الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار: رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الخامس والعشرون)

الجزء الخامس والعشرون
وحالما غلقت هبة الخط أتصلت بها أيار مباشرة لتتطلع كيف حلت المشكلة .
هبة : نعم اتصلت .. اسمعي انه متمسك بها الى درجة انه مستعد لخطبتها غداً كما قال لذا لابد من التفكير بالأمر قبل اتخاذ أي قرار بشأن قطع العلاقة ..
أيار : غضبت كثيراً .. أنتِ مخادعة وهاهي العواقب الوخيمة حلت عليها جراء عدم تفكيركِ الصحيح وهاهو ذا لم يفهم ما قلته له .. لذا .. لابد من ان تتصل هي به وتنهي الأمر .. لأن مشاعر الآخرين ليست لعبه بيدكِ ، لذا لابد ان تتصل به .. وأما ان تكذب عليه .. أو تقول له الحقيقة من انها كرهته لشكله غير الجميل أو لنقل القبيح ، لتحسم الأمر وتتحمل العواقب … ثم أغلقت الخط مع هبة وأتصلت بأنسام .
أيار : اسمعي ان الكلام الذي دار مع هبة وباسم ( كيت وكيت ) .
أنسام : حسناً سأفعل على الرغم من كل شيء .. وفرصة الآن فأن الجميع خرجوا هذا العصر .. سأتصل .
أيار : حسناً استغلي هذه الخلوة وإنهي هذا الموضوع التافه وأخبريني بالنتائج .. الى اللقاء .. الى اللقاء ..
أنسام : وقبل ان تتصل به رن جرس الهاتف فإذا هو باسم تكلمي ولا تعذبيني أكثر من ذلك فقط اشرحي لي السبب وما هذا الكلام الذي سمعته من صديقتكِ وهل هو صحيح .
أنسام متنهدة : نعم باسم هذه هي الحقيقة لا أستطيع الإستمرار معكِ أريدُ منك ان تنساني ولا تتصل بي أبداً ..
باسم : ماذا تقولين وهل كُنا نمثل فلم وإنتهت هذه المشاعر ألا تفهمين هذه مشاعر .. أبهذه البساطة تُريدين قتل حبنا .. لكن لماذا ..؟؟ وما السبب الذي يجبركِ .
أنسام : أرجوك باسم تفهم وضعي .. أنا أخطأت بحقك ولم أقل لك منذ البداية بأني مخطوبة لأبن خالتي الذي يدرس في الخارج ، فلابد من معرفة الحقيقة .. بأني لم أتلاعب بمشاعرك ولا عواطفك أبداً ولكن ظروفي تحتم علي القبول بأبن خالتي فعلى الرغم من أنفي .. لأنني ابنة عائلة محافظة ولا تتراجع عن كلمة قالتها ..
باسم ساخراً : الآن فقط عرفتي إنكِ من عائلة محافظة .. ؟؟
أنسام : أرجوك أنا لم أعرض عليك حب ولم أعدك بأي شيء من هذا القبيل أنت من أقام هذه العلاقة بيننا وبالهاتف ، ولكن كما يقول الشاعر( تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ) ، أرجوك أعذرني وتفهمني .
باسم بحسرة : مع كل الأسف لم أظن أبداً أنك تخونيني وتتركيني وسط الطريق .. أتصدقين أني فاتحت والدتي بالموضوع وتهيأت لزيارتكم في البيت لخطبة هذه الفتاة البريئة .. هذه الفتاة المسكينة التي تعيش تحت تسلط أهلها هذه الفتاة التي لا تعرف الخداع والخيانة والكذب والضحك على مشاعر الآخرين لكن أعتذر لنفسي … كنتِ تعبثين بمشاعري وأحاسيسي تجاهكِ وتتسلين .. بل تتزلجين على رقة عواطفي الفياضة الصادقة النبيلة .
