والنماء أمام الخراب . فقط عندما يحضر الموت – المثكل حسب وصف جلجامش الموفق – يصبح وجه الحياة ناصعا وبهيا كما يقول ” معلم فيينا ” . إن الجمال المحصّن جمال كريه ورخو . ” ياه .. كم هو رائع هذا الجمال المهدّد ” ، هذه هي صيحة دهشة السحر التي ينبغي أن تطلقها بعد أن تكمل هذه الرواية حيث ستنتقل عدوى الـ ” ياه ” المحببة من الكاتبة إليك ، فهي لازمة من لازماتها الأسلوبية اللغوية . فقد كرّرت استخدامها أكثر من خمس وعشرين مرة ، مثلما كررت الفعل ” أطل ” ، وصيغة التساؤلات المتلاحقة  . ولكل كاتب لازمات أسلوبية لغوية أو مضمونية أو صورية . فحين تقرأ قصيدة عمودية تتلاحق فيها مفردات الدم والرياح والجراح والعواصف فهي على الأرجح للجواهري الذي هو الرائد في إدخال موضوعة العنف الخلاق في بنية القصيدة العمودية العربية ، والتي تسلم رايتها منه جيل التجديد السيابي . وعندما تقرأ رواية يتكرر فيها تعبير : ” صدرها العالي ” والمواقف المحارمية لسبب ولغير سبب فهي لفؤاد التكرلي ، وحين تقرأ قصة تتكرر فيها صياغات تستهل بالفعل ” جعل ” مثل : ” جعل يتأمل ” و” جعل يتنامى ” فهي لـ ” فرج ياسين ” وهكذا . ولهذه اللازمات دوافع ووظائف نفسية وفنية ليس الآن مجال تناولها . ومن السمات الأسلوبية للكاتبة في هذه الرواية هو سيادة التساؤلات ، تساؤلات متلاحقة لا أجوبة لها ، أو أن أجوبتها الشافية مدفونة تحت أكوام من قيود منظومة الحرام والعيب الخانقة . هذه القيود التي تطوق حركة الحياة في مجتمعنا وتخنق براءتها مثلما خنقت حياة ” نازك ” وشوهت براءتها . وتساؤلات نازك مدوّخة بلا جواب لأنها أصلا بلا مبرر أصيل يرتبط بمقومات حياتها ويكتسب حق تعطيل مقدراتها . و ” نازك ” هي بطلة الرواية الثانية التي تقوم بطلة الرواية الأولى – الأم بكتابة قصتها في الرواية التي كتبتها ” هيفاء بيطار ” ، أي أننا نقف أمام رواية من طابقين إذا جاز هذا التعبير وهو أقل دقة من وصف آخر نستعير فيه عطايا عالم الأنوثة المدهش فنقول : أننا أمام رواية ” حامل ” برواية ثانية . وفن الرواية ليس كما يقال خطأ فن ذكوري مبتكر . إنه فن إنثوي مبتكر ، هو من نتاجات الأمومة .. فـ ” كل امرأة حامل بروايتها ” كما قال أحد النقاد ، ولهذا لا تجد ضرورات قاهرة لتسطيرها على الورق مادامت تعيشها ، لكن الرجل الذي يحسد المرأة – وليست الأنثى فقط التي تعاني من عقدة حسد القضيب – penis envoy  كما يقول فرويد – ” استولى ” على هذا الابتكار كدفاع لاشعوري خلودي وكان الفضل له في استخدمه وإشاعته . والمرأة خالقة ومبدعة بطبيعتها – وليس عبثا أن الإله الأول الذي عبده البشر  كان أنثى – في حين أن هذه السمة دخيلة ومكتسبة لدى الرجل دون أن يعني هذا أنه لا يجوّد فيها عندما يلتقطها . ويكفينا القول أن سيدة الحكّائين هي شهرزاد وأن سيدة الحكايات هي الليالي العربية . وما يثبت رأينا بقوة أكثر هو الخطأ التاريخي الذي وقع فيه مؤرخو الأدب ونقاده حين وضعوا في أذهانهم البحث عن ” مؤلف مجهول ” لألف ليلة وليلة بدلا من أن يحلّلوها أسلوبيا ليدركوا أن مؤلفتها ” امرأة مجهولة ” لم تستطع وضع اسمها عليها في ظل ثقافة دينية كابتة وقامعة ومليئة بالتابوات . والبطلة الروائية ( نازك ) تريد ممارسة حقها الأصيل في الإبداع ككاتبة رواية مقتدرة . كانت تنظر إلى الكتابة كفعل إنقاذي وجودي على طريقة ( أكتب لكي لا أموت ) التي قالها شاعر عراقي لا أتذكر اسمه . ورغم أنها كانت محاصرة بالعديد من عوامل الإحباط والانكسار : ( الاختناق العاطفي في العائلة تحت غطاء حرص الأبوين ، الشعور بالعدمية والهامشية في المجتمع ، الضغوط الدينية والاجتماعية المنافقة ، موظفة بطالة أبدية براتب حقير شحيح ، تجارب حب مريرة فاشلة ، زواج مدمر انتهى بالفشل لتصبح مطلّقة – والمطلقة هي ” نيجاتيف ” المومس في مجتمعنا – ) إلا أنها كانت توازن الشعور بالمهانة والانذلال بشعور لائب أشد قوّة هو إحساسها بموهبتها العالية في الكتابة التي كانت تقف منها موقفا صوفيا :
” رغبتي بالكتابة كانت تطفو فوق شخصيتي وفوق حياتي . كنت قادرة أن أكتب حتى وأنا أحتضر من العذاب ، حتى وأنا أتخذ قرارات بتبرير انتحاري . كانت الكتابة شيئا لا علاقة له بما حولي ، هوى قائم بذاته ، نقطة من ماء إلهي نزلت في روحي ، لا تجف ولا تنضب مهما اشتدت حرارة القهر الخارجي ( …. ) كنت أسيرة تلك القوة الإلهية التي تسمى الموهبة . وكان يحلو لتلك القوة أن توقظني من عزّ نومي لتقودني إلى أوراقي كي يتدفق نسغ روحي حبرا . وإذا كان البعض يعتقد أن الكاتب يحتاج لمؤثرات خارجية كي يكتب ، فإنني كنت أخضع لمؤثراتي الداخلية .. كنت أنصت مبهورة لهذا الهدير الأشبه بصوت المياه الجوفية أو مياه الينابيع المتدفقة في أعماقي – ص 24 ” . كان شعارها الأثير هو : ( أنا الكتابة ، والكتابة أنا ) وهو شعار ذو طبيعة عشتارية حفلت به أساطير الإلهة الأنثى الأم .
