تابعنا على فيسبوك وتويتر

الرواية العراقية رصدت الخراب العراقي في أزمان الديكتاتورية، والحروب والاحتلال وسلطة الطوائف

سلام إبراهيم

رابعاً: كم بدت السماء قريبة(46)؛ الحرب خربت كل شيء
رغم وفرة النصوص العراقية المكتوبة عن الحرب، لكن نادراً ما نقع على نص يحيط بحياة العراقي اليومية وقتها. غالبية النصوص خاضت في تفاصيل ما يجري في جبهات القتال أو مدن التماس، يتساوى في ذلك النصوص التي كتبها كتاب السلطة لتسوق فكرة الحرب وتمجيدها، أو النصوص التي كتبها جيل من الكتاب هرب من جبهات الحرب إلى الثوار في الجبل أو إلى دول الجوار كما تشترك تلك النصوص في الشخصية القصصية حيث تكون في أغلبها رجال يساقون جنوداً إلى الجبهات فيستبسلون في المعارك من زاوية كتاب السلطة، أو يهربون أو يموتون مقهورين من زاوية الكتاب الرافضين للحرب. تأتي الحرب في نص “بتول الخضيري” لا من جبهات القتال، ولا مدن التماس، وليس على لسان رجل بل على لسان امرأة تعيش في العاصمة “بغداد” وتراقب بعين محايدة دقيقة جملة التغيرات التي أحدثتها الحرب في نفسها والناس والعلاقات والأشياء، في نص مكثف وشامل صور بعمق وشجن، ما كانت عليه الأمور قبل الحرب وما صارت إليه أثنائها وبعدها.
الحكاية الروائية تأتي على لسان فتاة تسرد سيرتها الذاتية من الطفولة حتى سن النضج. ومن خلال هذه الرحلة نتعرف على حياتها العائلية المضطربة، فهي بنت لأب عراقي أقترن في فترة دراسته بإنكلترا بأمها الإنكليزية التي تهاجر لتعيش معه في بيت وسط مزرعة في الزعفرانية بضواحي بغداد، حيث قضت فترة طفولتها قبل الحرب.
يشكل بيت المزرعة القسم الأول من هيكل النص وبنيته المشيدة على ثلاثة أمكنة وأزمنة مختلفة ومفصلية. يشغل قسم “الطفولة ـ المزرعة”، قبل نشوب الحرب، الفصلين الأول والثاني. ومن خلالهما نقع على تيمة جوهرية من تيم النص الكثيرة ألا وهي: ذات الطفلة التي تتجاذبها ثقافتان. غربية من جهة الأم التي تحاول أن تطبعها على العادات الإنكليزية، بينما يحاول الأب العراقي تربيتها على التقاليد العراقية، فيشتد الصراع بينهما، مشادات وعراك، وحيرة الطفلة بين الأب والأم. يظهر ميل الطفلة إلى الأب فالسرد يبدأ بضمير المخاطب موجهاً إلى الأب وكأن النص رسالة له، كما أنها تتعلق بطفلة “خدوجة” من أطفال الفلاحين العاملين في المزرعة والساكنين في بيوت من الطين على ضفة دجلة، تقضي معها معظم وقتها بعد المدرسة، فنتعرف علىتفاصيل طفولة لاهية جميلة وسط الحقول، صيد الحشرات، قطف ثمار الأشجار، أغاني طفولة عراقية غناها كل طفل في طفولته، حكايات شعبية خرافية تحكيها جدة “خدوجة” في غرف الطين، يتحول النص في كثير من مفاصلة إلى قطعة سردية غنائية عذبة عن طفولة العراقي تتقاطع في مونتاج محسوب بدقة مع ما يجري في البيت من تفاصيل مضطربة يتجاذبها الأم والأب، ترصد من خلالها تدهور العلاقة بين والديها، فالخلافات تبلورت حول كل شيء الملابس والسلوك وطريقة الأكل وتربية الطفلة، مما أورث العلاقة المزيد من البرودة، وجعل الأب ينشغل بالعمل كلياً، فتتفاقم عزلة الأم فتبدأ بالميل إلى أصدقائها الإنكليز العاملين في شركة نفط بالبصرة “ديفيد” و “أميلي”. بوادر الخراب على مستوى اجتماعي نفسي تجلت بثلاثة أحداث مؤثرة أسهمت في غرس الحزن والخيبة بروح الطفلة، إصابة الأب بمرض القلب، واكتشافها عند عودتها من المدرسة خيانة أمها مع “ديفيد” في المخزن عندما أطلت من شباك صغير قرب سقفه، فرأتهما يتضاجعان في مشهد صورته بشكل مؤثر (ص52). وموت صديقة طفولتها “خدوجه” بمرض “البلهارزيا”.
يشكل القسم الثاني ـ التقسيم افتراضي ـ الهيكل الوسطي والرئيسي للنص يمتد من الفصل الثالث (ص61) إلى الفصل السادس (ص152). ويبدأ بالمكان الثاني في النص، بيت وسط بغداد في جانب “الرصافة”، وفيه تبلغ الراوية سن المراهقة وتدخل مدرسة رقص البالية، وتتوطد علاقتها بأبيها الذي يشركها في عمله كخبير مطيبات، بينما تزداد الأم عزلة وتعمل في شركة الخطوط الجوية اللبنانية. وتبدي رغبتها بالطلاق، لكن الأب يطلب منها الصبر حتى تكمل بنتهما الإعدادية في تيمه جوهرية تميز طبيعة الثقافتين الغربية والشرقية في نظرتهما إلى العائلة، فالأولى تضع الذات فوق العلاقة العائلية، والثانية بالعكس تماماً. كما أن الحرب مع إيران تبدأ. والنص في هذا القسم سجل حي ودقيق لما جرى خلف جبهات القتال من إجراءات ومتاعب للناس مرصودة بعين ذكية حيادية منحته نكهة خاصة. الإعلان الأول للحرب، ارتباك الدارسة في المدارس، عدم النوم بالسطوح، التعبئة الإعلامية. تضمين العديد من البيانات العسكرية العراقية ، أغاني الحرب المذاعة يومياً بتكرار، مقاطع من اتفاقية الحدود مع إيران (ص96) في جسد النص، وصف أوضاع الناس العامة، سلسلة القوانين الجديدة، إجراءات السلطة في تزييف طبيعة الصراع من خلال تغيير الخرائط، تزوير الاتفاقات، وضع منهاج دراسية جديدة، محاضرات توجيه سياسي، ثقافة قومية، وصف صور من المعركة تطل من شاشة التلفزيون، تقنين الغاز، تشجيع الأعراس الجماعية وقت تراجع القوات العراقية. والكاتبة قامت بعملية مونتاج دقيقة، إذ داخلت أجواء الحرب هذه في السرد بطريقة محسوبة النسب مع حركة الشخصية المحورية المشغولة بتفاصيل حياتها ووجودها الاجتماعي المأزوم في بيت يزداد اضطرابا