تابعنا على فيسبوك وتويتر

قراءة في الديوان الشعري ( وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي ) الشاعرة فليحة حسن

تشق طريقها الشعري , بأمكانية متمكنة في  ادواتها الابداعية وتنوع اساليبها  . في الصياغة الفنية والتعبير الدال بالمعنى والمغزى  , يشعر القارئ من خلال نغمات الحزن ومكابدة الالم ,  في الالفة في الصور  الشعرية ,  ويتفاعل معها بالشحن المؤثر في احساسه الداخلي  . ويدخل في مناخات القصائد  واجوائها المتوترة والساخنة , ويشعر بوجع وحزن الشاعرة . في محنتها مع  الواقع المر والمرير ( قديماً وحديثاً ) , بالتوجس العميق الذي ينعي الوطن  المرمي في أتون الحروب  المتواصلة , مما تثقل  معاناة كاهل الغربة والاغتراب باحمال ثقيلة  . وقصائد الديوان الشعري تقتحم موضوعات الواقع , في اصعب  وادق  ازماته الحساسة وقضاياه الملتهبة  . في مكوناتها  البارزة , في هوس الحروب وجنونها المزمن  , بأن  تجعل الحب , يكتوي على جمرة  النيران والحرائق المشتعلة . تجعل الحب في دروب مجهولة , يعاني الجفاف واليباس  في سحب الغيوم بالدخان الكثيفة   , التي تطحن الواقع بالحزن والمعاناة . انها مواجهة حامية الوطيس   بين  الحب والحرب  , رغم ان الاختلاف اللغوي يقتصر على حرف الراء , لكنه يرسم المحنة المأساوية الكاملة . في  الدلالات التعبيرية العميقة , فالاول ( الحب ) يمثل الحياة , والثاني ( الحرب ) يمثل الموت . اي ان الشاعرة تضعنا في معادلة صعبة بين الاثنين  . بين الحياة المفعمة بالامل . وبين الحياة المفعمة بالحزن والسواد . بين الحلم الذي يعزف على قيثارته العذبة , وبين صراخ الانين الذي يعزف على الآهات القهر والحسرات المؤلمة  لفواجع الحرب , التي تخطف الاحبة فجأة دون سابق أنذار , في حياة تكون عبارة عن ( بسطال ) يركض ويهرول  من حرب الى حرب اخرى . لتكون الحياة عنواناً عريضاً يقرضها ,  الفزع والرعب والموت . وتكون الروح مفجوعة , لانها تحولها  الى توابيت ومقابر . هذه العلة  المؤلمة  والقاسية  , ان  يسلب الحب من ممتلكاته   , عندما يحشر عنوة حرف الراء , بين الحاء والباء . ويكسر ظهر الحب . هذه المكاشفة الجريئة في قصائد الديوان . فقد استطاعت الصور الشعرية , ان تتلامس بالعمق مناخات الواقع , الذي يرزخ  تحت جحيم الحروب المتواصلة , في حرائقها المشتعلة . حتى ( يوسف ) الجميل افتراضاً , لم يعد جميلاً ومرغوباً فيه ,  وانما تتحاشاه النساء , لانه اصبح  مطرود من اي مكان يتجه اليه . حاملاً حبه المكسور بالاهات والحزن  , يسألونه عن هويته وينكر صلته بالطين  , فلم يعد عزيزاً ومحبوباً في اي مكان يلتجئ اليه   , بل  يتجول كالغريب المتشرد والطريد   , يبحث عن مكاناً يقبل حبه كلاجئ حتى يأوى اليه من عنفوان جفاف الحياة .ويحشر اسمه مع الحفاة العاطلين عن الحب , يلوكون الاكاذيب   ,  بينما  ( زليخة )  تنتشئ في انتصارها , تجلس في شرفة دافئة متباهية  بالكبرياء منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح   , وتراقب زهور البنفسج وأشجار البلوط .

لم يكن عزيزاً في مصر ولا غيرها

أينما وجه وجهتهٌ

يسألونه عن هوية شاحبة

فينكر صلته بالطين

يوسف الجميل أفتراضاً

تتحاشاه النساء

ويخاط اسمه مع اقداح شاي الحفاة ,

العاطلين عن الحب

المهووسين بارتجال الاكاذيب ,

ولد بثياب مقطعة

يهش الكلاب بعصاه

ويسعد حين غيابه عن الصف

زليخة منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح

تجلس الآن على شرفة دافئة

 تراقب زهور البنفسج

أشجار البلوط    ( ص11 ) 