أنسام وقد ترقرقت دموعها : أرجوك زمام الأمر ليس بيدي أرجوك إتركني وشأني .
باسم : يالخيبة أملي فيكِ لكن على كل حال .. لا تخافي مني .. انا ليس امرؤ سوء ولا رجل أذى .. انا انسان شريف ولي اخت أخاف عليها .. لذا .. لا تخافي مني ابداً .. وانت لا تستحقين مني إلا الزجر فهذا مستواك .
أنسام تأثرت بما سمعت وتحشرجت العبرة بصدرها وقالت : أرجوك .. سامحني عن كل ما بدر مني .. الأمر ليس بيدي .. وإذا كُنت حقاً كما قلت .. اتركني .. والله يعوضك من هي خير مني .. هذا ما أُريدهُ .
باسم : لكِ ما شئتي .. ثم أغلق السماعة بقوة .. أما أنسام والسماعة بيدها .. أحست انها جرحتهُ .. بل خدعتهُ ولعلها تكون خسرته .. فهاج الحزن بصدرها .. وضعت السماعة وأسرعت الى غرفتها ورمت بنفسها على سريرها .. واجهشت بالبكاء .

أعطى معاذ لأيار قرصاً موسيقياً جميلاً لمطرب غربي والجميل فيه تلك النغمات الصاخبة بحسب زعمه ، وعلى الرغم من أنها لم تفهم أي شئ من غنائه سوى الصراخ سمعت القرص وراحت تتأمله وتنسجم معه وتحولت الغرفة الى صالة رقص وقد شاركها السماع أنس ، وكان سراج الدين وأميمة يصعدان السلم فقالت أميمة مبتسمة كم هو مزعج مُعاذ يسمع الأغاني الغربية وبالصوت العال ، حتى يكاد يزعج أيار وهي في غرفتها تدرس أو تقرأ .. ابتسم سراج الدين قائلاً : إنها روح الشباب يا أميمة .. لنذهب له ونطلب منه تخفيض الصوت ، لكن الصوت صادر من غرفة أيار .. فأقترب من الباب .. وطرقت الام الباب .. ثم دخلا .. ورأيا ما رأيا .. ما لا يصدق .. اندهشا .. وبقيا صامتين بإستغراب .. اما الراقصون فتوقفوا عن الرقص .. ورؤسهم الى الأرض فخرج الوالد مبتسماً وبقيت الأم لتؤنب .
اجابها : يا امي .. ارجوكِ لاتُعظمي المسائل .. نحن لم نفعل ما يُعيب اردنا فقط التفريغ عن نفوسنا .. لا أكثر ولا أقل من ذلك .. وقال أنس ضاحكاً .. يا امي .. ان أيار سحبتني واجبرتني على الرقص .. فصرخت عليه .. اخرس .. لا تكذب .. قالت لهم .. وانتِ يا أيار والمشكلة قبل قليل كنت اتكلم مع أبيكِ وأقول له ان معاذ يُزعج أيار بالأصوت الصادرة من غرفته اركِ الان ترقصين .. أفٌ منكم ثم خرجت .. فأغلقوا الباب وجلسوا يضحكون .. وبالذات على أيار .. ذهبت الام وجلست قرب سراج الدين في الصالة .. وقالت . اراك جالس وكأن شئ لم يكن .. اجابها وماذا تُريديني ان افعل .. اجابته : وبخهم اغلظ عليهم .. اجابها .. على ماذا .. على مجرد اني رأيتهم يرقصون ويضحكون وهم فرحين .. ثم استطرد قائلاً : صحيح ان الذي رأيته لايعجبني ولكن .. أفضل من ان أراهم مكتئبين .. منطويين على انفسهم .. إذا شئتي أنت .. وبخيهم .. وإلاّ فلا .
