حسن النوّاب: ظهيرة للشعراء في مقهي ضوء القمر

اسمها مقهي القمر.. وهي لا تبعد عن بيتي الا مئات الأمتار لكني لم ازرها سوي مرتين طيلة اقامتي في مدينة بيرث الأسترالية، المرة الأولي قبل سنة ونصف وقرأت حينها قصائد بثياب المنفي باللغة الأنكليزية،ولما دخلتها للمرة الثانية قبل يومين فوجئت ان روادها من الشعراء مازالوا يتذكرون اسمي وقصائدي ايضا، جلهم شعراء محترفون وقد نشروا اكثر من ديوان شعري وبعضهم حصل علي جوائز شعرية مهمة، يفدون الي مقهي القمر كل ظهيرة سبت ويتخذون من مساحتها الخلفية المغلف سقفها بأ لواح البلاستيك مقرا لهم يقرأون به شعرهم، وعدد الذين ينتسبون الي مقهي القمر يتجاوز المئة والخمسين بين شاعر وناقد ورسام وممثل ومخرج سينمائي ومصور فوتغرافي، يدفعون ثمن الإيجار لمكانهم من تبرعات الأعضاء،بالطبع انا لم ادفع دولارا واحدا كوني ضيفا عليهم سأعود الي بلادي ذات يوم؟؟ هناك مسرح بسيط بمستلزمات صوتية بسيطة جدا يقف عليه الشعراء ويقرأون قصائدهم كل ظهيرة، لكن الملفت للنظر ان هناك شعراء من جميع الدول يفدون الي هذا المكان، شعراء من قارتي اوربا وامريكا وآخرين من آسيا.. اي بمعني يمكن ان تري شعراء من بيرو وكندا وشعراء من هولندا وبلغاريا والمانيا وشعراء من سنغافورة والصين واليابان و يمكن ان تري احيانا شعراء من كربلاء، خلطة ساحرة من الشعراء تقرأ القصائد كل ظهيرة سبت، وشعرت بالندم لأني لم اتواصل معهم.. فاجئني احد الشعراء الإستراليين انه مازال يحتفظ بقصائدي التي قرأتها قبل عام ونصف وجعل منها كارتات ملونة وقد وضع عليها مقاطع من شعري؟؟ الواقع شعرت بالخجل المر.. واخبرته بقلب منشرح سوف اكتب مقالا ادبيا عن مقهي القمر.. هذا الشاعر المعروف يقدم برنامجا ثقافيا جذابا علي قناة الس بي اس كل اسبوع، ولو كان هذا الشاعر في بلادي لما رد علي تحيتي السلام.. متواضعون جدا.. ثقلهم في اعماق ارواحهم الخالية من العقد والحسد والغيرة.. يصفقون حتي للشاعر الذي تبدو قصيدته عفطة عنز.. ذلك انهم يؤمنون ان الشعر مرة يسمو ومرة يكبو.. وحين سألتهم لماذا تصفقون لكل قصيدة.. انتم بذلك تدعوني اتذكر مهزلة القصائد في المهرجانات العربية وتلك التي كانت تقام في بلادي ايام العسكرتارية، اجابني الشاعر بيتر جفري وهو شاعر مسؤول عن ربيع الشعر الإسترالي في كل عام قائلا: نحن نصفق الي الشعر الذي نأمل ان نراه مستقبلا من الشاعر.. شاعر بوجه منغولي قرأ في تلك الظهيرة توقيعات شعرية رائعة.. في واحدة منها يقول:
الشعر الذي يشبه الشعر
مثل النار التي تشبه النار
شاعر من سنغافورة يدعي ابل كو جاء مع حبيبته الشاعرة الحسناء قرأ كل منهما قصيدة.. يقول حبيبها في قصيدته التي حملت عنوان الف:
الف فكرة تسأل عني
الف قصيدة تبحث عني
الف لوحة رسام تدعوني
الف دعوة موجهة الي شعري
كل هذا لايعني شيئا
اذا ما تقبلين دعوتي علي وجبة الفطور البسيطة .
ولما ارتقت شاعرته الحسناء الي منصة الشعر قرأت قصيدة قصيرة جدا قالت فيها:
كنت جائعة جدا
لقد اكلت وجبة الفطور كلها
انا اشكرك..
لكني مازلت جائعة
الي قبلة من شفتيك عندما تصبح ساخنة..
بينما شاعرة استرالية ثرية جدا تدعي بات سولي تقف الي جواري بالصورة قرأت قصيدة بعنوان البيت.. تشكو بها من شحة السعادة..؟؟ قلت لها بسري ايتها الشاعرة تعالي الي مخدعي ودمري حياتي.. تقول في قصيدتها:
البيت اسطورة
هذا الذي كنت تراه قصرا
عبارة عن غرفة واحدة
بالحقيقة
كنا نقرأ بها الأشعار
ونسمع الموسيقي
ونزدرد الحكومات السافلة
ونأكل الشيكولاته الحارة
ونغازل الحيوانات الأليفة
ونتطلع الي اللوحات الثمينة
انا اسميه البيت
وكنت تسميه القصر
كان اسطورة
ولقد خرجت منه
حتي ستصبح اسطورة اخري
مازال البيت اسطورة
وانت ما زلت تريد ان تصبح اسطورة .
شاعر من ايطاليا قرأ قصيدة مشتركة مع شاعر استرالي.. واحد يقرأ بالإيطالية والآخر بالأنكليزية بسجال عن القصيدة..
يقول الإيطالي:
المس الكلمة لكنها لكنها لا تحنو علي قلمي
ويجيب الشاعر الإسترالي
البكاء وحده
من يختصر اللغة
اما الإبتسامة فهي لغة زائفة..
اتذكر لحظتها اصدقائي من الشعراء الصعاليك جان دمو وكزار حنتوش وعقيل علي واذكر الرسام هادي السيد.. واقول لشعراء مقهي القمر.. لدي اصدقاء لو كانوا معي الآن.. لرأيتم كيف ان الشعر يتمرأي امام انظاركم.. هذا الشعر الذي تريدون ان تلمسوه.. لقد لمسته كثيرا.. قرأت لهم قصيدة صغيرة لعقيل علي:
الاصابع التي في فمي
سكاكين تسعي الي قطع لسان الشعر
يصفقون لمقطع القصيدة ويسألون وهل هناك متحف لهذا الشاعر..
اشرب كأسي امامهم وابكي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.