لكنها ككاتبة أنثى لم تستطع الحصول على فرصة نشر نتاجها والانتشار الواسع بسبب السطوة الذكورية الحاسدة على الإبداع . أين تجد منفذا لها وسط أكوام نتاجات ” قدور الضغط ” الأدبية – والوصف للعلامة محمد حسين الأعرجي –  ؟ .                                                                                                                    لقد وضعت في بالها – وكأنها تداوي الداء بالداء حسب مبدأ الراحل أبي نواس – أن تقرّبها من ” كاتب البلاد ” كما لقبته ، ذي الخمسة وسبعين عاما – والذي تربع على عرش الكتابة الروائية الرسمية واكتسح سوق النشر لعقود هو المصباح السحري الذي سيطلق إبداعها المحبوس من قمقمه عندما يقتنع بموهبتها الفريدة ويقدمها إلى ناشر رواياته الذي يلقبونه بدوره – وكلها ألقاب بدوية وذكورية متنفجة – بـ ” شيخ الناشرين ” . لكن مصباح كاتب البلاد هذا لا تفركه النوايا الحسنة لتطلق مارده الحاني الذي سينقلها على بساط ريح النشر . إنه ” يُفرك ” بالعهر ؛ عهر الجسد . هذا العهر الذي نستكمل به ليس مسيرة التعهير الدامية التي مرت بها ” نازك ” في طفولتها ومراهقتها وشبابها ، خصوصا في تجربة زواجها الفاجعة قبل عشرين عاما – كأنموذج لعملية انمساخ المواطن العربي حسب ، بل حلقات التعهير المجتمعي العام أيضا . فالكاتب الذي صدمته موهبتها الكتابية العظيمة وقدرتها الهائلة على التعبير كما قال لها كان يؤكد لها دائما على أن لا تستعجل الشهرة والانتشار ، وان عليها أن تنتظر الفرصة التي ستأتي إليها . وهو موقف منافق ، فقد كان يتلمظ ليبطش بها كفريسة جنسية إن كان يمتلك الأسلحة القادرة على البطش في هذا المجال وهو قد تجاوز الخامسة والسبعين . شعرت هي بذلك منذ اللحظات الأولى لمقابلتهما الأولى حين رمق ساقها بإعجاب لم يتعمد إخفاءه ، وحين لحظت انه كان يفترس بنظراته النهمة وجهها وساقها عندما أوصلها بسيارته . وللمرأة رادار خاص يلتقط بكفاءة موجات غريزة من يشتهيها حلالا أو حراما من خلال نظراته ؛ العين هي يد الغريزة المحرمة ولذلك فقأ أوديب عينيه ، ولذلك أيضا يتفق علماء النفس على حقيقة أن النسوة اللائي يُغتصبن يسهمن في إغواء واستدراج الغاصب ” من حيث لا يعلمن ” من خلال سلوكهن والأهم من خلال نظراتهن . وفوق ذلك فإن لدى نازك كما تقول وكما تكرر ذلك في أربعة مواضع ” عينين نفسيتين ” راصدتين . كان كاتب البلاد يسمّيها ” ابنتي ” حين حدّثها في مكتب صديق والدها ، ولكن ها هو يسمّيها : ” حبيبتي ” بعد أن استدرجها إلى كمين غداء ” أبوي ” راودها فيه عن نفسها فاستسلمت لقبلاته هو صاحب طقم الأسنان البديل الذي خشيت أنها لو تبادلت معه قبلة عميقة فسيسقط في فمه . كانت كما تقول هي نفسها متقززة من كل شيء فيه ؛ كل شيء فيه مغث ؛ أسنانه الصناعية التي لونتها صفرة النيكوتين ، شفاهه اليابسة ، لثته المهترئة ، صلعته ، كرشه الرخو المتهدل ، وفوق ذلك – وحسب وصفها ” الشعري ” – رائحة شيخوخته المنفرة . والأهم من ذلك كلّه غروره الطاووسي المسموم وتنفّجه الذكوري المميت . كان شعوره بالعظمة يقترب من الهذاء المرضي ( البارانويا ) حيث وصل حدا كان يقول فيه : ” أن النساء يتباركن بقبلاته ” . ونازك ذاتها كانت مقتنعة بأن لا أساس إبداعيا لشهرته وحضوره الخانق في عالم النشر . إنه في مرحلة شيخوخة الفكر وذبول الموهبة ولا جدوى أعماله الأخيرة التي يطرحها كتابا وراء كتاب ، فلا تحس بالفرق بين كتاب وكتاب ، بل تحس أنك غارق في كلام ممجوج . ناشره نفسه الذي جنى من نشر رواياته ثروة طائلة يقول لنازك أن كاتب البلاد كان يجب أن يعلن موته الإبداعي الرسمي منذ عقود ، وأنه لولا ضربه على وتر الجنس الأحمر الحساس منذ روايته الأولى لما أقبل الناس على رواياته ، وأنه ما كان ممكنا أن

يحقق شهرته لولا مساعدة صديق طفولته الذي أصبح نائبا ( نازك كانت تسمع أن بينهما علاقة جنسية ) . لقد شعرت – خصوصا حين دعاها إلى سهرة مع أصدقائه – أنه كاذب . فرغم أنه لم يتردد في الإعلان عن عجزه الجنسي بشكل فاضح نجده يعلن أمامهم حين سألته إحدى الجالسات عن الفتاة البولونية في روايته الأخيرة عن أنها فتاة تركت صديقها وتعلقت به وجاءته إلى غرفته في الفندق وتعرت أمامه فـ ” ضاجعها ” بعينيه أكثر من ساعتين : ” كنت أضاجعها بنظراتي ، تأملتها ساعتين ، وغمرت جسدها بالقبل ، وكانت تتأوه بنشوة ، أقسمت أنها لم تشعر بمثلها في حياتها – ص 74 ” . تعلق نازك على ذلك بالقول :                         ” كنا نصغي للقصة المثيرة التي يرويها كاتب البلاد ، ووسط حسد أصدقائه له ، كنت وحدي مستعدة أن أقسم أنه كاذب – ص 74 ” .                                                                                                            وأضف إلى ذلك – وقائمة الخطايا تطول – أنه كان سببا وأداة لتعهير ذاته وإبداعه ، بل هو جزء مهم جدا من مؤسسة التعهير العامة بحكم موقعه المرجعي الإبداعي . هذا ما أعلنه الصوت الداخلي لنازك ؛ صوت ” أناها الأعلى – السلطة الاجتماعية الرقابية التي لا تنام في جهازها النفسي الداخلي ” : ” أكاد أسمع صوتا بالغ النقاء يسألني : من هو هذا الكاتب ؟ .. كيف تشوّه عبر الزمن ، وكيف خان مبادئه ، وكيف افتقرت كتاباته للصدق والحقيقة ، رغم أن الثوب ظل جميلا ، والأسلوب آسرا . لكن كتابته ما عادت تتمخض عن شيء ، صار كاتب المصلحة والتملق والأضواء الزائفة .. الناس البسطاء يعرفون هذه الحقيقة ويقولون ببساطة : خير له أن يتوقف عن الكتابة … صوت الحقيقة يهمس لي بساطة : أن الكاتب لا يعيش شيخوخته الجسدية فقط ، بل شيخوخته الأدبية ….للأسف عرفته في سقوطه …وتعهّر أدبه – ص 62 ”   وهو لا يتورّع عن ” تعهير ” الأديبات حين يدّعي أمامها أنهن يطاردنه ويلححن عليه بأن يضاجعهن !! . وهاهو الآن يصل ذروة محاولاته التعهيرية في محاولة اغتصاب نازك التي كان يناديها ” يا ابنتي ” . إنه يريد أن يعهرها جسديا قبل أن يطلقها إبداعيا كما تقول . سيثور تساؤل مهم هو : إذا كانت نازك تعرف كلّ هذه الخطايا والسلبيات الصارخة والآثام المتجمعة في شخصية كاتب البلاد هذا وسلوكه  ، فلماذا سلّمته مقاديرها ” الأدبية ” وتواطأت معه في تلويث جسدها في حفل الغداء ؟                                                                 