وفي وقت الإستراحة المدرسية يستخرج أنس وجبته الغذائية التي يجلبها من بيته ويضعها على جريدة فوق منضتة التي يشترك معه فيها صديقه علي ويطلب منه ان يشاركه في الأكل ولكنه يأبى ان يمد يده على طعامه ويكتفي بشطيرته التي تهيأها له والدته ، وعندما إنتهى إستخرج أنس من حقيبته علبتي عصير وقدم إحداهما الى علي لكنه رفض شاكراً إياه ، فقال له خذها أرجوك … جلبته لأجلك … لماذا .. ؟ لا تأخذه من يدي ؟ فأنا أضيفك والضيافة كما يقول والدي واجبة وان كنت تحبني فلا ترفضها … أرجوك خذها من يدي .
علي : أنا أحبك يا صديقي … ولكني … ثم تناول العلبة من يده مكرهاً ، ثم راح يجوس في حقيبته مستخرجاً (الجكليته) الجميلة اللذيذة التي أخذها من أخته سُــبل … كمكافآة … والتي لم يرغب أن تراها عنده أخته علياء فتُعاتب أختها ، وإستطرد قائلاُ : وأنا أيضاً أحضرت لك معي جكليته … أرجوك خذها وتذوق طعمها .
أنس مبتسماً : أشكرك يا صديقي يا لها من جكليته جميلة … في حجمها وشكلها وألوانها الزاهية ، فتناولها وخبأها في جيب الحقيبة الداخلي .. أنها جميلة … يا علي من أين لك هذه الجكليتة .
علي منزعجاً : ولمَ تسألني هذا السؤال المزعج … وهل سألتك يوما ما … من أين لك ما بيدك … فعلى الرغم من أن والدي متوفي إلا اننا نملك راتباً ويجعلنا أفضل من الأخرين ، ونشتري ما نريد من لوازم ، ثم أدخل يده في حقيبته واستخرج العصير ورده إليه وطلب منه ان يعطيه (الجكليته)، وحالما سمع أنس ذلك ترقرقت الدموع من عينيه ولم يكن قاصداً أبدأ لكن حساسية علي المفرطة بسبب وضعه المادي جعلته يطلق الكلام جزافاً .
أنس : والله لم أقصد … وليست هذه أخلاقي فأنا أحبك وأحترمك … وقصدتُ من أي مكان اشتريتها حتى أقل لوالدي بأن يشتري لنا مثله … أرجوك أعذرني وأرجع العصير …ولن أعطيك (الجكليته) .
فعاد كلاهما الى بيته والتأثر بادياً على وجهه ولاسيما الرقيق أنس وبعد ان تناول الغداء قص على والدته القصة ، وتأثرت لتأثر ولدها وصديقه .. ولم تسفه الأمر حتى يكون درساً لولدها لئلا يعيد الكرة مرة اخرى مع غيره ولينتبه الى كلماته قبل ان يتفوهها ، وان كان بعمر صغير ، فبقيت (الجكليته) في درجه كلما رأها يتذكر الموقف الذي جرح به صديقه المحبوب ، ولم يستطع حتى ان يأكلها ، ففكر بالتخلص منها ، هل يرميها في سلة المهملات ؟؟، لكنه تذكر بأنها نعمة ولا يجوز رمي هذه النعمة في سلة المهملات كما تعلم من والديه ، لكن الأفضل ان يقدمها هدية لوالدته ، فتوجه إليها وهي تجلس في المطبخ تسمع المذياع على برنامج اجتماعي تعودت سماعه اسبوعياً ، فقال لها : أمي تقبلي مني هذه الجكليته هدية ، فأخذتها الأم مبتسمة وراحت تتمعنها بتعجب من أين لك هذه؟ أهذه التي حدثت بسببها المشكلة ؟ أجابها : أرجوك أمي خذيها لا أطيق النظر إليها بسببها تألم صديقي علي ، سألته الأم : ومن هو والده المتوفي .
أنس : أسمه علي بهاء الدين نور الدين .