مع تدهور صحة الأب، انشغال الأم بالعمل وعلاقتها شبه العلنية بـ “ديفيد”، وحياتها في مدرسة البالية التي نطل من خلالها على شخصيات جديدة في النص، معلمة الرقص التي سيكون لها دور كبير في حياة الراوية فعن طريقها ستتعرف على النحات “سليم” فتقع في أول علاقة حب. وزملاؤها في مدرسة البالية، “أحمد” الذي يعمل عصراً كسائق تكسي نافذة تطل منه الساردة على أوضاع الناس، “فاروق” الراقص، سارة والبنات التوأم. تصور الساردة طقوس الرقص في منحى دلالي يعمق فعل النص من خلال ملاحقة حركة الرقص ومعاناة الراقص ساعة الأداء مع نص بيان عسكري يصف العمليات العسكرية، كما أنها تداخل بين موت أبيها وإصابة أمها بسرطان الثدي وبين سير المعارك المحتدمة في الجبهة، فمثلاً في (ص127) ينتقل السرد مرتين بين معاناة والدتها وأخبار المعارك. أما مصائر هذه الشخصيات فمأساوية، البنات الراقصات يعملن خياطات في معمل بعد غلق المدرسة، وأحمد وفاروق يساقان إلى جبهات القتال، أما الساردة فتنقل إلى مدرسة أهلية لتدرس اللغة الإنكليزية، وتتطور علاقتها بسليم النحات المثقف إلى علاقة حب عنيفة، تذوق معه تجربتها الجسدية الأولى، وتجد به نقطة ضوء في عالمها المعتم الكئيب، لكنه هو الآخر يساق إلى جبهات الحرب فينتابه اليأس شاعراً بعدم جدوى الفن والحياة، فيخوض معها حواراً يخلص فيه إلى ” هذه الحرب جعلتني أفكر لماذا أنحت؟. لم أعد أسأل لماذا نعيش ولماذا نموت. هذا النوع من التساؤلات يرافق سنوات الحرب الأولى فقط. فبعد أن أفقنا من الصدمة، تبلور اليقين بأنه عجلة من نار لا مفر منها. والآن أجدني أبحث عن خدعتي. هل أستطيع أن أفلت بنحتي؟”(ص135). عن طريق هذه الشخصية توظف الراوية النحت وجسد الإنسان كبعد أخر يضاف إلى بعد الرقص في مدلول رمزي يشي بقداسة هذا الجسد وأبعاده في الكتلة والحركة والمعروض برخص على شاشة التلفزيون ممزقاً مطحوناً في برنامج يومي “صور من المعركة”. هذه العلاقة مصيرها الخراب أيضاً، إذ يحطم في لقاء أخير مخلوقاته النحتية ويقوم بمضاجعتها بعنف في الحمام وعلى الطاولة قبل أن ينهار باكياً. تتوقف الحرب في هذا القسم فتقرر السفر مع أمها التي قلعوا في عملية إحدى ثدييها، بينما يقرر سليم البقاء في العراق.
في القسم الثالث القصير تنتقل الراوية إلى مكان جديد مختلف تماماً، شقة ببناية وسط لندن تشرف على تقاطع طرق تعيش فيها شبه وحيدة بعد أن يتفاقم السرطان في جسد أمها فترقد في المستشفى. وهنا تبدأ معاناة من نوع أخر، معاناة وجودية من وحشة الغربة والوجود، تجعلها تتأمل معنى الموت والحياة، وهي ترى أمها تذوي رويداً.. رويداً في الألم، وإلى جوارها يغادر مرضى السرطان الواحد بعد الأخر. فتقترب من فلسفة العبث الذي كان كامناً في نفسها منذُ طفولتها وفقدانها لـ “خدوجه” وأبيها وأمها ومدرستها وحبيبها، ثم وطنها الذي يطل عليه النص أيضاً في حربه الجديد بعد احتلال الكويت وما أعقبه من حرب وحصار من خلال متابعة الراوية للأخبار في محطات التلفزيون، ولاحقاً من رسائل معلمة الرقص التي تنقل تفاصيل ما آلت إليه أوضاع الناس في زمن الحصار. فيدفعها اليأس والقنوط إلى إقامة علاقة جسدية بأحد الأفارقة “أرنو” تتعرف عليه في مقهى يلتقي فيه الأجانب. وتحمل منه، لكنها تكتشف أنه متزوج في بلده. لينتهي النص بموت الأم وقيامها بعملية إجهاض وشحوب علاقتها بمعارفها في العراق. إذ تنخرط في رتابة حياة الغرب.
شخصيات – كم بدت السماء قريبة – لها ميزة خاصة ومختلفة عن غالبية النصوص المكتوبة عن الحرب فهي تود العيش في العراق وتستسلم لمصيرها بقدرية فتذهب إلى الحرب وتبقى إلى نهايتها متوقعة القتل في أية لحظة، وليس في نيتها المقاومة رغم عدم قناعتها بالحرب، وهذه الشخصية تمثل الغالبية العظمى من العراقيين الذين خاضوا الحرب الطويلة مع إيران.

التاريخ العراقي كميدان بحث في الرواية العراقية
نتناول هنا نمطاً أخر من الروايات التي اتخذت من التاريخ العراقي ميداناً وهي لا تختلف عن الروايات المستقاة من السيرة التي عرضنا لبعضها من حيث تناولها تيمة العنف والموت، لكن هذه الروايات حاولت محاكاة التاريخ العراقي وترتيب سرد روائي فني يحاول الوصول إلى علة ما يحدث ورسم تلك المعاناة التي يدفع ثمنها العراقي المسالم التي تعصف به السياسة والأطماع بأرضه بما تختزنه من ثروات جلبت له البؤس وعدم الاستقرار والعنف الذي سرعان ما تحول من عنف وقتل في المعتقلات والسجون زمن الدكتاتور إلى عنف وقتل يومي في الشوارع والبيوت والمقاهي زمن الاحتلال الأمريكي وسلطات الطوائف في السنين التسع الأخيرة.
أولاً: –
حافة القيامة –(47) وبحث فني في طبيعة الدكتاتورية في العراق
حاول (زهير الجزائري) في نصه ” حافة القيامة” البحث فنيا في طبيعة الدكتاتورية العراقية المحلية متوجا بحثه الأرشيفي عن ماهيتها وكيفية ترسخ سلطتها وآلية تلك السلطة في تسييرها لشأنها الداخلي عبر دراسات موثقة جمعها مؤخرا في كتابه – المستبد –(48)، بنص روائي يتتبع الكيفية التي بنت فيه سلطتها، من سلطة انقلابات عسكرية هشة ومتكررة إلى سلطة ديكتاتورية شديدة التركيز تخضع لفكرة رجل واحد لم يكن عسكرياً، يقرر كل شيء. وهذه السمة تنفرد فيها التجربة العراقية وما شابهها في المنطقة وتميزها كذلك عن مثيلاتها في أمريكا اللاتينية.