هنا تضعنا ” هيفاء بيطار ” – ووفق نظرة نفسية محكمة وسط الدائرة الجحيمية التي ينصب فيها اللاشعور الماكر مصائده الخلاقة وتجري على أرضها ألعابه المميتة – وليس عبثا أن معلم فيينا كان يقول أن الأدباء ، ويقصد بهم سوفوكل وشكسبير ودستويفسكي ، هم أساتذتي – ويؤكد على أن ” الشعراء والروائيين هم حلفاء لنا موثوق بهم وشهادتهم يجب أن تقدر كثيرا ، لأنهم يعلمون أشياء بين الأرض والسماء لا تستطيع حكمتنا المدرسية أن تحلم بها . إنهم معلمونا في معرفة لنفس البشرية ، نحن الرجال العاميون ، لأنهم ينهلون من مصادر لم نجعلها بعد في متناول العلم ” .                                                                                   تنزرع العقد والمركبات النفسية العصابية في تربة اللاشعور منذ الطفولة ، وتكمن حتى الرشد تحت وطأة قبضة الكبت والقمع للسلطتين الدينية والاجتماعية الجائرتين . لكنها تبقى لائبة متململة تتربص وتتحين الفرص . واللاشعور ذكي ، يعرف كيف يخلق مسارب تفريغية لهذه الحفزات التي تبغي الإنطلاق والإشباع . لكن لأن الرقيب الداخلي – رجل الشرطة النفسي صاح ومتيقظ – رغم أنه قد يغفو وقد يتصافق أحيانا – فإن عليه الظفر من خلال مداورات لا يمكن الإمساك بها ؛ مداورات معقلنة – intellectualized وتبريرية – rationalized وإسقاطية – projected وغيرها ، وكل هذه الآليات الدفاعية التخديرية تستخدم الشعور ككاسحة ألغام أمامها تتستر بها وتتخفى وراءه ، من خلال تغييب بصيرة الشعور وعين الرقيب بضغوط موجة الانتفاخ النرجسي العارمة . ابتداء كانت نازك – كما قلنا – تدرك فرادة الموهبة الكتابية الخلاقة التي تمور في داخلها ، وتشعر أن من الكفر الاجتماعي والإبداعي أن تُقبر هذه الموهبة ولا ترى النور ، خصوصا وأنها مقتنعة وبقوة أن ما تكتبه يفوق – بمراحل – ما يكتبه الديناصور المجفّف : كاتب البلاد . وبحثها عن منفذ يطلق إمكاناتها المحتبسة هو حق مشروع تماما . وهذا هو الغطاء العقلاني ذو النوايا البيضاء – ودائما تكون النوايا البيضاء الطريق المستقيمة إلى الكارثة لأن حفزات اللاشعور الآثمة تتستر بها – . كانت تشعر – وهي محقة تماما أيضا – بأنها تعيش في زمن لا يستطيع الشخص ذاته أن يثبت موهبته ويجبر الآخرين على سماع صوته ، إن لم يسنده طرف قوي : ” قوة ما يجب أن تساعدني . لكني لا أعرف كيف أجدها ، ولا صفاتها الحقيقية . كنت في آن واحد محبطة بشدة وذات طموح لا محدود من جهة أخرى . وكان اجتماع هذين الشعورين القويين والمتنافرين يتركانني في حالة من الضياع والإعياء ، لكني وجدت متنفسا الآن ، سأثبت موهبتي الأصيلة للكاتب الكبير ؛ سأحاصره بموهبتي من جهة ، وأنوثتي من جهة أخرى ، التي أثارت أمواجا من الحنين لشبابه . عندها سيضطر لمساعدتي ، سيتعهدني ويعرّفني بناشره الأكثر شهرة وثراء بين الناشرين . عندها … – ص 18 ” …. وعندها ستنفتح أمامها أبواب الشهرة الساحرة فتضيع في أحلام يقظة عن المؤتمرات الصحفية التي ستعقدها وعدسات المصورين واللقاءات ( والاستعراضية اختصاص أنثوي ) . لكنها لا تتردّد في الإعلان – وحتى قبل المناورة الاسقاطية الاغتصابية التي حاول الكاتب القيام بها في دعوة الغداء المبيّتة – أنها تكره كاتب البلاد ، لأن شهرته كانت تذلها – هي المحبطة – بطريقة ما . كانت لديها قناعة عميقة في أنه لن يساعدها أبدا ، وأنه يغار منها ، ويحسب حسابا لتفتح موهبتها الكبيرة . ولكنها تريد أن تلعب معه ” لعبة لي الذراع ” المشرّفة التي كانت موقنة أنها ستكسب جولتها الأخيرة . لكن تحت هذا الغطاء العقلاني نسبيا الذي تدّعيه نازك ، يمرّر اللاشعور دفعاته المشبوهة خلف ستارة شرعية . وأخطر ما يمكن أن يمرّره – وهو كثير شائك ، هو ما يمكن أن أسميه ” ألعاب ألكترا ” . السعي المحارمي للإلتحام بالأنموذج الأبوي المنهي عنه – موضوع الحب المحرّم . تتساءل نازك الروائية – الروائية لنميزها عن نازك الشابة الشاعرة – :                                                      ” لا أعرف أية نجاسة كانت مختبئة في روحي حين أخذت كتاباتي له تأخذ منحى غزليا عشقيا ؟ ، صرت أبثه أشواقا لا أحسها ، وعتابات مفتعلة كونه لا يتصل بي ولا يكتب . في الواقع لم يكن يعنيني هل كتب لي أم لا ، لأن غايتي في الكتابة إليه كانت منافسته في أدبه ، لعبة لي الذراع كما أحب أن أسمي ما بيننا – ص 21 ” .وتيسّر المسمّيات البريئة انسراب المضامين غير البريئة – ولا أعلم لماذا يسمّون الملاكمة رياضة الفن النبيل !! –  ، ففي غمرة الإنشغال بلي الأذرع الإبداعي يموّه ما هو جنسي نفسه ليتحقق عبر مراحل بسيطة لا يشعر بها الفرد المهدّد بالحفزات المورطة نفسه . فإذا كانت نازك مخلصة في اللعبة – المبارزة الثقافية ، لماذا انحدرت إلى سفح الإغواء المربك الذي زرع في أعماق الكاتب الشيخ شعورا بالتصابي والفحولة لم يكن السبب بأكمله يعود إليه . إن نازك الروائية كانت تهيج غلمة الشيخ كاتب البلاد ” من حيث لا تدري ” شعوريا و ” من حيث تدري ” لاشعوريا . فرغم أن رسائلها إلى الكاتب – واختيار الرسائل من جانب الكاتب يتفق مع انهماماته المثلية وعجزه الجنسي اللذين تعرفهما نازك  ويتفق مع ميول أخرى لديها هي سنتناولها لاحقا – لم يكن لها ترتيب معيّن ولا نهج ، إلّا أنها لم تكن تسهم في إيقاعه في شرك حبها وتعلقها العشقي به حسب بل تستثير ” عقدة الإنقاذ ” الاوديبية الكامنة في أعماقه ، ولتحفز الدوافع المحارمية المتعبة بحكم الضمور اللااستعمالي لأسلحته المقابلة أيضا . لقد كتبت له بضمير الغائب عن حال فتاة طحنتها التابوات الأبوية والكنسية والاجتماعية ، فتاة هشّة ” بريئة ” النوايا تتطلع إلى الحرّية والتفتح العاطفي والجنسي ، ولكنها لا تجد غير دخان الخيبة الخانق . فتاة مسيحية ” ترفض التعليم الديني الذي أرهق روحها وأعصابها بمفهومي الحرام والحلال ، تتوق حلمتاها لشق القميص والتعمّد بنور الشمس ، تتوق شفتاها لقبلة تعطي فيها روحها وتأخذ روح الحبيب . الفم لم يخلق للطعام ، بل للقبلة . واليدان لم تخلقا للاشتباك والصلاة فقط ، بل لاحتضان جسد الحبيب وتحسّسه ، ثورة الحواس تتفجر في مسامها ، لم يعد شبح الدين قادرا على قمعها . جسدها مشبع بهورمونات الحب . غددها الفتية تفرز عسلا فيزداد الهدير الشبق في دمها . الحياة تدعوها للارتماء في حمام النور والهواء ، والتمرّغ في متع الحواس . فكيف ستقاوم ؟ وأي سخف أن تقاوم ؟ – ص 37 ” .                                                                   إن النص الأدبي الذي سلّمته لكاتب البلاد هو في حقيقته : رسالة . وهو دعوة من حقّه أن يؤولها وفق اندفاعاته النفسية والجنسية . كل رسالة تفرض تأويلاتها النفسية والاجتماعية والنقدية من خلال تفاعلات المتلقي التي تتأسس على ركائز محتويات لاشعوره . ولكن الأهم والأخطر من بين هذه التأويلات هي التأويلات ” النقدية النفسية ” التي تحيكها ” رؤية ” اللاشعور الضامر المقابل . عن طريق هذا المقترب التآمري استنهضت نازك الروائية حفزات الانقاذ الأوديبة النائمة ، والتصابي – عودة الشيخ إلى شبابه – هي تورية عن عودة الأب إلى لعب دور الإبن المبارك لاشعوريا في المشهد الذي تنصب الشابة المغدورة – التي لا يعرف الكاتب حتى هذه اللحظة أنها نازك الشاعرة التي يتحدث عنها النص الذي بين يديه قبل عشرين عاما لكننا كقرّاء نعرف ذلك لأنها تقول لنا : ” رسالتي الأولى التي اعترف لي أنها فتنته ، وكان يستعيدها كل يوم ، بدأتها بشحنة قوية من الانفعالات الغامضة ، وانتبهت عرضا إلى أن دموعي كانت تنهمر وأنا أكتب ، حين لمحت الحبر يذوب في نقاط الدمع المتساقطة . كنت أحب أن أتحدّث عن نفسي بضمير الغائب ، الذي كان يعطيني حرية أكبر في التعبير – ص 25 ” .                                                                                                             ولا أعلم كيف يموت المؤلف وفق الأطروحات الحداثوية وما بعد الحداثوية . إن شخص الغائبة – وهو ورقي – تسلمه كاتب البلاد في رسالة نازك ، أي أنه متخيّل ، أهاض في أعماقه شعورا مفاده أنه محرك إنقاذي لموضوع حب كسير ومستلب ومحطّم ، هو عبارة عن التكوين ” الحروفي ” لموضوع حبه المختزن ” اللحمي – الحي ” للروائية . احذروا رسائل اللاشعور . وقد حفزت في الكاتب صورة الأب حفيد الكاهن الذي يكره – وبتعبير أدق ” يعهّر ” – كل الأديان والمذاهب الأخرى ، صورة ألكترا العطشى لحب الأب الذي يناسب تشكيلته الحياتية والأخلاقية ومنظومة تأويله السلوكية الفكرية التي قطعت شوطا طويلا في ” التعهّر ” و” التعهير ” . ومثلما كانت نازك المراهقة تشعر أنها تركب في زورق يقوده الأب عابرا بهم نهر الوهم ، ومغلقا عقولهم عن التفكير الحر ، فإنها هنا تعيد ترسيم الأدوار مسلمة قيادها إلى انموذج أبوي آخر مخاتل وممسوخ ، لكن بمبادرتها الذاتية هذه المرّة رغم نوبات السخط والتذمّر والنقمة والتكفير . لقد استلم الكاتب الشيخ ” الرسالة ” وصاغ لها ” جواب ” التأويل المناسب الذي تمثله ضمن منظومته الإدراكية المعرفية والنفسية . وقد تعزّز هذا التمثل وصحته التأويلية من خلال دلائل مادية ” انفعالية ” ملموسة كسلوكات قامت بها نازك الروائية في حفلة الغداء . لقد ساءلت نفسها وهي تتجمل أمام المرآة لمقابلة شيخ متهالك يكبرها بأربعين عاما عن السبب الذي يجعلها تريد الظهور بأجمل صورة أمامه . فتجيبها ذاتها المرآتية – المتجسدة في المرآة ، والمرآة من أساسيات التأثيث المكاني في النص النسوي والتي تحتاج بحثا مستقلا – بأن المرأة تحب لفت نظر الرجل حتى لو كان على فراش الموت . وهذه حكمة نفسية ؛ المرأة كائن نرجسي حتى الموت . كانت كما تقول تتسلى بإغواء عجوز والتفرّج عليه كيف يفرح بالفتات . بعدها تبدأ مصائد اللاشعور الماكرة التي تحوّل ما هو مقصود شعوريا إلى – وببراءة ظاهرة – ما هو مبيّت لا شعوريا ؛ جنسيا أو عدوانيا . تنهض نازك بعد أن ضبطته وهو يتأملها بشبق ، وتستأذنه لإطفاء بعض أنوار الغرفة .. مبررها أنها تنزعج من البهر الضوئي ، ولكن بالنسبة له يشكل هذا التصرف خطوة تمهيدية للتعتيم على الدوافع الممنوعة . يمدح ركبتها المضيئة وبياضها الآسر فلا تنزعج لأنها لم تبال حين انحسر الفستان كاشفا ركبتها وجزءا من فخذها ، وتشعر بأنه أرضى غرورها بمديحه لأنها جعلت شهرته تجثو عند ركبتها . لم يكن شعارها الصراعي الهائل الذي اقتبسته من معلم فيينا وهو : ” يجب قتل الأب ” ، والذي بعث قشعريرة في جسدها ، هو الشعار الدقيق في هذه المرحلة المتأخرة عن حماسة المراهقة ، بل شعار ” إسقاط الاب وتلويثه ” ، لأن موته يتسق مع خيالات الطفولة الأوديبية الجامحة وهي ليس لها مكان في نفس البنت مهما كانت شراسة الأب بخلاف تعلق الولد بالأم الذي لا يتغير طول الحياة حيث تبقى موضوع حب يجب ” إسقاطه ” ولا يتحقق إلا من خلال قتل الأب والقضاء المبرم عليه . ننتقل إلى خطوة إغوائية أخرى ينصبها اللاشعور الماكر وذلك حين تحس نازك – بعد أن شربت الكأس الثانية – والخمرة ترقّق دفاعات الضمير ، وللسرّ ، كما يقول الشاعر القديم ، نافذتان : السكر والغضب ، وقد اجتمعا الآن لدى نازك في هذه الظهيرة الحمراء – حيث ترى أن من واجبها – ولا نعرف مصدر هذا الواجب – أن تمتدحه ، فحكت له عن انبهارها بروايته الأولى التي قرأتها وهي في الثامنة عشرة – تعيد إليه ذكرى الصبية المحاصرة الخائبة التي سطرتها في الرسالة – والتي – أي الرواية – كان يدور موضوعها حول معاناة رجل فقير ، لم يستطع أن يتخذ زوجة بسبب فقره ، وكان شهوانيا ، يقضي الليل وسط أحلام شبقية زاخرة بالنساء العاريات ، وهو مقلوب حالة بطلتها في الرسالة التي تلهث باحثة عن الإشباع المتيسر فيصدّها الدين ودروس الكنيسة وتابوات الكهنة فتسرح في الخيالات والتبصص وممارسة العادة السرّية – إنها تذكره بأيام عرسه بعد أن ضاقت نفسه بالشيخوخة والعجز الجنسي – . ثم تذكّره بقصيدته ( سخف الذكريات ) التي تحبها فيلقيها أمامها بصوته المتهدج فتذكره بـ ” انتصابه ” الشعري الشبابي من ناحية وتذوب مسترخية وكأنها تهيء نفسها للاستجابة المأمولة من ناحية أخرى .. إيغال غير محسوب في نتائج لعبة الإيهام .. وحين يمد يده ليتحسّس ركبتها ثم فخذها بوله مستميت ” تبرّر ” استقبالها الهاديء للفعل التحرشي وتبرز رد فعل استقبالي موشح بالفضول والشفقة ؛ الفضول : مشاركته اللعبة ، والشفقة : عطف على شيخوخته المستجدية . وحين يطلب منها أن تجلس في حضنه تتردد أول الأمر ، ليس لأن هذا الطلب تحرشي ومناف لقواعد السلوك بينهما ولكن لأنها تخاف أن يتسبب وزنها في آلام في فخذيه النحيلتين !! وحين لم يستطع فك الزر الأول من فستانها لكي يبطش بنهدها النابت الشامخ – حتى نحن تستدرجنا – كما تصفه قامت بمساعدته في إنجاز المهمة . ولا ننسى أنها حين خرجت من بيتها لمقابلته تعمدت فتح الأزرار العليا من فستانها الأزرق ، الذي سيدوّي لونه حين تسقط ظلاله على قبتي الفضة – وهذا وصف حسّي مهيب لم أقرأ مثله في حياتي . وبين كل حركة وأخرى تعلن لنا إلكترا الراشدة عن كرهها لما تقوم به وما تشمه من روائح الشيخوخة ، رائحة النهاية ، وهو التعبير الظاهر عن محنة التضاد الوجداني – ambivalent المحارمي المغروس في تربة اللاشعور الطفلي في سيكولوجية الأنوثة أصلا بصورة عامة ، وفي ذات نازك منذ مراهقتها بشكل خاص ، والذي تسنّن وجوده فصار مسلّحا . وسيلفت انتباهك أن نازك ذات الثمانية وثلاثين عاما لم تستقر الآن بعد جولات الخيبة إلّا على علاقة مع أنموذج أبوي هو صديق أبيها الذي صار صديقها بعد وفاة الأخير وكانت تسمّيه ( الرمز ) وهي عملية مثلنة الهدف المحارمي ، وتمتد صداقتها بالشيخ الودود إلى ما قبل عشرين عاما أي منذ أن كان عمرها ثمانية وعشرين عاما ، عمر الذروة في النضج الجسدي والغريزي الذي تبحث فيه الشهوة عن شيطان جزار في إهاب شاب . وتقدم لنا نازك مفتاحا يعيننا على فهم مضمون العلاقة ذات الغطاء الإنساني الودي فتقول أن صداقتها بصديق أبيها ؛ بديله ، قد تعززت بتأثير حادثتين : الأولى وفاة والدها والثانية طلاقها ( وفاة زوجها مجازا ) ، وهي ترجح العامل الثاني كعامل أكثر قوة من الأول ، أي ليس للعب دور الأب الحاني دور أساس في تأسيس هذه العلاقة ، ولكن لأن المطلقة تتمتع بسحر وجاذبية لا يقاومان بالنسبة للرجال ، لأنها تتعلم بعد طلاقها كيف تعطي ذاتها بسخاء وتواضع كما تقول . وفي نهاية جولة لي الذراع الثقافية تملّصت نازك من بين ذراعي الكاتب بعد أن فتح لها  سرواله ، هذا الفعل الجنسي المباشر الذي جاء بعد أن ” أشفقت ” عليه بقبلة على شفتيه اليابستين الضامرتين واحتضنت كفيه المرهقتين المنقطتين ببقع الشيخوخة المقززة ، بحس من ” البنوة ” الحقيقية . لقد أعلن لها في خضم انفعالات هذه المحنة أنه لم يرتبط بأية امرأة – وقد يكون هذا من نتائج الميول المثلية – لأنه لم يعثر على المرأة التي تجعله ” يركع ” . وعملية ” الركوع ” في أعراف هؤلاء تورية عن الحفزات المثلية والمازوخية . وقد يكون خادشا لصفاء تجربة حبها الأول الذي تسميه ” الحب العظيم ” ، التجربة التي عاشتها في نهاية مرحلة الدراسة الثانوية – ذرة المراهقة – مع الشاب الذي كان يكبرها بعامين ويدرس الفلسفة في جامعة بيروت ، ويحضر من وقت لآخر الاجتماعات الدينية الأسبوعية لفرقة المحبة التي كانت واحدة من أعضائها ، أقول خادشا ، أن نعتبر نوعا من الحفزات العصابية اللّاسوية الكامنة في أعماق حبيبها هي سبب فشل التجربة . لقد اندفعت نحوه بجموح – وفي الغالب تكون الاندفاعات الجامحة مؤسسة على الحفزات المحارمية الطفلية الفعلية أو المؤمثلة ، تطابقا أو تناقضا ؛ مثلما يرى شاب فتاة لأول مرة ويصرخ : وجدتها ، هنا تقفز صورة الموضوع المكبوتة المختزنة التي يقاس عليها الموضوع الجديد – ، وقدمت له أوصافا شديدة المثالية : وجهه متسربل بالنور ومشع بالسلام ، ضميره مرتاح .. وقد انكتبت قصة حبهما من خلال ” الرسائل ” أيضا ، وكأنها قد تخصصت في ” الحب عن بعد ” ، وهي طريقة تلائم النتيجة الصادمة التي تحققت من ردة فعل حبيبها المعصوبة : ” إن طريقي ليس طريق الحب البشري .. لقد اخترت طريق الحب الإلهي .. المسيح هو طريقي ” إن هؤلاء الذين يتركون الحب البشري الملموس والمشخصن في الجسد الأنثوي الإلهي – وأقول الإلهي لأنه بعد الاستنساخ الوراثي سحب البشر البساط من تحت أرجل الآلهة ولم يبق لها من امتياز سوى الموت ، ولا دليل على عظمة الله من أمثال : الجبال ( ينسفها الانسان )  البحار ( يجففها ويحلّيها ) ..إلخ ، وكل ما قالت الآلهة أنها خلقته كدليل على وجودها يستطيع الإنسان المتشيطن بالعلم أن يتلاعب به عدا الموت .. ولا دليل ملموسا وكاسحا على وجود الحياة ، نقيض الموت ، وبالتالي وجود الله ، سوى جسد المرأة بتركيبته العجيبة .. فقط عندما يتجسد أمامك جسد المرأة يتجلى الله الجميل القدير ، لأنك لو جمعت مليار فنان من الذكور قبل خلق المرأة – قبل الخليقة – وطلبت منهم ” صنع ” رفيقة لهذا الذكر – الآدم المستوحد في الفردوس فلن يفكروا بصنعها وفق هذه التركيبة التي شكلتها أنامل الله ). هؤلاء الذين يتركون الحب البشري الملموس ويتجهون إلى الإلتحام بموضوع حب تجريدي هم معصوبون لا يستطيعون الجهر بموضوعات حبهم المكبوتة ، ومخصيون يستكملون عملية خصائهم النفسية الإجرائية . وهم أيضا من عتاة الأثّامين ولا تخدعنك مسالمتهم المعلنة . وببرائتها الغاطسة في شهقات خيبتها وتمزّقات روحها المغدورة تشخص نازك العلة :                                              ” .. قال : المسيح هو طريقي … ودت لو تصفعه .. وتصرخ بصوت كالجعير : والرسائل ، والأشواق ، والحب الخجول !! . لكنها أفلحت في كظم ثورة غضبها ، وسألته ببقايا صوت تشظّى من الخيبة : كيف تفكر أن تعيش حياتك ؟ ..                                                                                                                            قال : المسيح هو طريقي ..