وبعد أن أنهت مروة الكورس الدراسي الثاني للماجستير بنجاح وتنفست الصعداء أقتنعت بسفرة الكلية وتحت الإصرار الشديد من قبل المعيدات وصديقاتها من الطالبات ، أعطت موافقتها بعد أن أقنعت صديقتها سُـــبل للذهاب معها لأن دائماً ما تصفها بنصفها الحلو ..فيما تصفها سُـــبل بتوأم الروح ، الى جزيرة السندباد ذلك المكان السياحي الجميل ، سارت الباصات التي كانت واقفة أمام كلية الآداب ، النهار مشمس والطالبات يُغنين ويصفقن على راحتهن وفيض السعادة طافح على الوجوه الباسمة ، التي تحسُّ السعادة أكثر عندما ترى من تحب بقربها وبالشعور المتبادل للحب ، والطريف أن في المتنزه يستوعب عدداً كبيراً من السفرات الجامعية ، ومنذر وصل مبكراً ، قبل وصول الباصات وبدأت جولته للبحث عن مروة بحسب الخطة على ان يوهمها بأنها صدفة ، ولا يعرف ان كانت مشاعره ستفضحه أم لا ، وان تراه مروة وتُناديه وكأنها هي التي رأته ، وتأتي لكي تسلم عليه وهو في السيارة ، فراح يحدق بالمارة لعله يراها وسيارتة تسير ببطئ شديد الى ان توقفت ، بعد ان دار كل الشوارع باحثاً بين الحشود الهائلة وكأنه يوم السفرات العالمي ، ومروة تمسك بيد سُـبل تتمشيان في شارع معاكس فإستدارت منه وهي في طريقها وراء السيارة ، ومنذر متضجر متأفف جالس في سيارته ينتظر تباشير القدر ان يقبل بذراعين مفتوحين .
سُـــبل : أوه مروتي هذا مكان جميل قرب هذه الشجرة الكثيفة الأوراق المخضرّة لنوثق هنا صورة تذكارية .
مروة : أيُّ شجرة تعنين فالمتنزه يعجُّ بالأشجار الجميلة .. ثم اني دائماً وكما تعرفيني أوثق الصور مع الأشخاص أكثر من الأماكن ثم استطردت : لأننا نحن من نعطي المكان جماله.
سُـــبل مبتسمة ممازحة : نعرف نعرف بأنك جميلة ولكن دعينا نلتقط صورة قرب هذه الشجرة التي أمامكِ على جهة اليمين القريبة من الكشك وتلك السيارة السوداء .
مروة نظرت إليها : حقاً إنها شجرة كثيفة أغصانها متشابكة ومنظرها جميل هيا لنلتقط صورة قربها ، لنعطي الكاميرا لأحد المارة ونطلب منه ان يلتقط لنا صورة فأقتربتا من الشجرة وراء السيارة مباشرة .. فراحت مروة تضحك .. ترى .. أعطي الكاميرا لمن .. فسمع منذر صوتها فأهتزت عروش مشاعره وفاضت البسمة على محياه ، فهم بالنزول متظاهراً بأنه يبحث في صندوق السيارة لإستخراج بعض الأشياء .. ولكن لم يجدِ تمثيله أي نفع ، ولم تأتِ مروة لتسلم عليه ، فإستدار نحوها وقد تهلل وجهه بهجة وسروراً ، خارقاً بنود الخطة المرسومة قائلاً : السلام عليكم حقاً انها مفاجأة سعيدة .
مروة مبتسمة : وعليكم السلام حياك الله أعرفكما على بعضكما هذه رفيقة دربي د.سُـــبل وهذا قريبي منذر .
منذر : سُعدت بلقاءك د.سُـــبل … حياك الله وبياك .
د.سُـــبل مبتسمة : وجعل الجنة مثواي ومثواك ما دمت قريب توأم روحي مروة .