نسج الروائي نصه بتمهل مبتدئاً بمتابعة الشخصية المحورية ـ وهاب ـ التي بدت هامشية في الفصول الأولى فهو قروي يأتي إلى المدينة ويسكن مع أبن عمه “مجيد” الضابط في القصر الجمهوري “مجيد” ليتعرف عن طريقة على حلقة العسكريين المتآمرين الذين يوظفونه، كقاتل مأجور ينفذ عمليات الاغتيال للشخصيات السياسية والعسكرية المناوئة؛ أول عملية ينفذها صبيحة انقلاب عسكري، فيسجن بعد فشل الانقلاب، ومن داخل السجن تبدأ رحلته بخدمة العقيد الذي سيهرب لاحقاً ويتمكن من القفز إلى كرسي الرئاسة بالدخول إلى القصر الجمهوري بطلقة دبابة وبعض الرصاصات هذه المرة.
خيوط السرد مرتبة على ثلاثة مسارات يتنقل بينها السارد في فصول قصيرة غير مرقمة؛
الخيط الأول وهو الرئيسي والأكثر حظاً في التفاصيل يجمع العقيد المسيطر على مقاليد السلطة بعد الانقلاب ومساعده القاتل المحترف “وهاب” الذي يتطور من مجرد قاتل وخادم في السجن إلى المساعد الأول للعقيد ومشرف على أجهزة القمع، الشرطة السرية والاستخبارات العسكرية مضاف إلى تشكيله أجهزته الخاصة، و “يعقوب” الشرطي السري الذي يظل على دوره باختلاف السلطات. فرغم انه يدرب “وهاب” ويساعده في ترتب خبرته وبلورتها إلا أنه يظل في موقعه كرمز للشرطة السرية اليد الخفية الحارسة لأنظمة الحكم الديكتاتورية، و “سلطان” الرجل العسكري الغامض الذي نفذَّ الانقلاب بشكل عملي وأتى بالعقيد إلى الحكم، وقد عرضه النص زاهداً في الكرسي الأول ومدلهاً بالمباهج والملذات، “علاقته مع عشيقته الصغيرة”، والراقصة “بوسي” التي تقوم بمساعدة الانقلابيين بدعوة رجال الحكم السابق للسهر في بيتها ليلة تنفيذ الانقلاب.
الخيط الثاني للسرد يذهب إلى تفاصيل الضحايا وهم الطرف الأخر في الصراع، السجين “صادق” اليساري وحبيب “جمانة” التي تتحمل ضغوط عائلتها، أخوتها، أزواج أخواتها العسكريين كي تتخلى عنه لكنها تضعف مع طول فترة مكوثه في السجن، فتضطر إلى ذلك بعد أن تعمل سكرتيرة للعقيد وزوجة له لاحقاً وهو الشيخ العاجز جنسياً، فيستحوذ عليها في المراحل الأخيرة “وهاب” لتتحول إلى رمز الضمير الجمعي المغتصب، والكاتب “وليد” وهو المثقف الذي يقع في تجاذب بين ضميره وما تريده السلطات، وشخصيات أقل أهمية كإسماعيل وخليل السجينين اليساريين في خلافاتهما حول أساليب النضال وطرق الوصول إلى السلطة والظروف الطبقية وما إلى ذلك من التفسيرات الماركسية اللفظية التي لم تفعل فعلها في حياة النص وتطوراته، في ترميز لشحوب دور المعارضة اليسارية في تلك الظروف الاستثنائية التي أتت بسلطة الدكتاتور، من هزيمة عسكرية وجفاف ومجاعة وبطالة وتمرد عسكري في الجبال، واضرابات طلابية في الجامعات.
الخيط الثالث للسرد يتابع السيد الحائري وأولاده وهو رمز للتيار الديني الذي لم يتغيب عن ساحة الصراع السياسي بل كان فاعلاً في فترة ما قبل الانقلاب العسكري حسب النص والواقع.
الخيوط السردية الثلاثة يتتبعها الراوي العليم مستخدماً الضمير الثالث في سرده المحسوب النسب والأوقات في تنقله من خيط إلى خيط. تنعقد خيوط السرد في العلاقة المتبادلة في عملية الصراع السياسي والاجتماعي، فالعقيد ووهاب في دأبهم لترسيخ السلطة وتركيزها يقمعون المعارضة بشقيها اليساري والديني. “جمانة” حبيبة أو زوجة “صادق” السجين اليساري تصبح عقب الانقلاب زوجة العقيد وسكرتيرته. ويتحول يعقوب باعتباره رجل أمن وعين السلطة في المدينة إلى رابط بين العديد من الرموز في النص بعلاقته بالمثقفين وتجمعاتهم في البارات والنوادي الثقافية. وفي علاقة رجل الدين باعتباره رمزاً لسلطة شعبية أخلاقية يدخل في صراع مباشر مع “بوسي” الراقصة التي لها موقع خاص في علاقتها بشخصيات السلطة من عسكر ووزراء، ومحاولة اغتيالها التي لم يفصح عمن قام بها، وفي الزيارة السرية التي تقوم بها الراقصة إلى الحائري لتحذره من المساس بها (ص95)، كما تنعقد العلاقة بين الطرف الديني والسلطة من خلال الجذب والشد في علاقتهما بعامة الناس، وكذلك في أيمان العقيد الديني المضطرب والحائر بين السلطة والخوف من الله. في هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والصراع يتتبع الراوي “وهاب” وهو يتسلق خطوة.. خطوة وبدقة ناسجاً خيوطه حول العقيد وأجهزة السلطة من خلال سهره ودأبه في الحضور والزيارات المفاجئة ليتحول إلى ظلٍ يحوم حول رؤوس المسئولين وعينٍ وحيدة يرى العقيد الدنيا من خلالها، فيرتب أمور الخصوم واحداً بعد الأخر في تصفيات دموية طالت المعارضة اليسارية الضعيفة، والدينية باغتيال الشيخ الحائري، والتخلص من بوسي الراقصة بعد نفاد دورها، ثم التخلص من المعارضة القوية التي تهدده من داخل السلطة متمثلةً بوزير الدفاع – سلطان – الذي يرتب له تهمة التآمر هو ومجموعة كبيرة من شخصيات السلطة، مما يتيح له مع تفاقم مرض العقيد وخرفه إلى الانفراد بالسلطة بتنحية العقيد والاستيلاء على جمانة والكرسي محولاً السلطة إلى طبيعة فريدة تختلف حتى عن أعتى الديكتاتوريات العسكرية. فالشخص الأول ليس عسكرياً وإنما قروي فاشل دراسياً، وقاتل مأجور وخادم تمرس في الشر وسط المتآمرين، ونزع ضميره رويداً.. رويداً متخلصاً مع إمعانه في القتل من أي تأنيب أو إحساس بالذنب.