تغفو الحياة على معاناة سوداء , فقد فقدت زينتها ونضارتها , واصبحت شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنياً , تتشح المدينة بالسواد , يمتزج بنعيق الغربان , لتصبغ الحياة بلون السواد على صباحاتها , وتنام الشوارع باكراً كالدجاج . والنساء خلعت حسنهن بجفاف الحياة , ويتجرعن بالمرارة , حتى الشفاه جفت ويبست , فلم تعد حقائبهن يحملن لو بقايا ( قلم الحمرة )

تغفو شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنيا ً

——— 

هذا قبل أن تتشح المدينة بالسواد حتى أخمص نهريها

ويمتزج نعيق الغربان ولون الدم فوق صباحاتنا

وتنام شوارعنا باكراً جداً كما الدجاج ( المكرك )

خلعت النساء حسنهن

ذيقت أرواحهن بالمرارة

وتيبست الشفاه

فلن تجد في حقائبهن حتى لو بقايا ( لقلم حمرة )  ( ص16 )

———————

 هذا التبدل في الواقع الذي في أتون   حربين , هو سبب الخلاف والعلة الخلاف  في الحب الذي يفقد طريقه   ,  وتنقلب الحياة على نفسها , حين توسط حرف الراء , بين حاء وباء , وتبدل الحب الى الحرب

ولسنا اختلفنا

إلا على الراء

حين تريد التوسط

بين حاء وباء ( ص  34 )

سقطت كل الازمنة وانهزمت . سوى التاريخ يسجل انتصاراً لتاريخ الدم . وحدهم التتار ( واحفادهم ) يكتبون صفحات التاريخ بالدم . وحدهم يتناسلون بالتوراث وتوالد  , لكي يصبغوا الواقع والحياة بالدم . وحدهم يكتبون عفونتهم , الملطخة بالسواد والحزن وسفك الدماء , التي اصبحت انهاراً جارية .  فلا نحلف بعد الآن  بدجلة فقد جف وتقلص عمره , وتيبس الفرات وفاض  بالجثث  . فمن يستطيع ان يكتب قصيدة خوفاً من لعنة التتار , فلا تكتبون اسم شاعرتها , لانها ليس قصيدة . وانما تكشف عري التتار الملطخين بالدماء  . من يستطيع ان يترك الاطفال ينظفون انفسهم من اردان الحروب , صاروا التتار يختارون لنا اسماء جديدة , هذا زمن المهزلة

التتار وحدهم صنعوا تاريخاً يتوالد الى الآن

أحمر – قان

لا تحلفوا بعد الآن بدجلة

فقد تناقص عمره

وفاض فراتنا يباساً

وجثثاً

مزقوا هذه الصفحة  أن شئتم

فقد أتعرض لسباب حد ينتمي للتاريخ اكثر مني !

أو ……………

لا تكتبوا اسمي عليها فقد لا تكون هذه قصيدة

فقط

اتركوا أطفالنا ينظفون انفسهم من اردان الحروب ويختارون لنا

أسماء جديدة ! ( ص 78 )

بالوعة اسمها الحرب حين فتحت ابوابها , خلع الاب شبابه , ودخلها عارياً من  العودة . فقد تحولت الحياة الى ( بسطال ) ينتقل من حرب  حرب , وضاع العمر في ضجيج الحروب . وعاشرت الام الدموع والآهات والخيبات  .

بمجرد ان فتحوا أبواب الحرب

خلع أبي شبابه

ودخلها عارياً من العودة

استقلت أمي على سرير الدمع

وتغطت بآهاتها

أنا الوحيدة التي صرت أراقب ساعة الصمت المعلقة على الحائط

ببلاهة

واعد دقاتها

خيبة

خيبة  ( ص111 )

الذكريات العالقة  بالحنين التي تشتعل في دواخل  الوجدان  , وتنهال في يوم عادي في مسامرة  اقداح الشاي , ذكريات الام  , التي كابدت معاناة سنوات العجاف في الحروب التي خنقت الحياة , وكانت  تذرف دموعها حزناً على غياب الاب في الحروب , فكانت تعلعل بذرف  دموعها بحجة رائحة البصل . هذه الذكريات الاليمة تنهال عنوة على دروب الغربة والاغتراب .

تجلس ايامي بكل هذه الخيبة

تعد لحظاتها الهاربة دون أن تمل العدَّ

وأنا في يومي العادي هذا

أتذكر أمي

وكيف كانت

تتحجج برائحة البصل

تذرف دموعها في المطبخ لغياب أبي

الذي تسلق حياته حرب على حرب     ( ص 137 )

× ديوان الشعر ( وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي )

× الشاعرة : فليحة حسن

تاريخ الاصدر : الطبعة الاولى 2018

عدد الصفحات : 151 صفحة

 × اصدر : الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق

جمعة عبدالله 

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"