مروة مبتسمة : أليس لديك عمل في الشركة اليوم ؟؟!
منذر مرتبكاً : ها … لا لا … لكني مجاز اليوم لموضوع خاص ، تعالوا أدعوكم لنشرب عصير في مكان ما فأشار الى مكان وسط المدينة حيث الكراسي والطاولة الحمراء .
سُـــبل وهي تشدُّ على يد مروة : حسناً … ونحن قبلنا الدعوة … هيا إلتقط لنا صور فنية قبل ان نجلس وفي كل مكان فراحوا يلتقطون الصور وينظرون إليها داخل الكاميرا ويضحكون على التعليقات التي تعلقها سبل لاسيما وهي تعرف منذر سلفاً من خلال حديث مروة عنه وعن اعجابه بها من السفرة السابقة ، وعندما رأته وجدته يناسبها تماماً لذلك راحت تحظها على قبوله والتواصل معه وليس بالضرورة التوافق الوظيفي بين الزوجين كما تعتقد مروة التي رفضت بعض الأساتذة الذين تقدموا لها في الكلية ، لا سيما وقد انتفى اليوم سبب الإرجاء وقد انتهت السنة التحضيرية للدراسة وما تبقى إلا كتابة رسالة الماجستير ، وقد كانت تختلق الأحاديث والأسئلة لمنذر وهو الأخر يسألها عن دراستها وكليتها وكيف ألتقت بمروة ، وبينهما كل هذا الفرق في الإختصاص ، فأخبرته بعلاقتهم القديمة من الإعدادية وتواصلهم الروحي الذي قل نظيره بين البشر ، وهكذا حتى كلت اقدامهم من المشي وحتى العصير شربوه وهم يمشون بين شوارع الجزيرة ، الى ان عادوا الى الكراسي والطاولة الحمراء وسط الجزيرة … وقد أزداد عطشهم … فبادرت مروة بشراءه تارة اخرى على حسابها وقدمته لهما ورفضت ان يشتري منذر تارة اخرى على حسابه .
منذر يتكلم في دخيلة نفسه : اقسم لك بالله بأني أحبتتك للوهلة الأولى وكأن جاذبية سحبتني إليك عندما إلتقت عيوننا مع بعضها البعض ونحن صغار اتمنى ان أجدكِ دائماً في طريقي ، سأبوح لك بمشاعري اليوم .. وأجعل روحي تسبح بين يديك .
سُبل ضاحكة : استاذ منذر … نحن هنا … أين كنت ؟؟!!
منذر متأهباً للنهوض : وقد أحمرّ وجهه خجلاً …لالالا شيء … أنا معكم .. ثم استطرد قائلاً … استأذن .. فرصة سعيدة جمعتني بكما … اللقاء .
سُــبل : لالالا … أبداً … لا نسمح لك … فالوقت … وقت غداء … أجلس رجاءً … مروة أوليس كذلك ؟
مروة : إذا لم يكن لديه إلتزام … طبعاً .
سُــبل : يؤجل الإلتزام … ولنستعد الآن للغداء .
منذر فرحاً : حسناً … لا يرد الكريم إلا البخيل لكني شعرتُ للتو بصداع شديد وكأنه ضغط على رأسي ، لكن الألم الآن قد زال نهائياً وكأن نوبة انتابتني ثم زالت .. وأشكر الصدف التي تجعلني ألتقيك ِ.
سُــبل مبتسمة : وهل تُدون كل الصدف في دفتر مذكرات ؟؟
منذر : نعم أكيد لي دفتر مذكرات أدون فيه كل الأحداث المهمة الجميلة التي تصادفني في حياتي .. ابتسمت مروة وهي صامتة ترنو إليه عن كثب .