يمهد الكاتب ثلث النص لعرض الظروف والشخصيات والأوضاع قبيل الانقلاب العسكري، وما يجري في الخفاء من مؤامرات، دسائس، تسلل لأجهزة الدولة، تصفية لبعض الرؤوس في مواقع السلطة الحساسة، وبين صفوف المعارضة اليسارية مشهد اغتيال الطالب اليساري “خالد” على يدي – وهاب – (ص63)، كيفية كسر إضرابات الطلبة وتخريب المظاهرات، وانقسام المعارضة اليسارية إلى قسمين، ليبدأ في(ص104) بتقديم بانوروما لليلة الانقلاب، إذ ينقطع التيار الكهربائي ليتنقل السرد بين السجن والحائري وبيت بوسي ومشهد الانقلابيين الساهرين إلى لحظة دخول القصر الجمهوري ليتركز السرد على العقيد الذي حلم طوال سنين باللحظة هذه. في الثلثين المتبقيين من النص ـ 303 ـ صفحة يتابع السارد الكيفية التي تركزت فيها السلطة بين يدي العقيد أولاً، ثم “وهاب” الذي أحكم قبضته على كل شيء.
المادة الروائية الخام محض سياسية مباشرة إلا أن الروائي تمكن من بناء رواية تخلو تماماً من المباشرة الفجة بلغته الغنية والمنتقاة بدقة تناسب الحالة الإنسانية وطبيعة المشهد سواء أكان وصفياً أم سردياً. كما أن الجملة مكتوبة باقتصاد شديد، أقصد بذلك أنها تخلو من الاستطراد غير الضروري، كما أن تقسيم النص إلى فصول قصيرة مختزلة أكسب النص ميزة سهولة القراءة ومتابعة الحبكات المتلاحقة لشخوص النص. كما أن بناء شخصيات النص بأبعادها الإنسانية دون انحياز كونها ذوات بشرية تتجاذبها نوازع الخير والشر. فحتى أقسى الشخوص وأكثرهم دموية “وهاب” مبني بشكلٍ حي دون تعسف ونظره أيديولوجية مسبقة، مما أتاح للقارئ الإحساس بخلجاتها واضطرابها وهي تتأمل الضحية المنشغلة بشأنها، وهي تفشل في أول محاولة اغتيال (ص61)، أو بنية شخصية “يعقوب” رجل الشرطة السرية بأبعاده الاجتماعية ولحظاته الإنسانية، والتي تمارس القمع بشكلٍ فعلي، على سبيل المثال تأملات “يعقوب” وهو يطلق سراح السجين “صادق” الذي توسطت له “جمانة” لدى زوجها العقيد. فيأخذه في جولة بأنحاء المدينة متأملاً هذا الكائن الذي قضى سبع سنوات سجن وذاق صنوف التعذيب، والمرض وخسر زوجته ” أكتشف أنه لا يحمل له أية كراهية رغم ما بينهما من حروب، فما فعله ضده كان بحكم المهنة وضرورات السلطة التي هي بالصدفة بين يديه الآن، وبالتأكيد سيفعل هو الآخر الشيء نفسه لو كان في موقعه” (ص164)، كما أن الراوي العليم يغور في العالم الداخلي لشخصيات النص مصوراً كوابيسها وأحلامها أثناء النوم، أي لا يكتفي في تأملاتها الشاردة وقت اليقظة. كوابيس رجل الدين الحائري ورؤياه بدخول العالم السفلي المصوغة بلغة روائية لاهثة تناسب جو الكابوس (ص244). أو حلم العقيد ورؤيته لمقتل الحائري قبل أن يأمر وهاب بتنفيذ الاغتيال (ص249). أو كوابيس العقيد المريض في عزلته بمزرعته، وأثناء زياراته ضريح الهادي وقت خلوه من الزوار (ص271). هذا الاستخدام المكثف يستغل أبعاداً أخرى من أبعاد الوجود إلا وهو عالم اللا وعي حيث تتشكل الكثير من أبعاد الشخصية الإنسانية هناك، ما ذكرناه أكسب النص وشخوصه حيوية وكأننا أمام شخوص لغوية تحولت إلى كائنات من لحم ودم نتعاطف معها بشغف ونحس معاناتها سواء أكانت شريرة أم خيرة.
رغم أن الكاتب تحاشي تشخيص المكان والزمان في النص، ولا ادري لم فعل ذلك، إذ كان من الممكن تسمية الأمكنة بأسمائها دون أن يؤثر ذلك على فنيته. رغم ذلك فالتفاصيل توحي بالمكان بوضوح، طبيعة البيئة الموصوفة ومفردات الأمكنة والأشياء في النص تكاد تتطابق مع العاصمة بغداد، وطبيعة شخصية العقيد وسماته ومصيره توحي تماماً بمصير “أحمد حسن البكر- رئيس جمهورية العراق للفترة ما بين 1968-1979 – ” وشخصية “وهاب” وسماته ونمط تفكيره والكيفية التي تسلسل فيها وأستحوذ على الحكم توحي بشخصية ” صدام حسين – رئيس جمهوري العراق 1979-2003 -“. وجملة الأوضاع قبل الانقلاب، الهزيمة العسكرية في حرب حزيران 1967 مع إسرائيل. وما أعقبها من اهتزاز السلطات القومية القائمة وردود فعل الشارع العربي بصعود مد يساري قوي في العراق، تكلل بانشقاق الحزب الشيوعي العراقي إلى قيادة مركزية قادت حركة كفاح مسلح فاشلة في أهوار الجنوب، ولجنة مركزية تحالفت مع السلطة لاحقاً. ثم الإشارة إلى التمرد الكردي في شمال العراق، وموقف السيد الحائري يكاد يوحي أيضاً بموقف التيار الشيعي ومرجعيته في النجف، مما أعطي للنص نكهة التجربة العراقية الفريدة في طبيعة السلطة وتفسير الكثير من دموية رجالها الذين ترعرعوا في مدرسة “وهاب” العريقة بالتنكيل والإرهاب والقتل.
ثانياً: –
عراقيون أجناب –(48) والبحث في طبيعة الصراع الدموي في ريف العراق الحديث
تمثل رواية (فيصل عبد الحسن) – عراقيون أجناب – نموذجاً حياً يؤكد ما ذهبنا إليه في معرض تحديد سمات كل من الرواية المكتوبة تحت ظروف الدكتاتور وفي ظروف الحرية في المنفى، فالكاتب سبق له أن كتب روايات تعبوية زمن الحرب العراقية الإيرانية وفازت إحدى رواياته — أقصى الجنوب(49) – بجائزة رواية الحرب، لكنه حينما أضطر وبسبب الحصار الاقتصادي إلى مغادرة العراق والعيش في المغرب كتب بشكل مغاير تماما.