ودت لو تصرخ : لكن هل المسيح يريدك مخصيّا ؟ .. تحوّل الصراخ لدموع رشفتها إلى بلعومها ، مانعة إياها من الإنسكاب على خدها . كانت هذه أول خيبة عاطفية تعيشها مع شاب خصاه إيمانه . لكن ، ماذا يمكن أن تسمي ما بينهما سوى حب ؟ كان عويل في داخلها يشتد حتى الجنون ، وتارة تدخل روحها في أنفاق الذهول . عجبا كيف يكون الحب إذا لم يكن كالعلاقة بينهما ؟ – ص ص 33و34 ” .                                                  تعود بذاكرتها إلى واحدة من اللحظات التي شرقت روحها بالحب فيها وهي تقص على الأطفال معجزات المسيح ، شرقت روحها بحب الأطفال والطبيعة والصفاء والمحبة والمسيح والله والإنجيل ، كلها تحت ظلال نظرات موضوع حبها الوارفة  وابتسامته الوديعة المنتشية ، شرقت روحها حتى سال الحب من عينيها دموعا ساخنة صادقة مسحها بيده : ” تحلّق الأطفال الصغار ، الفقراء وأشباه العراة ، يلمسونها ويقبلونها ويعبرون لها عن حبهم الكبير ، بكت تأثرا ، ضمت أجسادهم النحيلة بحب لا محدود شمل القرية كلّها والكون بأسره ، حب كوني كما أحسته يطوف من قلبها الصغير وينتشر مع الأثير . انتابتها قشعريرة وهي تدرك أن هؤلاء الأميين والمعزولين قد مسّتهم كلمة الله وسحرتهم ، وهي الوسيط الذي سكب كلام الله في قلوب الصغار . لقد تكلم المسيح من خلالها . لم تستطع منع دموعها الروحية من الانسكاب . كانت نشوة روحية تهز جسدها كله ، وهي ترنو لأجساد الصغار تبتعد عنها وضحكاتهم وصيحاتهم تتباعد ، ويترجع صداها سياجا من الأمان يحيط بها . اقترب منها ، وجثا على ركبتيه بجوارها ، ومسح دموعها بظاهر كفّه …. إنه يجثو أمامها ، يتأملها بعينين دامعتين من الوجد . أيعقل أن يكون هذا حبا أخويا ؟ لو تجسّد المسيح في تلك اللحظة أما كان يبارك حبهما ؟ هل كان يمانع لو ارتميا على العشب ومارسا لعبة الحب الروحية الجسدية ، أو الجسدية الروحية ؟ – ص 35 ” هنا ، وفي هذه القطعة الشديدة الإحكام جماليا وفنيا ولغويا ونفسيا ، تتجلى الصوفية الحقّة ، الصوفية المنتجة التي يلتحم فيها الإنسان المحب بموضوع حبه تحت رعاية الله الحنون . وهي موجودة حتى في الصوفية العطالة والبطالة العصابية التي تقترب من الحدود الذهانية – psychosis ( ولا أعرف لماذا يصوم المتصوّف والشاعر ” ابن الفارض ” شهرا ، وحين يحاول الإفطار يخرج له شاب جميل الطلعة من الجدار ويأمره بأن يكمل الصيام إلى أربعين يوما ، لماذا لم يخرج له شيخ ورع ينصحه ؟ ابن الفارض كان يحب أحد صبيان القصّابين قبل تصوّفه ) وإلا كيف نفسر ما قرأته نازك بعد هذه التجربة بسنوات وبطريق الصدفة أن المتصوفين والرهبان الذين يقضون حياتهم بعيدا عن الناس في صومعة في جبل أو دير كيف أنهم في لحظات توحدهم الكلي مع الله ، وتحوّلهم إلى صلاة ، كانوا يصابون بالانتصاب والقذف ( وهذا ما كنت ألاحظه أيضا لدى الجنود في المعارك خلال فترات الانتظار ليس لأن الجهاز العصبي اللإرادي ( السمبثاوي ) يشتغل بكل طاقته في حالات القلق المفرط – قلق الموت – حسب ولكن لأن الحياة ” ترتجف ” في حضرة الموت . في هذه القطعة – الوصفة العلاجية يكمن دين جديد للإنسان والله والمحبة . لكن حبيبها  هرب إلى أحد الأديرة البعيدة في اليونان فكرهته نازك بقوة حبها له ، فـ ” الحب والكره وجهان لعملة واحدة ” بالنسبة لها ، وهي حكمة نفسية أخرى مهمة  . فمن أساسيات التحليل النفسي هو : ” أن الحب في بدايته كثيرا ما يكون إدراكه بحسبانه كراهية ، وأن الحب حين يُحرم الإشباع ، يمكن أن يتحول في يسر وبصورة جزافية إلى كراهية . ويحدّثنا الشعراء عن أنه في المراحل المشبوبة من الحب يمكن للعاطفتين المتناقضتين أن تتعايشا برهة جنبا إلى جنب وكأنهما في تنافس أحدهما مع الأخرى .( هذا ما عبر عنه شاعر أغنية ناظم الغزالي الشهيرة  : أحبك وأريد أنساك -). وأما التعايش المزمن بين الحب والكراهية في اتجاههما معا إلى نفس الشخص وبأعظم شدّة لهما ، فلا يمكن إلا أن يثير دهشتنا . فنحن نتوقع أن يكون الحب المشبوب قد اجتاح الكراهية أو اجتاحته الكراهية العرمة منذ زمن طويل . ولكن الحب نجح فحسب في دفع الكراهية وكبتها في اللاشعور . وفي اللاشعور حيث الكراهية في مأمن من أن تدمرها العمليات الشعورية ، يكون بوسعها أن تستمر في البقاء ، بل وأن تنمو في مثل هذه الظروف . وكقاعدة عامة ، يبلغ الحب الشعوري من قبيل ردّ الفعل ، درجات عالية من الشدّة بشكل خاص ، حتى يكون من القوة بحيث يتمكن من الاضطلاع بهمته الدائبة في الإبقاء على خصمه ( الكراهية ) تحت الكبت . وهذا ما يحصل لدى الطفل حين يمر بمرحلة ” عقدة أوديب ” بما تتضمنه من مشاعر الغيرة والعداء نحو أبيه الذي يحبه بالرغم من ذلك حبّا عظيما ” . وهذا هو ما ينطبق على نازك المراهقة في علاقتها بوالديها . تشخيصات أضطرابات الآخرين تنبثق من أعماقنا المضطربة  وتُسقط عليهم . فقد كانت تعاني من حفزات وجدانية متضادة تجاه والديها ، فهما يعطيانها كلّ شيء عدا أن تكون حرّة .، وكثيرا ما كانت ترزح تحت وطأة شعور قاس بأنها مجرد آلة ، وكانت تطيل التحديق فيهما ، كيف يمارسان الحياة بتناغم جميل ظاهري ، فيما هي تحس بحقد لاذع تجاههما . لكن هذه المشاعر المتضادة يترتب عليها شعور شديد بالذنب ، فقد كانت تتعرض لعذاب ضمير قاس بسبب اتهامها لهما بأنهما يخنقانها ، كانت تبكي ندما ، وهي تستحضر صور شقائهما وكفاحهما ، كم ساعة تنكب والدتها على ماكنة الخياطة لتخيط لها ولإخوتها الثياب الجميلة ، كي لا يشعروا بالغيرة وعقدة النقص تجاه رفاقهم الأثرياء في الجامعة ، وساعات العمل الإضافي التي يفني والدها نفسه فيها ، لأجل تأمين أقصى ما يستطيع من البحبوحة والرفاهية لأولاده . وحبهما اللامحدود لهم ، يا لجحودها ، كيف تشعر بعد كل هذا الفيض من النبل والعطاء ، أنهما يخنقانها ؟ – ص ص 99 و100 ” . وهذا الشعور بالذنب تجاه جحودها المفترض تجاه والديها هو جزء بسيط ومظهر متأخر لصورة سوداء أعم وأشمل من الإحساس الموجع بالإثم – guilt feeling الذي استولى على وجدانها منذ صغرها ، خصوصا حين بدأت بممارسة العادة السرّية التي ينبغي أن نعرف لماذا يترتب عليها الشعور بالإثم ولا يترتب ذلك على الممارسة الجنسية الصريحة !! فما كان يعذب نازك الصغيرة هي أنها تشعر بندم حارق حين يضطرها الشوق العميق للرجل إلى ممارسة العادة السرية : ” كانت تنتهي من فعلها الآثم مبللة بالخجل ، لدرجة كانت تغمض عينيها خجلا حين تلمح الإنجيل حزينا على طاولة دراستها فتشعر أنها خيّبت أمل الله فيها . كانت تحس بنظرات الله تحرق كتفيها ، ترصدانها بألم واحتقار وهي مكورة حول نفسها غارقة في فعلها الآثم – ص 30 “.. وبعد مراحل من المحاولات اليائسة للخلاص من القبضة الأبوية الخانقة ، ورغم أنها ” وجدت ” وظيفة جديدة لميولها الإستمنائية متمثلة في اعتبار ممارسة العادة السرية تحدّ لأبويها لأنهما رسّخا في أعماقها أن كل انفعال صادق وغريزي يدخل ضمن إطار المحرّمات ويجب خنقه ، إلا أنها كانت تعود لتسقط في بئر الإثم المظلم من جديد . لكن العامل الأهم في نشوء هذه ” العقدة ” ؛ عقدة الشعور بالذنب هي الثقافة الدينية التي ترعرت في أحضانها ، ثقافة تقوم على أساس أن الإنسان ليس حيوانا آثما حسب بل أنه يجب أن يسحقه ” الاعتراف ” بذنوبه أيضا ، وأن يقوم التكفير على ركيزة إذلال الجسد وسحقه كدودة حقيرة , يجب إخصاء غريزة الحب ، والمشكلة أن كل هذا الموقف القامع المعادي للشهوة يرتكز على افتراض أسطوري حصل قبل آلاف السنين ولا يمكن أن يستوعب ترابطاته بواقعها الراهن عقل نازك الصغير المشكك :                                                                                                             ” كانت قصص القدّيسين تحتل القسم الأعظم من الدرس ، قصص متشابهة تملؤها غما ورعبا من بشر اضطهدوا وتعرضوا للحرق والتعذيب ولافتراس الوحوش الجائعة ، لكنهم استمروا سعداء بإيمانهم . كانت مفاصلها تتقصف رعبا ، وقشعريرة الرعب تهزّ جسدها وهي تصغي لهذه القصص ، وتتخيل مشاهد التعذيب المرعبة  – ص 26 ” . هذه الثقافة جعلتها تشعر أنها مطلوبة لإثم ما – المصيبة أنه غير محدد ولم تقم به – إنها ضحية خطيئة أسطورية غائرة في القدم لا يد لها فيها . وإنه لظلم فادح وجائر أن تتلو كل صباح ومساء الصلاة الربانية وتستغفر الله عن ذنوبها الموصولة بذنب آدم وحواء اللذين خالفا مشيئة الله وأكلا من الشجرة المحرمة . ولو دقق الأصوليون – مزارعو الإثم – في أصل الخطيئة وتجلياتها لوجدوا أنها تعبير عن اعتراف إلهي بقوة غريزة الحب والشهوة الجنسية التي لم ترتدع رغم أنها تجري تحت عيني الله . هذا يشبه حال اللص الذي يمد يده في جيب الشرطي الذي يراقبه . ولو علموا أن السقوط يعني عواقب السقطة المحارمية ، لأن الله أصلا هو الذي بادر في خلق موضوع جنسي – أنثوي هائل السحر بتكويناته الجسدية لآدم ، فلماذا يلومهما إذا كانت الممارسة : المعرفية أو التعرفية – ومن معاني الفعل ” عرف ” في اللغة هي المواقعة الجنسية – اللغة من عطايا الأنوثة – هي نتيجة طبيعية لخلوة ذكر وأنثى ؟ ولو علموا أن الأنثى هذه قد خلقت من ضلع آدم وكان من الممكن أن تخلق من طين لازب وأن الخلق من الضلع يعني ” قلبا حلميا ” لكونها أم أو أخت .. لو علموا كل ذلك ، ما جعلوا نازك الصغيرة ترتجف من الرعب ، شاعرة أنها آثمة خطّاءة وهي المراهقة الهشّة التي لم تقترف جرما .. أوصلوها إلى حدّ أن تؤمن أن آلام الدورة الشهرية ودم الفداء الرحمي الخصبي هو بسبب سقوط جدّين جسورين من الفردوس ، وهو نوع من العقاب لأنهما عصيا أوامر الله وليس لأنهما قاما بالفعل المحتم الذي نسيته الآلهة ونسيه حبيبها في تجربة الحب الأول العظيم !! جعلوها – باختصار وحسب تعبيرها الدقيق : ” تشعر أن الله يتربص بها في كل لحظة ، ويسجل في دفتر كبير خطاياها ، ليحاسبها يوم القيامة – ص 27 ” .                                                                                                                         ولأنها لم ترضخ لسياسة الـتأثيم الجائرة بفعل اندفاعة روحها الصاخبة الطفلية البريئة الطافحة بالنشوة والنزوع نحو الإشباع والإمساك بلحظة الدهشة الفطرية الفائقة ، فقد امتلأت روحها بالتساؤلات التي لا جواب مقنعا لها أولا ولا معنى لها أصلا ثانيا – وهذا هو سبب شيوع البنية التساؤلية والاستفهامية في الفضاء الحكائي للرواية وطغيانه عليه بصورة شديدة . لقد جعلوا حياتها الغضة عبارة عن علامة استفهام ، وفي أسوأ الأحوال ، في المواقف التي تصبح فيها الحياة عبئا ثقيلا يجب التخلص منه ، تصير حياتها علامة استفهام في نهايتها نقطة على شكل طلقة حسب تعبير مايكوفسكي . لماذا هي مخطئة وهي لم ترتكب إثما ؟ لماذا عليها أن تعترف راكعة مرة في الشهر أمام الكاهن لتعترف بذنوب لم تقم بها ؟ لماذا يجب عليها أن تردد ثلاث مرات وبخشوع : ( يا الله اغفر لي أنا عبدك الخاطيء ) وهي التي لم تخطيء وطلعت على الحياة كنسمة نقية من عمق بياض البراءة . لماذا ولماذا ولماذا ولماذا .. لكن بلا جواب . هي تعرف الجواب الذي لا يصلح لأي سؤال يطرحه ” الأخوة ” أو الكهنة او الآباء . والجواب يكمن في التصالح المنعش بين الروح والجسد ، بلا تبعات ، ودون خطايا أو آثام ، هكذا : تصالح لوجه النشوة الكونية والإلتحام بالخالق من خلال المخلوق . يا الله ,, أي فلسفة عظيمة هذه ! أي دين عظيم هذا !! . ووسط موجات الإرهاب – إرهاب السلطة الذكورية – الخانقة ، لا يمكن للاشعور – المراهق الحي خصوصا – أن يخضع بمهادنة جبانة .. قد لا يستطيع الهجوم .. لكنه يقاوم ملتفا .. أو ينسحب .. ولكنه حتى حين ينسحب فإنه سينسحب كأسد جريح . ولأن الغريزة الحيّة مجبولة من روح الله فلا تفنى ولا تموت .. هي الحي الذي لا يموت .. فإن نازك تتصدى للإلتفاف على المحرّم .. تفلح فتخترق حدود الممنوع لكنها تتألم وتأثم .. لقد بدأ المكبوت ينسرب من بين أصابع قبضة السلطة الكابتة الحديدية . بدأت الحفزات المحرّمة تنهض داخل قوسي الحلال والحرام اللذين يحاصرانها . وهذا الفعل التعرضي يحمل معه من الألم قدر ما يحمل معه من اللذة التي تكون ناقصة دائما . صارت الهواجس الجنسية والانفعالات اللذية ” الدنسة ” تأتيها وهي غائبة وسط الأجواء النقيضة ” المقدسة ” ؛ أجواء الممارسات الدينية الصارمة التي تبغي تطهير النفوس . .. ممارسات تريد إذلال الجسد فإذا بحواس الأخير تنتصب وتشمخ في ظل عدوان التطهير . تقول نازك :” كان الأخوة يطلبون من أفراد الفرق الدينية ، الركوع والخشوع التام والصمت المطبق ، ثم التأمل العميق والتدريجي بالذات والآخر والكون ، ليتمكن كل فرد بالنتيجة من محاسبة نفسه في ابتعادها عن الله . … كانت تمتثل لأوامر الأخوة بضرورة التركيز الذهني العميق ونسيان العالم الخارجي .. لكنها كل مرّة كانت تروّع حقا من هجوم صور جنسية شديدة الإثارة إلى ذهنها . لا تعرف سببا لتلك الإثارة الجنسية التي تحسها وهي تركع بين رفاقها مغمضة العينين فيما صمت مطبق يسربلهم كوشاح من حرير .. والشفاه المغلقة باستسلام المنداة كأنها تنتظر قبلة – ص ص 28و29 ” .
كان الشيطان يهاجمها ويغويها وهي في حضرة الله .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

3 تعليقات

  1. جابر خليفة جابر

    ممتع ما تكتب ايها الناقد الرائع، ودقيقة تشريحاتك لما تقرأ، وهو احوج ما نحن اليه كقراء، اجادة القراءة، كي لاتغتصب عقولنا وذائقاتنا من دون ان نشعر، كيف نقرأ؟ من اهم اسئلة القراءة، لكنه عندنا في الوسط الادبي خاصة مهمل مع الاسف،ان نقرا يعني ان نعي العاب الابداع وغرضيات الايدلوجية وموجهات الوعي، وهذا ما اراه فاعلا في قراءاتك ، ايها الرائع الدكتور حسين سرمك ، تحية لك وللروائية التي عرفتني بها، هيفاء البيطار مع تلهفي لقراءة الرواية .

  2. حسين سرمك حسن: شكرا أخي الأعز المبدع “جابر خليفة” على لطفك وتقييمك

  3. سداد جواد التميمي

    أرسلت لي اخت عراقية  مقالة الاستاذ حسين سرسمك حول رواية امرأة من طابقين للكاتبة هيفاء البيطار. لدي بعض الملاحظات.
    أولاً: لم يتسنى لي قراءة الرواية، و بالطبع ان نقد الرواية يتعلق بأسلوب الكاتب و نجاحه في  طرح فكرة او مفهوم ما.  
    ثانياً: المقال المرفق لا يتضمن نقد فكري للقصة تماماً، و انما تحليل الرواية من وجهة نظرة تحليلية نفسية، و هذا واضح من اشارته الى معلم فيينا أي سكموند فرويد من البداية . لا أظن ان كاتبة الرواية لو استجوبت  كانت ستوافق على النظريات التحليلية النفسية التي اشار اليها كاتب المقال، و  ربما كانت ستوضح هدف الرواية و معناها بطريقة أخرى اقل تعقيداً و أكثر تقبلاً لعامة الناس  ، و هؤلاء هم في آخر المطاف من سيقرأ الرواية و يحكم عليها بالفشل او ألنجاح.  أما أذا كانت الرواية حقاً تستند الى نظريات فرويد الرجل و ليس البنت(آنا فرويد) فهي بالتأكيد رواية مضطربة.
    ثالثاً: الرواية كما فهمتها من طرح الناقد تتعلق بصراع أمرأه  للنجاح  في مجتمع يسيطر عليه الذكور. تلجأ تلك المرأة لاستغلال الأغراء الجنسي للوصول الى غايتها، و من خلال ذلك عليها ان تضع عقدها العصابية1  جانباً في نظر الناقد او تجاوز عقدة الذنب كما هي مطروحة في الفلسفة اللاهوتية الإنجيلية في نظر كاتبة القصة.  تلجأ الكاتبة الى تدمير الشخصية الذكورية و تتصورها  يوما عاجزة جنسية، مثلية جنسية، و سادية، و غير ذلك.
    رابعاً: ان النقطة الاخيرة تقودنا بان تلك المرأة و التي اسمها نازك هي أمرأه غير قادرة على الأبداع فهي تمارس ألانفلاق2 و ان ممارسة مثل هذه الفعالية النفسية  لا تتلاءم مع أي ابداع. و ان كان ذلك هو تقصده الكاتبة و الناقد(بصورة غير مباشرة) فهي نظرة تعميم ذكورية بان النساء يمارسون هذه الفعالية النفسية المدمرة. لا حاجة للقول بان الرأي المطروح خاطئ في أي مجتمع شرقي او غربي.
    خامساً: أن قضية نازك لا تحتاج الى نظريات سكموند فرويد التي عفا عليها الزمن، و ما تبقى من التحليل النفسي  هو ما انتجته ابنة فرويد في وسائل الدفاع النفسي للذات.  أذا ما أستعملنا نظريات البنت  والتي تم تطبيقها بصورة علمية بحتة، لكان تفسير سلوك نازك ناضجاً بالمرة من خلال استعمال  القمع3 و التسامي 4في تجاوز عقدها العصابية  و ارضاء الذات. 
     سادساً: ان هناك اشارة في المقال الى ان النساء الاتي يغتصبن يسهمن في إغواء  و استدراج الغاصب. ان هذه الاشارة خاطئة، لا تستند الى أي حقيقة علمية اجتماعية او نفسية، و لا يتقبلها أي مجتمع مدني، و كان بالأحرى عدم الاشارة اليها حتى لو كان الكاتب يصدقها.
    سابعاً: هناك افراط في الاشارة الى العقد الجنسية في المقال و اظن في القصة كذلك. ان التفاعلات البشرية بصورها المتعددة ليست بالضرورة فعالية جنسية كما صورها فرويد و الذي حول كل رمز فني في الحضارات الى قضيب او مهبل. أن مثل هذا الرأي تم طرحه في ظروف حضارية و اجتماعية و ثقافية في و قت صراع حاد بين الكنائس نفسها  و المجتمع الاوربي. كذلك فان هذه النظريات تم استغلالها سياسيا و اقتصاديا و يمكن تتبع ذلك من دراسة سيرة تلاميذ فرويد. ان النظريات المشار اليها في المقال انتهت و استبدلت بنظريات اخرى بعد ما عاشت ابنة فرويد في لندن و هاجر تلاميذه الى العالم الجديد. لذلك فان تحليل الرواية بالنظريات التحليلية المشار اليها يفتقد الى قاعدة علمية. بعد ما عرضت اعلاه، اقول ان محاولة الأستاذ حسين سرمك جريئة و ملفتة للنظر و تستحق القراءة.

    ألمصطلحات
    1 Neuroses 2 Splitting3 Suppression4 Sublimationد. سداد جواد التميميMB ChB Bagh. MD wales. FRCP  FRCPsych 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.