سُــبل مبتسمة بعد ان لمحت الساعة : يا للهول أزف الوقت .. هيا حبيبتي لنتغدى ونغادر لدي عمل كثير فلا أستطيع التأخر ولن أنتظر الى العصر، لقد قظينا نصف النهار هيا هيا لنفتح الحقائب ونتناول الغداء ثم نظرت الى الحقائب وقبل ان تتفوه أسرع منذر وجلبها ووضعها فوق المنضدة ، فشكرته وقالت له وهي تنظر الى مروة انك أنسان لطيف ورفقتك لا تُمل .
مروة : ماذا ؟؟ ستُغادرين … فأكيد يدي بيدك وكما يقولون رجلي على رجلك مكان ليس فيه سُــبل لن ابقى فيه ، سنستأذن من مجموعتنا التي حضرنا معها ونغادر.
منذر فرح : أشكرك دكتورة … هذا من حسن ذوقك … وسيارتي بخدمتكم … وان كانت دون المقام .
مروة : لا سأتصل بوالدي … اشكرك .
منذر : لالا وألف لا … ماذا أقول لعمي …. سيارتي موجودة أمامك وتتصلين به ليقطع كل هذه المسافة.
سُــبل : لا بأس حبيبتي … اتصلي بوالدك وأخبريه بأن منذر موجود عن طريق الصدفة وسيوصلك الى المنزل بعد ان يوصلني .
مروة : ونزولاً الى رأي سُــبل اذعنت وقبلت الفكرة واتصلت بوالدها لتعلمه ، وعندما انتهوا أخرجت مروة كاميرتها الرقمية الحديثة ، لأن والدتها بإتظار الصور التوثيقية لهذه الرحلة وقالت .. هيا .. لنلتقط الصور فنهظوا وهم يضحكون .. ويختارون الأماكن الجميلة .. وقد قضوا وقتاً جميلاً وممتعاً … ثم اتجهوا الى سيارة منذر وأوصل سُــبل ثم مروة .. وعلى الرغم من هذه الفرصة الذهبية الثمينة للبوح لها بلواعج حبه إلا أنه لم يتمكن وثق لسانه لأنها من وجهة نظره لا تسمح له ولا تبادله الشعور ولا تفهم ولا تترجم لغته ، لذلك ترك الأمر الى صدفة أخرى وقد تكون يوم مناقشتها لرسالة الماجستير ، والكل عاد أدراجه الى بيته وأسدل الليل ستاره والكرى لم يثنِ عيون منذر ، وصدى كلام الرحلة الجميلة يتردد على أسماعه نهض من على سريره ليجلس على كرسيه وراء مكتبه .. ليرى صورة مروة بإبتسامتها الساحرة أرق لذيذ انتابه حتى الصباح .
وتحت إصرار هبة اقنعت أيار بأن تخرج الى الساحة المدرسية وتشارك بمنهاج الحفلات الوطنية التي تُقيمها المدرسة ورجتها بأن لا تتراجع لأنها الجريئة والقادرة على ذلك .
أيار : أكيد أنا جريئة … ولكني لا أريد الغناء … ألقي الكلمات والقصائد .
هبة ضاحكة : لا تهتمي فأنا … المطربة وأعتز بهذه المهنة التي تدرُّ عليّ المال ، اذن بأعترافكن من اني انا المتبوعة وانتُن التابعات ..لأنكن الكردوس … أولستِ يا أيار تمتلكين المقدرة على الكتابة .
أيار : نعم بالطبع قادرة .
هبة : اذن حاولي كتابة برنامج مضحك وأنا أقدمه وسط الساحة قبل ان نقدم الأغنية .
لينا : انها لمسألة بسيطة جداً وأنا أعدكِ من اني سأسهر الليل جاهدة للوصول الى إعداد أفضل البرامج الكوميدية الفريدة من نوعها .
هبة : وأنا مُستعدة لتقديم أي برنامج ترفيهي المهم ان شلتنا تظهر بالوجه الجميل امام المدرسة والمهم ايضاً ان هذه البلهاء لا تستغل جهد أيار لصالحها .