تصلح روايته (عراقيون أجناب) نموذجا متقدماً للرواية العراقية من حيث طبيعة موضوعها وبنيتها وصوغها الفني، فالرواية العراقية تفتقر إلى عالم القرية، ويشكل صدورها ولادة ناضجة لرواية القرية العراقية فهي تصور عالم القرية ونبضها السري غائرة في تفاصيل بشرها المنسيين، تشابك علاقاتهم في بيئة القرية الاجتماعية والدينية، علاقتهم مع المدينة والسلطة المركزية وذلك من خلال بحثها في الحكايات الشفاهية والمكان الريفي وتجليات الإرث الديني في المخيلة الشعبية.
يستهل الكاتب سرده بصورة قلميه مستلة من كتاب صادر حديثاً عن الأمام علي بن أبي طالب كما يذكر الهامش ـ أعتقد أن الصورة المذكورة مستلة بدورها من كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد ـ في مقطعٍ صغير مستقل يرتبط ارتباطاً عضوياً ببنية النص. فسوف نرى تجليات الذات الموصوف شكلها على زمن الرواية وبشرها وترابها وطقوسها. الصورة تصل للقارئ من خلال عيني طفل يتابع تفاصيل صورة الأمام الشائعة في الجنوب والتي يكاد لا يخلو جدار بيتٍ منها، بطلعته المهيبة وسط ولديه وتحت قدميه يربض أسد عظيم الحجم. في مفصلٍ تمهيدي لاحق يصور الراوي مشهداً مثيولوجياً من طقوس الشيعة حينما يعثرون على طامورة تحت الأرض تضم رفات أحفاد الأمام الذين كان – الأمويون – يسجنونهم فيها حتى الموت اختناقاً، يصف الراوي المشهد الدرامي والفلاحون يلمون البقايا من مسبحة وعمامة وأردية سوداء وسط نحيبهم ونواحهم ولطمهم إلى أن يتحول المكان إلى مزار من مزارات الشيعة المقدسة المنتشرة بأرجاء العراق. هذان المشهدان يمهدان فنياً وفكرياً للدخول في غور بشر تلك القرى المنسية على حافة الهور وفي أعماقه. يعرض النص في فصوله الأولى جريان الحياة الاجتماعية والصراع بين القيم أعراف القرية مع واقع ورغبات الإنسان ونزواته في فترة سابقة لتبلور الصراع السياسي الدموي الذي عصف بالمجتمع العراقي عقب انقلاب تموز 1958 وانعكاسه المخرب عفوية حياة العراقيين عموماً وجنوب العراق زمن النص ومكانه، تلك العفوية الوديعة وطبيعتها الجميلة رغم قسوتها وتخلفها وبدائية معتقداتها الدينية الممزوجة بالخرافة، ذلك السلام الروحي ستفتقده شخوص النص إلى الأبد .
يشتغل النص على بعدين من أبعاد انعكاس الموروث الديني على أرواح الفلاحين:
البعد الأول؛ ذلك الذي تثيره روايات المقتل في مجالس العزاء الحسينية المقامة على مدار العام لوفرة مناسبات مقاتل الطالبين الموزعة على فصوله، والتي تصل أوجها في ذكرى مقتل الحسين في العاشر من محرم حيث تقام طقوس حزنٍ دموية من اللطم على الصدور العارية حد الإدماء إلى ضرب الظهور العارية بسلاسلٍ من الحديد وضرب الرأس المحلوق بالسيف. يصور النص تفاصيل هذه الطقوس التي تقام كل عام في القرية مباشرة عقب إعادة تمثيل مذبحة كربلاء أمام الجمهور، يضاف إليها سرد الحكاية التاريخية المتداولة من على المنابر الحسينية والتي تأخذ بدورها مسارات سردية تختلف حسب مخيلة راوي المنبر ومزاوجتها بما يحدث من مظالم شبيهة في حاضر القرية زمن النص في سبعينيات القرن العشرين.
البعد الثاني؛ يتمثل في انعكاس الروايات الدينية المتناقلة شفاهاً في مخيلة المرأة الفلاحة التي تنسج بدورها حكايات يمتزج فيها الموروث الشيعي بالموروث الخرافي الموغل في القدم. نجد في الفصل ـ 5 ـ الجدات تسرد للأحفاد قبيل النوم حكايات عن أيام النكبات الطبيعية، الجراد الذي هجم ملتهماً كل شيء والإمام علي يظهر لنجدة شيعته الجياع، عن عودة الموتى الصالحين في الأعياد والمواسم حاملين من دار البقاء الرسائل والوصايا والبخور والعطور، عن السيد ـ مهنا ـ وسفره الغامض في عمق الأهوار لإيداع تبرعات الشيعة السنوية في مكان مسحور يسمونه ـ الحفيظ ـ فيلج من كوة مجهولة إلى باطن له جغرافية مختلفة فيها بحيرات وجبال وكهوف تؤدي إلى مكان الكنز المخفي لحين ظهور – المهدي المنتظر – ليعينه على النصر على الأعور الدجال الفصل ـ 21 ـ .
من ناحية أخرى اشتغل النص على موروث خرافي سابق لمرحلة الأديان السماوية من خلال بيئة قرية في الأهوار ـ الدبن ـ وسكانها – المعدان – المعتمدين على الصيد وتربية الجاموس والذين يُعّدون في الكثير من الدراسات بقايا السومريين الذين أقاموا قبل التاريخ في الجوار اليابس ولجئوا إلى عمق الأهوار حفاظاً على الكينونة وقت تدهور دولتهم التي انقرضت لاحقاً، فالعامل الديني لديهم ضعيف بالمقارنة مع قرى اليابسة ويوضح النص ذلك من خلال اختلاف موقع رجل الدين في كلا المكانين. فبخلاف موقع ـ مهنا ـ رجل الدين وسلطته الروحية في قرية ـ الجوابر ـ المعتمدة على الزراعة والقريبة من المدن نجد ضعف وهزال دور – السيد – المنتدب من الحوزة في النجف إلى قرية المعدان حيث يكاد أن لا يجد ما يسد به رمقه مما يجعل الشيخ يقدم له الطعام شفقةً لا واجباً. يعرض النص لبقايا طقوس شبه وثنية تمارس في هذه القرى منها ما جاء في الفصل ـ 22 ـ عن رحلة الزوجات العواقر في ثلاثة مشاحيف نحو معبدٍ قديم قائم في أعماق الأهوار طلباً للخصب في طقوس تمت بصلة لطقوس الخصب في حضارة وادي الرافدين القديمة. يطل القارئ على مشهدٍ لا ينسى والشابة المأخوذة تحشر وسط الأدعية والبسملة في شقٍ ضيقٍ حد العنق لِتُغتصب في العتمة على إيقاع أدعية النسوة المستنجدات بالأئمة الأطهار! ص 97 . هذا الطقس الوثني شديد الاندماج ببيئة النص وبشره ينجح في توظيف طقس من طقوس بلاد الرافدين القديمة بطريقة تمت للحاضر بصلة عضوية عكس الكثير من النصوص التي حاولت توظيف نفس الموروث فسقطت بالتجريد الذهني والتاريخي فكانت النصوص عسيرة القراءة رغم جودة أدائها الفني، يحيل هذا الطقس إلى طقسٍ مشابه يمارس في بعض قرى صعيد مصر بترك العاقر في معبد قديم طلبا للخصب كما تناولته بعض الروايات المصرية والأفلام.
من ناحية أخرى يسجل النص ويرسم عالم القرية وعلاقته بفترة محددة من تاريخ العراق المعاصر، فمن بين فصول الرواية الـ 60 تابع السارد تطور شخصية ابن قرية الجوابر ـ جاسم العطية ـ في 26 فصلاً، الذي عاش في المدينة لفترة وعاد منها واعيا بالصراع السياسي في المدينة فراح يدعو أبناء قريته إلى الانخراط في تنظيمات الحزب الشيوعي. لابد من الإشارة إلى أن الكاتب أمسك بمفصل حيوي من تاريخ الصراع السياسي في العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين حيث لعب الشيوعيون دوراً بارزاً فيه إذ كانوا طرفاً معارضاً للسلطة الحاكمة، كما كانت شخصية ـ جاسم العطية ـ محورية مكنت الراوي من التحكم بفصول النص بالعودة إليه بين الحين والحين في فصلٍ مستقل. وبسبب سماتها الجديدة المتمثلة باختلاف مفاهيمها ومعتقداتها التي تتناقض تماماً مع معتقدات القرية ستكون هذه الشخصية نافذة توسع عالم النص من خلال حركتها بين قرية المعدان وقرية الدبن في عمق الأهوار، وما تكتظ به ذاكرتها من تفاصيل الأيام التي قضتها في المدينة بين الرفاق، هذه الفترة التي تقدم تبريراً فنياً مقنعاً للجوء قادة الشيوعيين إلى قرى الأهوار أواخر الستينات. يقتل ـ جاسم العطية ـ دفاعاً عنهم في الفصل الختامي مما يحكم الحبكة فالشخصية المحورية أصبحت النقطة المركزية في المشروع السردي وبنية النص. رغم تعاطف الراوي مع – جاسم العطية – الحالم نلمس سخرية دفينة من محاولته زحزحة ذلك الإرث الروحي الهائل، المتجسد في الطقوس الدينية الممزوجة بالخرافة، الواشمة الطبيعة البشرية والجغرافية، سينتج العديد من المواقف الكوميدية لتصادم القيم الفكرية والمفاهيم النظرية لمفاهيم نشأت في الغرب المتطور مع بيئة النص ومستوى وعي الفلاحين المتخلف، مما يضطره إلى العيش في المنفى ـ قرية الدبن ـ المجاورة.
يتألق – النص – فكرياً من ناصيته الحيادية التي تلقي نظرة موضوعية على الصراع والحياة تفتقر إليها العديد من النصوص الروائية العراقية التي تستقي تيمتها من تفسير أيديولوجي. ذلك أكسب الشخصيات حيوية وجعلها حية، ففي الوقت الذي سوف نسخر من محاولات – جاسم العطية – وأفكاره سنحبه ونتألم لعذابه ومقتله.
في مقابل هذه الشخصية الديناميكية في النص والتاريخ العراقي المعاصر نجد شخصية ـ شرهان قاطع ـ ابن نفس القرية المنتمي إلى حزب السلطة – البعث – قومية التوجه وهي شخصية مكروهة، شاحبة في المحيط الاجتماعي تفرض نفسها بالقوة، مراوحة بين تهديد وترغيب في محاولتها إجبار الفلاحين على الانتماء إلى الحزب ويساعد الجيش في حملة تسفير قسم من سكان القرية بحجة التبعية الإيرانية عقب نجاح الثورة الإيرانية 1979.
أشيد هيكل النص على هيئة فصول قصيرة غالباً وتطول حسب منطق الحدث وموضوعة السرد، بلغ عددها الـ 60 . تستقي الفصول أو المشاهد منطقها الحكائي من الحكاية الشفوية المتناسلة في المخيلة الشعبية سواء المنسوجة منها من الموروث الديني الشيعي أو الموروث الخرافي السابق لظهور الأديان السماوية. أما الأحداث الملاحقة لتطورات الواقع الاجتماعي والنفسي والسياسي في الفترة التي تناولها النص فمبنية وفق رؤية ومخيلة وتصور الفلاحين الذين يمنحون أي حدث عابر مبالغةً تناسب مخيلتهم فأقترب السرد من الحكاية الشفاهية وموروثها الديني والخرافي،. الحكايات رتبت في هيكل النص بشكلٍ يتناسب مع الخيط السري الرابط لحبكة النص ، إذ يبدأ في الفصول الأولى بوصف حياة ومعتقدات الفلاحين وطبيعة المكان الذي سوف تجري الأحداث فيفرد الراوي فصولاً مستقلة لوصف المكان فقط وكأنه عين كاميرا سينمائية تصور بانورما جغرافية للمكان قبل الدخول في الأحداث، هذا ما نجده في الفصل الافتتاحي الممهد للدخول في طقوس الشيعة، وفي الفصل ـ 12 ـ التي يشرح فيها كيف يبني سكان الأهوار جباشاتهم العائمة وسط الماء كتمهيد لدخول القارئ مع – جاسم العطية – الهارب من قريته بسبب أفكاره الشيوعية الغريبة على معتقداتهم وحياتهم الاجتماعية البدائية حيث لا يوجد جائع لتكافلهم القبلي. هنا أصل إلى استنتاج مغاير لما توصل إليه الناقد المغربي د. عبد الله سفيان(51).
أستخدم الكاتب في السرد الضمير الثالث المناسب لبنية عملٍ تتناسل فيه الحكاية تناسل حكايات ألف ليلة وليلة. فشهرزاد في سردها المتسلسل تقول عن آخرين وتستخدم ضمائرهم عندما يروون تجربتهم. نجد هذه التقنية في الفصل ـ 21 ـ رحلة السيد مهنا بصحبة أبيه إلى مكان حفظ كنوز الشيعة في عمق الأهوار، فالراوي هنا هو – مهنا – رجل الدين الذي يرحل بنا عبر كوة جباشه وسط الهور إلى جغرافية مختلفة حيث بحيرات وجبال وكهوف لنكتشف في نهاية الفصل بأن الحكاية مجرد تهويمات ذاكرة طاعن في السن في رحلة مفترضة مع والده إلى ذلك الموقع الخرافة.