انتهى الدوام المدرسي وأيار كعادتها واقفة بإنتظار السيارة .. جاءت هُدى وألقت التحية كيف حالكِ مع قبلتين ،اجابتها وهي منزعجة من القبل اليومية التي ليس لها مبرر .. أهلاً .. هُدى .. قالت هبة مبتسمة .. رأيتكِ أنتِ وأخاكِ في حفلة العرس عرس حسين .. ورأيتكِ عصر أمس في السوق أنتِ وأخوكِ الآخر ورأيتكِ فقاطعتها أيار ضاحكة .. عال عال .. جنابك بُرج مُراقبة عليّ .. تُراقبين حركاتي وسكناتي .
هدى ضاحكة : أ عفواً أنا لا أقصد شيئاً مما قُلت سوى إهتمامي بكِ وبالطبع هذا الإهتمام نابع من إعجابي بكِ.
أيار : في نفسها لأقسم إنكِ تخفين أمراً كبيراً وراء كلامكِ هذا .. ثم قالت : لا عليكِ هُدى .. أنا أمزح معكِ .. اكملي كلامك ، ففرحت لقولها هدى فرحة وقبل ان تتواصل ، لمحت قتيبة من بعيد فأستأذنت .. والآن اسمحي لي بالإنصراف والإبتسامة مرسومة على وجهها ،وفي السيارة : أراكِ باسمة اليوم والحمدُ لله .. أجابته : نعم فيومياً اتفكه على هُدى .. وهي تتصرف وتتكلم كالبلهاء .. وتكرر كلمات الإعجاب والإطراء .. يومياً كالشريط المسجل .. لكن تأكد يا قتيبة .. ان حاستي التي لا تخيب ظني تقول لي من إنها تُخبىء شيئاً ما وراء كل ما تفعل .. وسأعرف هذا الشئ من خلال سماحي لها بالحديث عن كل ما تود .. وصلا البيت وتناولا وجبة الغداء .. بعد ذلك .
وبعد ان بذلت أنصاف جهداً جهيداً للتقريب بين سبأ وأيار ، اليوم تعيش مرحلة جديدة وهي الشد والجذب والمد والجزر بينهما ، فالحوار الأفضل يكون عبر الفايبر وبدأت بسبأ تسألها عن سبب زعلها .
سبأ : أنا … لم أزعل ولم أتزعل … لكنها حادة الطباع … ولا تهتم بقول أي كلمة حتى وان جرحت الأخرين .
أنصاف : أرجوك صديقتي وضحي لي بالضبط … ما هو سبب زعلك … أو بعبارة أخرى ما هو سبب إنزعاجك من أيار .
سبأ : أمعقول يا أنصاف تسأليني وعبرك وصل كلامها لي وهي تقول لك بأنها لا تزال تختبرني ، أي أنا بالنسبة لها على المحك ، في مرحلة أختبار وكأنها رب عمل وأنا متقدمة للعمل عندها .
أنصاف مستغربة : ماذا ماذا ؟ أنا قلت لك بأنك تحت الإختبار متى لا أذكر أرجوك لا تصيبيني بالذهول .
سبأ : سرعان ما نسيتي … السؤال الذي أرسلته لي لتختبر ثقافتي ثم تقيمني بعد ذلك .
أنصاف : يا الله كدت أنسى السؤال ، الآن فهمت … فأن كل ما تقدم من كلامك تفسير وتحليل لما تقدم من كلام أيار ، وبإعتقادي أنها غير قاصدة تفسيرك وتحليلك ، لكن الآن هل أنت مستعدة لبدء صفحة جديدة معها وطي هذه الصفحة المبهمة .
سبأ مبتسمة : ليس لدي مشكلة معها فأنا أحترمها وأرى فيها شخصية جميلة وجذابة ، لكن لابد أن تعرف بأنها أخطأت في حقي ، وان الإختبار لا يكون لمثلي لاسيما وهي تساير وتحابي التافهات من الطالبات .