لا تقبل مثل هذه البنية الروائية سوى لغة بسيطة، لغة تستعير من السرد الشفاهي روحها، ومن موروث السرد العربي في ألف ليلة وليلة تركيب جملته البسيطة، لكنها ترسم المشهد مجسداً بتفاصيله وكأن القارئ يلمس حيوات النص بأصابعه . ففي خضم دراما الأحداث المتلاحقة يصاب شيخ المعدان بالعنة في زيارته الأولى إلى البصرة ومحاصرته من قبل الشرطة في بيت البغاء عندما يقضي ليلته وسط العاهرات اللواتي يتناوبنه لحدود القرف والعنة، فتصاب زوجاته الثلاث بالحيرة وهن محتدمات في ليل الغريزة ص 141
سأتوقف هنا بسبب محدودية المساحة المتاحة، وهنا لابد من ذكر العديد من المحاور والثيمات الجديدة التي طرحتها نصوص روائية عراقية مهمة، محور سؤال الهوية العراقية التي تعرضت وتتعرض للتهديد زمن الاحتلال لدى كل من أنعام كجي جي(52)، وعلي بدر(53)، ومحور وضع الإنسان ومعاناته زمن الحصار، لدى هدية حسين(54) وبتول الخضري(55)، كما أن دراستنا أعرضت عن تناول أعمال مهمة أشبعتها الصحافة والمجلات تناولاً كرواية – المسرات والأوجاع(56) – للراحل فؤاد التكرلي، وروايات فاضل العزاوي(57).

الخلاصة

تميزت التجربة العراقية عن مثيلاتها في الوطن العربي بسبب طبيعة التطورات السياسية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث منذ نشوء دولته 1921؛ صراع سياسي دموي، حركات معارضة مسلحة في جبال العراق منذ أربعينيات القرن الماضي، انقلابات عسكرية دموية أدت إلى دكتاتورية دموية قادت إلى حروب دموية وحصار اقتصادي طويل، ثم احتلال، هذه الظروف أدت بدورها إلى تمّيز الرواية العراقية من مثيلاتها في الوطن العربي، إذ أفرزت في ربع القرن الأخير تقسيماً حاداً بين نمطين من السرد؛ الأول مكتوب في ظل الدكتاتورية والثاني مكتوب في ظروف الحرية بالمنفى:
أ – الرواية المكتوبة في ظل الديكتاتورية تميزت بـ:
1- نصوص التجأت إلى الرمز والأسطورة وتاريخ العراق القديم في بنية روائية أضافت أشكال فنية جديدة للسرد العربي لكنها تحاشت الخوض في محنة العراقي في زمنها وقد أشرنا إلى بعضها في معرض بحثنا، إذ لا يسمح الحيز المتاح تناولها بالتحليل.
2 – نصوص بررت ثقافة الحرب في بنية روائية مجدت قيم القتل والعنف أشرنا في البحث إلى مصادرها حيث يمكن للدارس مراجعة تلك المصادر.
3 – نصوص تناولت مناحي الواقع الاجتماعي في زمنها لكنها تحاشت جوهر المعاناة فالتبس السرد والشخصيات ووقعت في الغموض.
4 – تحاشت النصوص بشكل عام الاقتراب من التابوات الثلاثة السياسة والجنس والدين.
ب – الرواية المكتوبة في ظروف الحرية بالمنفى تميّزت بـ:
1 – رسم أبعاد الإنسان العراقي الواقع في ظل الدكتاتورية والحرب بعمق ووضوح مصورةً معاناته، عذابه، خوفه، مقاومته، عناده، خيبته وانكساره.
2 – مراجعة التاريخ العراقي الحديث من خلال نصوص روائية تبحث فيه في محاولة لقراءة تاريخ العنف من خلال بنية العلاقات الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى هذا الحاضر المأساوي.
3 – ظهور بنية روائية جديدة من خلال تراكم نصوص السيرة الروائية التي تميزت بحرارة تجربة كتّابها الذين خاضوا الحرب في الجبهات والتشرد، والصدق في الكتابة مما ولّد نمطا روائيا جديدا في تاريخ الرواية العراقية والعربية يحتاج إلى دراسات متخصصة.
4 – تناول ثيمات جديدة لم تتطرق إليها الرواية العراقية، كمعاناة المنفى، اختلاف الثقافات، مشكلة الهوية، معاناة الجندي في المؤسسة العسكرية العربية بنموذجها العراقي، تجربة النضال المسلح ومعاناة المقاتل في جبال العراق إذ تنفرد هذه التجربة الطويلة كنموذج يكاد يكون وحيد في الوطن العربي في حركة مسلحة قاومت سلطة دكتاتورية محلية وليس احتلالاً أجنبياً، معاناة المرأة الطليعية العراقية التي نشطت في الحركات السياسية، الحفر في بنية المجتمع الأخلاقية وتعرية زيف القيم والأعراف والتقاليد.
5 – النصوص هزّت التابوات الثلاثة الجنس والدين والسياسة.
6 – تنوع الأساليب والصوغ الفني المتراوح بين بنية نص تقليدي إلى بنية نص يخوض في أقصى أشكال التجريب.

هوامش:

1. النخلة والجيران – بيروت 1966
2. خمسة أصوات – بيروت 1967
3. المخاض – بغداد 1974-
4. القربان – بغداد 1975-
5. الوشم – بيروت 1972-
6. القلعة الخامسة – دمشق 1972-
7. الرجع البعيد – بيروت 1980 –
8. يستطيع القارئ الرجوع إلى شهادتي الأدبية المنشورة في جريدة الصباح العراقية في حلقتين يومي 14 – 15 – 2 – 2004 ذكرت فيها بالأسماء كل من كتب نصوصا من هذا النوع، وكذلك كتاب ثقافة العنف في العراق لسلام عبود – دار الجمل – كولونيا – ألمانيا 2002 –
9. بصرياثا – دار المدى – دمشق 1996 –
10. الحافات – دار الشؤون الثقافية – بغداد 1989 –
11. قبل أن يحلق الباشق – دار الشؤون الثقافية بغداد 1990 –
12. الروواق – دار الشؤون الثقافية بغداد 1986.
13. من يفتح باب الطلسم منشورات دار الرشيد بغداد 1982.
14. من يرث الفردوس – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989.
15. خسوف برهان الكتبي – دار ألواح مدريد 2000.
16. بيت على نهر دجلة – دار المدى دمشق 2006.
17. صراخ النوارس – دار الآداب بيروت 1997.
18. روايات طه شبيب الأبجدية الأولى دار فضاءات 2004 وقبلها خمس روايات هي، مقامة الكيروسين – الضفيرة مواء – الحكاية السادسة – مأتم – و – وأد -.
19. روايات أحمد خلف “الخراب الجميل “1980” و “موت الأب”2003 و “حامل الهوى” دار المدى 2005.
20. أ – مقالة د. عبد الله إبراهيم (الرواية العراقية الجديدة / المنفى، الهوية، اليوتوبيا) غيمان مجلة فصلية العدد الثامن – صيف 2009، http://www.ghaiman.net/derasat/issue_08/alrewaya_al3raqia.ht ب – مقال د. زهير شليبة ( ظاهرة الكتاب العراقيين في الخارج – جيل نوستولوجيا وجيل دون أساتذة في حلقتين في صحيفة الزمان اللندنية العددين 1709-1710 يومي 14-15 كانون الثاني 2004 ج – مقالة فاطمة المحسن ( حدود العالم المفتوح ونوستالجيا الوطن – رواية المنفى العراقية “السياسي” المبعد يتذكر مكانه) الحياة اللندنية العدد 11539 21 أيلول 1994
21. روايات شاكر الأنباري: أ- الكلمات الساحرات دار الكنوز الأدبية بيروت 1993. ب – ألواح دار المدى دمشق 1996. ج – ليالي الكاكا دار المدى 2002. د. بلاد سعيدة دار تكوين دمشق 2008. هـ – نجمة البتاوين دار المدى2010.
22. روايات جنان جاسم حلاوي: أ- يا كوكتي دار رياض الرئيس بيروت 1991. ب – ليل البلاد دار الآداب بيروت 2001. ج – دروب وغبار دار الآداب 2003. د. أماكن حارة دار الآداب 2006.
23. روايات عالية ممدوح: أ – حبات النفتالين دار الآداب طبعة الآداب بيروت 2000. ب – الغلامة دار الساقي لندن 2000.
24. روايات سلام عبود: أ – أمير الأقحوان مركز الحرف العربي – غوتنبورغ – السويد 1996. ب – ذبابة القيامة المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1999.
25. روايات نجم والي: أ – الحرب في حي الطرب – دار صحاري بودابست 1993 ب – مكان أسمه كميت – دار شرقيات القاهرة 1997 ج – تل اللحم – دار ميرميت القاهرة 2005 د – صورة يوسف – المركز الثقافي العربي – بيروت 2005 .
26. زهير الجزائري: – حافة القيامة – دار المدى 1996
27. روايات سليم مطر: أ – امرأة القارورة – رياض الرئيس بيروت 1991. ب – التؤام – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2001.
28. روايات فاضل العزاوي: أ – آخر الملائكة رياض الريس بيروت 1992. ب – الأسلاف – دار الجمل ألمانيا 2001.
29. روايات حمزة الحسن: أ – سنوات الحريق – دار الكنوز الأدبية 2000. ب – الأعزل مؤسسة الانتشار العربي 2007. ج – عزلة أورستا – دار الكنوز الأدبية بيروت 2001.
30. روايات سنان أنطوان – أ – أعجام دار الآداب بيروت 2004. ب – وحدها شجرة الرمان المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2010.
31. روايات محمود سعيد: ا: نهايات النهار دار مكتبة الحياة القاهرة 1997 ب: قبل الحب.. بعد الحب دار المدى دمشق1999.
32. روايات برهان الخطيب: أ – الجنائن المغلقة دار بوديوم 2000 ب – بابل الفيحاء دار أوراسيا – السويد.
33. روايات سلام إبراهيم: ا – رؤيا الغائب دار المدى دمشق 1996 ب – الإرسي دار الدار – القاهرة 2008 ج – الحياة لحظة – الدار المصرية اللبنانية 2010 د – في باطن الجحيم مجلة الكلمة الأدبية الألكترونية الشهرية العدد -48- 2011.
34. عندما تستيقظ الرائحة – دار المدى – دمشق 2006.
35. أقمار عراقية سوداء في السويد – دار المدى – دمشق 2003
36. موطن الأسرار – المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1999.
37. المحبوبات – دار الساقي – لندن 2007.
38. تحت سماء كوبنهاجن – دار الساقي – لندن 2010.
39. زنقة بن بركه – دار الآداب 1997.
40. الضلع – دار الجمل بغداد – بيروت 2007.
41. الغلامة – دار الساقي – لندن – 2000.
42. التشهي – دار الآداب – بيروت – 2007.
43. ليل البلاد – دار الآداب 2002.
44. أصغي إلى رمادي – دار ينابيع – دمشق 2002.
45. نجمة البتاوين – دار المدى – بغداد 2010.
46. كم بدت السماء قريبة – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 1999.
47. حافة القيامة – دار المدى 1996.
48. المستبد – معهد الدراسات الاستراتيجية – بيروت 2006.
49. عراقييون أجناب – الأحمدية للنشر – الدار البيضاء 1999.
50. أقصى الجنوب – دار الشؤون الثقافية – بغداد 1989.
51. قارن الناقد د. عبد الله سفيان بين ـ عراقيون أجناب ـ و ـ وليمة لإعشاب البحر ـ لحيدر حيدر في مقالته المنشورة في القدس العربي بتاريخ 17 ـ 8 ـ 2000 مضخماً في تحليله حدثاً صغيراً في رواية فيصل عبد الحسن يشترك فيه مع رواية – حيدر حيدر – إلا وهو لجوء مجموعة من الشيوعيين في أواخر الستينات إلى الأهوار لخوض الكفاح المسلح وهذا محور نص الكاتب السوري المعتمد في كتابة نصه على رواية – عبد الأمير الركابي – الناجي من تجربة اليسار المسلحة في الأهوار وما رواه اللاجئين منهم إلى سوريا، فيصل الناقد – عبد الله سيفان – إلى استنتاج مفاده أن – عراقيون أجناب – عبارة عن كولاج رتب دون خبرة كافية للتخلص من رتابة السرد التقليدي، التضخيم المذكور قاده بالإضافة إلى عدم دقة تحليل بنية النص إلى المقارنة بين نصيين مختلفين كلياً بانشغال عالميهما، فنص – عراقيون أجناب – كان مشغولا بالبشر المهمشين المنسيين من شيعة ريف الجنوب العراقي بينما أنشغل نص – وليمة لأعشاب البحر – بأجواء النخبة اليسارية العراقية المعزولة والتي خاضت أخر معاركها الخاسرة في الأهوار، ونص فيصل عبد الحسن تناول تلك الحركة المسلحة في وزنها المعقول في الواقع العراقي زمنه التاريخي المعاصر، وزمن توازنات النص أيضاً.
52. الحفيدة الأمريكية – دار النهار – بيروت2008.
53. حارس التبغ – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2008.
54. ما بعد الحب – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2003.
55. غايب – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004.
56. المسرات والأوجاع – دار المدى – دمشق 1998.
57. راجع هامش 28.

Salamabed1@hotmail.com


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"