ثم أتصلت بأيار بالأسئلة نفسها : أرجوك صديقتي وضحي لي بالضبط … ما هو سبب زعلك أو بعبارة أخرى ما هو سبب انزعاجك من سبأ ؟؟
أيار : لم أزعل … لكنها مغرورة فوق التصور أمعقول يا أنصاف تسأليني وأمامك أهانتني بكلامها وهي تقول لي بغرور لا تعليق ؟ وأنا أقف أمامها مبتسمة وأحادثها حول دفتر المذكرات وأنا أعتبر هذه الكلمة أهانه .
أنصاف مبتسمة : صحيح لكن هذا هو إسلوبها … ولا أعتقد انها تقصد الإساءه إليك البته ، لكنها فهمت بأنها في مرحلة أختبار وانها على المحك .
أيار مبتسمة : أنا أرسلت لها سؤالاً حتى تعرف أن أيار مثقفة ولا تستحق منها الرد بعبارة لا تعليق التي لا يليق قولها أمام شخص مثلي وانما أمام شخص فاقد الأهمية والأهلية ، وليس لأختبرها البته فهي مثقفة .
أنصاف : الآن فهمت … فأن كل ما تقدم من كلامك تفسير عقلاني وتحليل لما تقدم من كلام سبأ ، وبإعتقادي أنها غير قاصدة في عبارتها غير انها لم تجد أجابة مناسبة للرد على سؤالك ولاسيما وأنت تقولين أن لها دفتراً جميلاً خالياً من ذكريات تناسب الدفتر وتمعني بسؤالك ، لكن الآن هل أنت مستعدة لبدء صفحة جديدة معها وطي هذه الصفحة المبهمة .
أيار مبتسمة : ليس لدي مشكلة معها فأنا أحترمها وأرى فيها شخصية رومانسية ، لكن لابد ان تعرف بأنها أخطأت في حقي ، وإنها تتحدث دائماً بإسلوب الألغاز والشفرات أتمنى منها الوضوح والشفافية .
أنصاف : ولتتكرمي علينا يا أيار … وتفكي شفرة سؤالك ما دمتِ منتقدة الألغاز .
أيار ضاحكة : أيّ سؤال ؟؟
أنصاف : لقد ذكرتي سلفاً بأن ذاكرتك حديدية ولا تنسى السؤال الذي أرسلتيه بيدي الى سبأ .
أيار : جل من لا ينسى … فالسؤال بسيط وليس لغزاً .. ان كلمة اللهجة … مكونة من ستة حروف ، وهي دالة على لغة التحاور او التخاطب ، فإذا حذفتي منها الحرفين الأخيرين يبقى لفظ الجلالة الله ثم ابتسمت وقالت ممازحة ولكن هذا السؤال الى سبأ … ولا تبلغيها بالحل.
أنصاف مبتسمة : يا له من سؤال سهل ممتنع الفهم … لقد تعبت وأنا أحلل شفرتة ولم أستطع .

… يتبع

شاهد أيضاً

عدنان عادل: طيران

أُدجّجُ أطرافي بريش التَسكّع أنثى السحابة تغريني كي أطير. * ها هوذا يسير بمحاذاة الجثث …

من ادب المهجر:
إغترابات الليالي في ذاكرة مدينة
بدل رفو غراتس \ النمسا

وطنٌ معلق بأهداب السماء .. وافق يُحدق في ايادٍ شعب مخضبة بأوجاعٍ إلهية..! فقراء يسيرون …

~ نصوص من جواهر ( 12 ) ~
بقلم محمد الناصر شيخاوي/تونس

■ إطلالة على الحرف لا غير ؛ ملامسة جمالية فحسب ● القراءة النقدية بأدواتها المعرفية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *