تابعنا على فيسبوك وتويتر

الرواية العراقية رصدت الخراب العراقي في أزمان الديكتاتورية، والحروب والاحتلال وسلطة الطوائف

سلام إبراهيم

مدخل

طغى التيار الواقعي في الكتابة القصصية والروائية العراقية منذ نشأة القصة والرواية في عشرينات القرن الماضي، إذ كان غالبية الكتاب يؤمنون بالفكر الماركسي ويبشرون بأفكار الاشتراكية في مقالاتهم التي نظّرت وحددت الرؤيا الفكرية التي ستسود وتميز لاحقا النص الروائي العراقي دون غيره من النصوص العربية بالمقارنة ( مثلا مع تطور الرواية في مصر حيث ظهرت روايات تاريخية، روايات رومانسية، وروايات اجتماعية تصور الواقع الاجتماعي المصري في زمنها)، بارتباطه المباشر بتاريخ العراق وأحداثه السياسية وتحولاته العنيفة، سواء من خلال تيمة الرواية أو شخصياتها وطبيعة الحكاية التي ترويها للقارئ. هذا التوجه تجسد من خلال انهماك رواد النص القصصي والروائي بالعمل السياسي الميداني المباشر وبالكتابة التبشيرية وأخذ دور الداعية والمصلح الاجتماعي والناقد في مقالات نشرت في الصحافة وقتها، تناقش الأدب وطبيعته وعلاقته بالمجتمع مما بلور ورسخ هذا التوجه الذي سيظل سمة ملازمة للأدب العراقي حتى الآن.
هذه السمة وَسمت النص النثري العراقي منذ النشأة، فقد تحمل عبء النهضة، وغلب عليه في مراحله المبكرة الصفة التعليمية والدعائية في ميدان الاجتماع والسياسة التي ستظهر بشكل أكثر وضوحا في الفترة ما بين الحربين العالميتين حيث زاد واحتدم النضال الوطني من أجل الاستقلال وفك الارتباط بالاستعمار الإنكليزي.
تأخر ظهور الرواية في العراق مقارنة بالقصة القصيرة والشعر والفنون الأخرى، فمنذ صدور رواية – جلال خالد – لمحمود أحمد السيد 1928 وحتى صدور أول رواية أسست للرواية الفنية العراقية – النخلة والجيران – لغائب طعمة فرمان 1966 لم نحصِ سوى ثلاث روايات غير ناضجة فنياً هي:
“مجنونان” لعبد الحق فاضل 1939. “الدكتور إبراهيم” لذي النون أيوب 1939 و”اليد والأرض والماء” 1948 لذي النون أيوب أيضاً.
وهنا من الممكن الإشارة إلى قصة فؤاد التكرلي الطويلة – الوجه الآخر- التي لها مقومات الرواية الفنية القصيرة والتي صدرت ضمن مجموعته القصصية التي تحمل نفس الاسم1960.

علاقة الرواية بالصراع السياسي الدموي في العراق

قبل ظهور أول رواية عراقية ناضجة فنيا كان العراق المضطرب سياسياً منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى استلام العسكر السلطة بانقلاب 14 تموز1958 الذي سجل ظهور أول مليشيات الأحزاب ( المقاومة الشعبية التابعة للحزب الشيوعي العراقي) قد دخل صراعا دموياً على السلطة السياسية بسلسلة محاولات انقلابية فاشلة على سلطة – عبد الكريم قاسم 1958 – 1963 – تبعها حمامات دم وسحل أجساد المتآمرين في الشوارع في تقليد بدأته السلطة الوطنية متمثلة بسلطة الضباط الأحرار – الجيش – بمذبحة العائلة الملكية في قصر الرحاب تموز 1958 وسحل جثة الوصي عبد الإله ورئيس الوزراء – نوري السعيد – في شوارع بغداد، ليتوج العنف في ذروة جديدة أشرس وقعا ودموية بانقلاب 8 شباط 1963 وظهور مليشيات حزب البعث ( الحرس القومي ) التي نكّلت بالشيوعيين اغتصابا وقتلا تحت التعذيب، واغتيالا في الشوارع ودفناً وهم أحياء والمتبقي غصت بهم السجون والمعتقلات هذا التاريخ الدامي سيتردد صداه في الرواية العراقية لاحقا. أعقبها انقلاب تشرين الثاني 1964 الذي أزاح سلطة البعث الذي سرعان ما عاد في انقلاب جديد 17 تموز 1968 ليطور سلطة دكتاتورية تصنعت الانفتاح على القوي السياسية المختلفة فتحالفت معها واحدا بعد الآخر لتصفيها وتنفرد في سلطة تركزت بشخص الدكتاتور – صدام حسين – الذي أستولي بحفلة تصفية دموية داخل حزبه عام 1979 على رئاسة الجمهورية ليعد لحربه الطويلة مع إيران 1980 – 1988 ثم احتلاله الكويت 1990 ليدخل العراق في حرب غير متكافئة 1991 انتهت بحصار اقتصادي طويل نخر في بنية المجتمع العراقي وخربه من الداخل تخريبا مضافا إلى تخريب القمع لينتهي باحتلال العراق وتسليمه إلى القوات الأمريكية والمتحالفة معها ليدخل في دوامة عنف جديدة مستمرة حتى الآن، وما رافق هذا التاريخ الدموي من قتل ومقابر جماعية وإعدامات ميدانية في جبهات الحرب والملاعب والساحات واختفاء مئات الآلاف من الشباب إلى الأبد.
التاريخ العراقي الدموي خلال الثلاثين سنة المنصرمة جعل من الإنسان العراقي مشغولا بمحنة النجاة بنفسه من موت فيزيقي ظل يتهدده في كل لحظة قادما من سُوقِهِ إلى جبهات الحرب أو ضياعه في المعتقلات والسجون، أو الموت جوعا زمن الحصار.
كيف انعكست هذه الظروف على الروائي والرواية حصرا؟!.
وُلِدَتْ بعد مخاض طويل وعسير أول رواية عراقية مستكملة شرطها الفني بصدور – النخلة والجيران –(1) لغائب طعمة فرمان رواية متعددة الأصوات تناولت واقع بغداد أيام الحرب العالمية الثانية من خلال حياة مجموعة من الناس الفقراء في حي شعبي وسط بغداد، أعقبها برواية – خمسة أصوات –(2) التي تناولت فترة الخمسينات ومخاضها الفكري والسياسي والتي شهدت احتدام الصراع الذي توج بولادة النظام الجمهوري على يد العسكر عبر خمسة أصوات في الوسط الثقافي والصحفي. ثم أعقبتها (لنفس الروائي الذي سينفرد بتثبيت أركان الرواية العراقية الفنية) – المخاض – (3) التي تناولت العراق بعد 1958 من خلال مغترب يعود إلى بغداد بعد غربة 5 سنوات فيجدها قد تبدلت والحكاية حكاية الكاتب نفسه الذي عاد إلى العراق ولم يمكث سوى عام واحد ليعود إلى موسكو ويبقى فيها حتى وفاته 1991. ثم رواية – القربان –(4).

ومعظم هذه الروايات عنت بتصوير الأجواء الشعبية واستخدمت اللهجة العراقية الدارجة في الحوار، ومن الجدير بالذكر أن معظم هذه الروايات كتبت في المنفى أثناء فترة أقامة كاتبها في موسكو بمعنى توفر ظروف استقرار نسبي منحه القدرة على تأمل التجربة والكتابة عنها. وفي هذه الفترة صدرت أيضا روايات لكتاب شباب ليست ذات أهمية تذكر عدا روايتي – الوشم –(5) لعبد الرحمن مجيد الربيعي –، و–القلعة الخامسة –(6) لفاضل العزاوي التي تحكي قصة موظف بسيط يأتي من كركوك في أجازة، فيعتقل وهو في مقهى وسط بغداد بينما كان ينتظر العثور على قواد ويحلم بقضاء ليلة مع عاهرة، ليسجن مع الشيوعيين ويتحول إلى سياسي كاشفا طبيعة حياة السجن ونمط تفكير الشخصية الحزبية في نظرتها القاصرة إلى الحياة. رغم تواضع الرواية من حيث الصوغ الفني ومحدودية شخوصها وتصنع لغتها إلا أنها أسست لرواية السيرة التي ستتدفق لاحقاً.
فيما كان العراقي مشغولا بالحرب التي أشعلها الدكتاتور مع إيران وحملة تبعيث المجتمع العراقي قسرا بتوقيع المواطن على المادة – 200 – التي تحكمه بالإعدام سلفا فيما لو نشط سياسيا في حزب غير حزب البعث صدرت رواية – الرجع البعيد –(7) لفؤاد التكرلي المختلفة بنية وصوغا فنيا عن نصوص – غائب فرمان – إذ عنت بالبعد الداخلي لشخصياتها المنتقاة من بيئة مثقفة مشاركة بالصراع السياسي الذي احتدم بعنف بين القوى القومية والماركسية عقب 14 تموز 1958 معتمدة التحليل النفسي للشخصيات فألقت الضوء على تمزقها الداخلي مضاف إلى رصدها لمرحلة مهمة من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي المرتبط بشيوع العنف بشكل سافر.
في ظروف القمع والحرب تلك كان من المستحيل الحديث عن الكتابة الروائية ناهيك عن تخيل روائي عراقي يجلس إلى طاولة الكتابة ليتأمل ويكتب. فقد عانى كاتب الرواية أو من كان يحاول كتابتها ما كان يعانيه العراقي من تهديد مباشر لكينونته، فأدى ذلك إلى هجرة كبيرة لمبدعي العراق من ضمنهم الروائيون. علماً بأن أعداداً كبيرة ممن سيكون لهم شأناً في كتابة النص الروائي الجديد كان قد هاجر في سبعينيات القرن الماضي لأسباب مختلفة أذكر أبرزهم، الروائي فاضل العزاوي، عالية ممدوح ، سلام عبود، هيفاء زنكنه، عارف علوان، برهان الخطيب.
بينما أدت ظروف القمع الشديد قبيل الحرب في أوج حملة تصفية المعارضين إلى هجرة أعداد أخرى، أذكر منهم الروائي زهير الجزائري، سليم مطر، علي عبد العال، نجم والي.
تبعهم من اضطر إلى الهرب من جبهات القتال ملتحقا بالحركات المسلحة في جبال العراق أذكر أبرزهم؛ الروائي جنان جاسم حلاوي، شاكر الانباري، حميد العقابي، وكاتب هذه السطور.
من الجدير بالذكر أن غالبية الكتاب المذكورين كانوا وقت هجرتهم غير مكرسين كروائيين فالبعض منهم لم ينشر نصا والبعض الآخر لم يصدر بعد نصوصه الأهم.
أعقب هذه الهجرة هجرة أخرى حدثت عقب احتلال الكويت وفترة الحصار الاقتصادي لعدد من الروائيين من أبرزهم فيصل عبد الحسن وهدية حسين وعلي بدر وسنان أنطوان.
أدت هذه الظروف إلى ولادة نصيين عراقيين: نص مكتوب تحت ظروف القمع ( زمن الدكتاتور)، ونص مكتوب في ظروف الحرية في المنفى، ولكل نص سماته الفكرية والفنية كما فيه الغث والسمين، ووفق هذا التقسيم من الممكن النظر بموضوعية للنص الروائي وطبيعته.

1 – نص مكتوب تحت ظروف القمع

ظروف القمع والحرب أفرزت:
أ – روايات الحرب وهي روايات مجدت قيم الحرب والموت والوطنية الزائفة وأعرضت عن عذابات الإنسان في محنة تهدد كينونته وهذا يجده القارئ والمتابع في سلسلة روايات وقصص قادسية صدام(8)، وهي نصوص لا قيمة فنية لها فلا توجد في تاريخ الإنسانية حرباً تجعل الإنسان سعيدا بموته وفرحاً بفراق الأحباب وتجرع الألم والرعب كما صورته تلك النصوص.
ب – نص التجأ إلى التاريخ والأسطورة والرمز منشغلاً عن هموم العراقي في محنته زمن الدكتاتور متغرباً عن زمنه كنصوص محمد خضير في كتابه – بصرياثا(9) – و محمود جنداري في – الحافات(10) – . أو جعل من العراق في أول نشوء دولته الحديثة ميدانا كما في – قبل أن يحلق الباشق – (11) لعبد الخالق الركابي في رحلة شخوصها الباحثة عن الهوية لكنه سيلجأ إلى الغموض والإبهام في رواياته اللاحقة.
فقد تعذرت الكتابة الواضحة بدرجة متزايدة مع شدة القمع فكانت أحداثها غامضة وشخوصها أكثر إبهاماً لا يعرف القارئ ما تريده رغم أنها تبدو مهمومة بالإنسان لكنها لم تفصح عن طبيعة ذلك الهم أو بأدق شَغَلَتهُ بهموم بدت بعيدة عن واقعه حيث كان يسحق يوميا في جبهات القتال وفي والمعتقلات والسجون كروايتيه – الراووق – ( 12) و – من يفتح باب الطلسم –(13) ولطفية الدليمي في روايتيها – من يرث الفردوس(14) و – خسوف برهان الكتبى(15). نستثني من ذلك روايتي – بيت على نهر دجلة – (16) و – صراخ النوارس –(17) – لمهدي عيسى الصقر – اللتين تعرضان لتداعيات الحرب على الإنسان والعلاقات الاجتماعية بطريقة رمزية دون الإشارة الواضحة للأسباب السياسية.
ج – نص مبهم لا تفهم شيئا عند قراءته فبدا مجرد تراكم أحداث أفقي وإنشاء غامض لا تستطيع قراءته كروايات طه حامد الشبيب(18) وروايات أحمد خلف(19) نصوص تروي أحداث باهتة غامضة لا تقول شيئاً.
الروائي تحت ظل الدكتاتور يعاني لحظة الكتابة من رقيب داخلي خوفا، فالكلمة محاسبة وقد تؤدي إلى حتفه كما حدث للروائيين محمود جنداري وحسن مطلگ، مما أبهت النص وجعله يتناول كل ما هو غير جوهري في التجربة منشغلا بتفاصيل غير مهمة، تاريخ قديم، هموم اجتماعية عادية لا محل لها وسط مواجهة الموت اليومي، حكاية لا تمت إلى الواقع بصلة، مما أثر على الصوغ الفني فبدت واهية البنية، مرتبكة الصوغ، غير ناضجة يستطيع القارئ أو الباحث أن يجدها في الكم الهائل من الروايات التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية الرسمية في تلك الفترة مما لم نُشِرْ إليه لضيق المساحة.
2 – نص مكتوب في المنفى
بالمقابل نشأت وتطورت الرواية العراقية في المنفى منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي بوتيرة سريعة بلغت ذروتها في بداية الألفية الثالثة وعادت من السعة بحيث تحتاج إلى من يتفرغ لمتابعتها، إذ من الملاحظ عدم وجود ناقد أو دارس عراقي متخصص يتابع هذه الظاهرة المهمة، وما كتبه بعض النقاد عنها يعد مروراً خجولا أمام الكم الروائي الذي صدر ويصدر(20).
ومن سمات نص المنفى:
أ – أنشغل النص في تقليب محنة العراقي زمن الدكتاتور والحرب، إذ وفرت فسحة الحرية في المنفى كتابة نصوص واضحة وصريحة عن عذابه وخوفه وهلعه ومقاومته ومعاناته وهو يواجه الموت يوميا، نصوصاً كان من المستحيل كتابتها في ظروف العراق وقتها، كنصوص كلٍ من: شاكر الأنباري(21) في رواياته، الكلمات الساحرات، ألواح، ليالي الكاكا، بلاد سعيدة، نجمة البتاوين. جنان جاسم حلاوي(22) في رواياته، ياكوكتي، ليل البلاد، دروب وغبار، أماكن حارة. عالية ممدوح(23) في حبات النفتالين، الغلامة. سلام عبود(24) في أمير الأقحوان، ذبابة القيامة. نجم والي(25) في الحب في حي الطرب، مكان أسمه كميت، تل اللحم، صورة يوسف، ملائكة الجنوب. زهير الجزائري(26) في حافة القيامة، الخايف والمخيوف. سليم مطر(27) في امرأة القارورة، التوأم. فاضل العزاوي(28) في آخر الملائكة، الأسلاف. حمزة الحسن(29) في سنوات الحريق، الأعزل. سنان أنطوان(30) في إعجام، وحدها شجرة الرمان. محمود سعيد(31) في نهايات النهار، قبل الحب.. بعد الحب. برهان الخطيب(32). وكاتب هذه السطور في رواياته(33)، رؤيا الغائب، الإرسي، الحياة لحظة، في باطن الجحيم.
وجلَّ هذه النصوص تناولت العراقي من خلال روايات السيرة الذاتية للكّتاب الذين خاضوا غمار تجربة الاعتقال والحرب كجنود أو ثوار، أو من خلال العودة إلى تاريخ العراق القريب لمعرفة مسببات ما آل إليه العراق من خراب وتدمير وسنتناول نماذج منها أيضا، فكانت سجلاً أدبيا حياً لتاريخ العراق الحديث صورت ما تتحاشاه كتب التاريخ المهتمة بتدوين الأحداث العامة وتداعياتها ومذكرات السياسيين التي تحاول تجميل ما يحدث وتجاهل عذاب الفرد.
ب – أضافة ثيم جديدة للنص الروائي العراقي والعربي؛ فلأول مرة تتناول النصوص تجارب الجندي العراقي وعذابه أثناء خدمته في المؤسسة العسكرية زمن السلم والحرب، إذ كان هذا الموضوع من تابوات الكتابة في الأوطان العربية إلا من زاوية الدفاع عن الوطن كما هو حال النص المكتوب تحت ظروف الدكتاتورية في العراق، أو ما كتب في أعقاب حزيران 1967 عن معاناة الجندي العربي وعذابه لخسارته الحرب مع إسرائيل. بينما كشف النص العراقي همجية المؤسسة العسكرية التي قادت العراق إلى الخراب، وهذا ما سنلقي الضوء عليه لاحقا في قسم البحث التفصيلي.
ج – العديد من النصوص تناولت محنة المنفى والغربة بعد تشرد أكثر من خمسة ملايين عراقي موزعين في بقاع العالم يعيشون في محيطات ثقافية غريبة عليهم أدت بالضرورة إلى زعزعة واضطراب القيم والعادات والتقاليد التي يحملونها من بيئتهم الثقافية، ومعاناة جيل وُلِدَ وكبر في المنفى له همومه المختلفة.
صدرت العديد من الروايات تيمتها الجوهرية مأزق المنفى وتداعياته الاجتماعية والنفسية من أبرزها؛ رواية عندما تستيقظ الرائحة(34) لدنى طالب. أقمار عراقية سوداء في السويد(35) لعلي عبد العال. موطن الأسرار(36) لشاكر الأنباري. المحبوبات(37) لعالية ممدوح. تحت سماء كوبنهاجن(38) لحوراء النداوي. زنقة بن بركة(39) لمحمود سعيد. هذه الثيمة ونماذجها لا يتسع الحيز المسموح لنا في هذا البحث بتناولها.
د – الحرية التي تمتع بها الروائي العراقي والاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية والإطلاع على أنماطها الثقافية ولغاتها انعكس على لغة وبنية النص الروائي وبالتالي أسلوبه إذ عاد واضحاً لا غموض يقتل المعنى فيه، متنوع الأساليب والصوغ الفني المتراوح من بنية نص تقليدي إلى قصى أشكال التجريب.
هـ – تَمَيّز النص الروائي العراقي في المنفى لا بتجاوز التابو السياسي فحسب بل حفر في تابو الأعراف والتقاليد والقيم العراقية الشكلية المبالغ في صرامتها فجاءت النصوص جريئة كشفت عن تكوين الشخصية العراقية المزدوجة بين ظاهر عنيف شديد التمسك بالقيم وداخل يبيح الكبائر نجد ذلك في الضلع(40)، وأصغي إلى رمادي لحميد العقابي. الغلامة(41) والتشهي(42) لعالية ممدوح. يا كوكتي لجنان جاسم حلاوي. وأقمار عراقية سوداء في السويد لعلي عبد العال. عندما تستيقظ الرائحة لدنى طالب. الإرسي والحياة لحظة لكاتب هذه السطور.

الحرب والعراقي الباحث عن الخلاص في روايات السيرة:
في التطبيق العملي سنتناول في البدء بعض تجارب الكّتاب الذين خاضوا تجربة جبهات الحرب في نصوصهم التي جاءت كشكل من أشكال السيرة الذاتية الروائية، أو رواية مستمدة من تجربة كاتبها الحية، ولضيق المجال سأتناول نماذج منها، وهذا لا يعني أن النماذج التي سوف لا أتناولها أقل أهمية بل أنها تحتاج إلى بحث منفصل.
تشترك النصوص الروائية العراقية المكتوبة عن الحرب من قبل جيل الكتاب الذين سيقوا إلى الجبهات كجنود ورأوا أهوالها، ثم هربوا ملتحقين سراً بالحركة المسلحة في جبال العراق أو هربوا إلى دول الجوار في بنية الشخصية الروائية فهي شخصية مسالمة تبتلي بخضم صراعات سياسية دموية، تبدو شبه قدرية بين السلطة والمعارضة، السلطة والناس، ثم الحرب التي أشعلتها السلطة مع إيران والكويت، هذه الشخصية الدرامية التي لا تبغي من الدنيا غير السلامة ـ قاسم مشترك الشخصية العراقية منظوراً إليها من زاوية حيادية غير أيديولوجية ـ تجد نفسها في الاحتدام العويص تسلك سلوك الطريدة الفارة من موتٍ يلوح أينما حلت، هذا الاستنتاج تبلور بعد تراكم العديد من النصوص لكتاب مختلفين تشترك بنفس نمط الشخصية الروائية وهي تسرد لنا تجربتها في المخاض المذكور والتي تبدو من خلالها أن مجرد استمرار وجودها الفيزيقي يعد أعجوبة. الشخصيات الروائية التي أشرت إليها حكايتها هي نفس حكاية كاتبها، الجندي في الجبهة، أو الذي على وشك السوق والذي تدبر بهذه الطريقة أو تلك أمر هروبه إلى ما كان يظن به بر أمان سواء إلى الثوار في الجبل أو إلى إيران عبر خطوط القتال، أو يقع أسيراً لدى الحركات المسلحة في جبال العراق.
وتشترك أيضا في أن التخييل الروائي ينهض وينبني من تجربة فعلية لكاتبها فيلملم الواقعة الحقيقية بانتقاء ما يصلح من عناصرها ويولفها في وحدات سردية تؤلف جسد النص وتخلّق ثيمته.
أولا:
رواية – ليل البلاد –(43) وتصوير جحيم العراق بالكلمات
رغم أن الكاتب حاول من خلال السرد بالضمير الثالث وتعمد حشر أسمه في متن النص، بالتعليق على الشخصية واحتمال أن يكتب عنها كاتب مثل ـ جنان جاسم ـ رواية مستقبلاً، للإيحاء بحيادية الراوي، لكن وجهة نظر السارد وبنية النص والشخصية وطبيعة مسار الحكاية الروائية والهوامش الكثيرة التي ترسم خريطة الأمكنة جغرافياً، واللهجة لغوياً، كل ذلك جعل من النص سرداً لسيرةٍ ذاتية مستعادة لاحقاً لتجربة مبدعٍ نجا من موتٍ أكيد، ومن هنا تأتي أهمية نصوص جنان جاسم الروائية. فما يميزها هو الصدق في الكتابة وحرارة تجربته الدرامية التي خاضها بما تحمله من مخاطر؛ موت واعتقال وجوع وعذاب وتشوه، حتى أنه تخيل ما يصير إليه لو فشل في عبور دجلة إلى الضفة السورية في أواسط ثمانينات القرن المنصرم كما حدث لشخصيته المحورية ـ عبد الله ـ الذي يسقط في اليأس والخواء إلى حدود عودته سراً إلى البصرة وإلى بيت أهله الذي وجده خراباً ليمكث فيه كائناً مشوهاً بوجهٍ أحاله حريق القصف إلى ما يشبه قطعة بلاستك تجمدت بعد أن أذابتها النيران في سرداب تحت بيت الطفولة المهدم لحين دخول القوات الأمريكية مدينة البصرة في حرب الخليج الثانية، فيخرج لتفزع من هيئته الممسوخة جنود الاحتلال الذين لا يجدون سواه في البصرة الخاوية. 
بنية النص تقليدية أي أن الكاتب سعى لبناء الحكاية بشكل متدرج له بداية واضحة ووسط ونهاية بفصول الرواية البالغة سبعة وثلاثين وخاتمة، التي هي حكاية العراقي ـ عبد الله ـ فنجده في الفصل الأول يعود إلى أهله في البصرة بصحبة عاهرة كردية التقطها من ساحة الميدان، وجلبها معه مدعياً أنها خطيبته، ونعرف أنه سيق جنديا إلى جبهات الحرب بسبب طرده من الكلية لكثرة غيابه، في الفصل الثاني تفاصيل مراجعته إلى دائرة التجنيد في البصرة، وفي الفصل الثالث سنلاحق تفاصيل التحاقه بمركز التدريب من الحلاقة واستلام الملابس وطريقة الأكل ووصف الأبنية، القاعات والسجن وأوقات التدريب والنزول، في الرابع نطل على عالم سجون الوحدات العسكرية العاج بالمتمردين من هاربين ولوطيين وأشباه مجانين وما يجري من تفاصيل ضرب وقتل وحالات عشق بين المسجونين كما حدث في الفصل الخامس حينما يقتل أحدهم زميله بسبب صبي جميل يتنازعان عليه. وهكذا تتدرج حكاية الرواية حتى نهايتها المأساوية بعودة ـ عبد الله ـ المشوه شبه المجنون إلى البصرة التي استحالت خراباً حسب منطق النص.
يرسم لنا السارد بالضمير الثالث تفاصيل دقيقة عن حياة العراقيين البائسة المسوقين قسراً كجنود في مؤسسة تدير القسوة والقتل حيث يجري نزع كرامة الجندي بممارسة القسوة بمعناها المطلق الراسخة في المؤسسة العسكرية العراقية بنظام عقوبات وَهَرمٍ مخيف يجعل من الجندي يشعر بضآلته، هذا ما شعر به عبد الله وهو في دائرة التجنيد قبل سوقه، وفي الوحدة العسكرية حينما يسجن لمخالفة واهية، فيُضربون بقسوة وكأنهم أعداء. ويقوم ضابط الخفر بسحقهم تماماً في مشهدٍ مرعب بقسوته:
( فرز عبد الله وأوقفه حذاء الحنفية، جنب المرحاض، ثم فرز جندياً آخر هو حسين أنجيلا وأوقفه حدّ عبد الله.. صرخ: استرح! .. استراحوا.. استدار وسحب قطعة الخيش التي تستر المرحاض، وأمر: خطوة إلى الأمام!. تقدم عبد الله وحسين خطوة واحدة. ـ أركعا!. ركعا. : ضعا رأسيكما في المرحاض!. ترددا، سارع أحد شرطة الانضباط داخلاً ليدوس، على التوالي، ببسطاله على ظهريهما حاشراً جسديهما، دافعاً إياهما صوب الفتحة العريضة المملوءة خراءً، حيث يتغوط السجناء على جانبيها أيضاً، جعل عبد الله يتقلص ويتقيأ، فيما الشرطي يضغط ببسطاله على رأسه المدسوس الآن تماماً في الفتحة المرحاضية ) ص89
يُجَرد الجندي في المؤسسة العسكرية من بقايا كرامته، متحولاً إلى كائن مفزوع ينفذ الأوامر بدقة خوفاً من أنظمة العقاب الرهيبة قبل أن يدفع به إلى الجبهة.
في المفصل الثاني من الرواية ينتقل بنا السرد إلى تفاصيل ما يجري في جبهات الحرب من معارك دامية ملاحقاً حركة ـ عبد الله ـ في الخنادق ومصوراً بدقة صور الموت والأنين والأجساد المتروكة عقب هدوء المعارك في الخنادق والعراء:
( إن ما روعه فعلاً هو منظر الجثث التي ما أنتبه إليها في الظلمة. كانت الأجداث البشرية مرمية بعضها فوق بعض مقطعة الأوصال، فضغط قنابل المهداد وشظاياها مزقها ودمجها فبدت جسماً واحداً برؤوس وأذرع مشمورة إلى كل ناحية يشدها الدم والتراب والطين والملابس الكاكية المخزوقة والخوذ المخسوفة والمثقوبة والرشاشات المكسورة ونصف المطمورة) ص 166.
تتلاحق الفصول عارضةً أدق التفاصيل في حياة جنود الجبهات اليومية وقت اشتداد المعارك وهدوئها، مضمناً العديد من بيانات القيادة العسكرية العراقية التي تبث بحماس عن سير المعارك مسجلا بالتفصيل أهوال الحرب العراقية الإيرانية. هذه الفترة مفصلية في تاريخ العراق ساهمت بتشويه الإنسان العراقي وبدلت مصائره وما مصير ـ عبد الله ـ المأساوي سوى التعبير الفني لهذه الثيمة التي جسدها الكاتب في نسيج ليله الطويل.
في المفصل الثالث من النص ينتقل بنا السرد إلى أجواء حركة المعارضة المسلحة اليسارية والتي خاضت الكفاح المسلح جنباً إلى جنب الحركة القومية الكردية من خلال وقوع الشخصية المحورية ـ عبد الله ـ أسيراً لدى الحركة المسلحة بعد نقله بسبب إصابته، من جبهات القتال إلى شمال العراق فنطل على تفاصيل حياة رجال الفصائل المسلحة موثقا لتاريخ معارك دامية جرت بين فصائل الثوار أنفسهم التي حدثت في عام 1983 بين جماعة جلال طلباني ( رئيس الجمهورية الحالي) من جهة ومسعود البرزاني (رئيس ما يسمى إقليم كردستان ) والشيوعيين من جهة أخرى. يجد ـ عبد الله ـ نفسه وسط تلك الأهوال تائهاً مطارداً بين الثلوج ـ كحاله في الجبهة عندما يضيع عن وحدته ـ إلى أن يعثر على الشيوعيين في إحدى قرى إيران الحدودية. يصاب في المفصل الختامي بقصفٍ جوي على مواقع الثوار فيتحول إلى مسخ. ثم يفشل في عبور دجلة بعد أن قرروا بعثه إلى موسكو للعلاج. فيتسلل عائداً إلى البصرة ليعيش شبحاً بين أنقاض بيت طفولته في المدينة الخربة.
يتميز أسلوب ـ جنان جاسم ـ الروائي بعنايته الشديدة بالتفاصيل القادرة على احتواء تجربة كبيرة إلا وهي محنة العراقي المساق قسراً إلى حرب لا يدري لماذا أشعلت، معتمداً على الوصف والسرد بشكل كبير فجاء الحوار شحيحاً ذلك يعود في الأساس لوجهة نظر السارد الملاحق لشخصية محورية واحدة.
هذا الأسلوب يناسب عالم الكاتب المعني بشكلٍ أساسي بعلاقة الشخصية بالعالم الخارجي والمكان وملاحقة حركتها وفعلها دون تحليل لعالمها الداخلي فبدا السرد ورسم المكان والشخصيات أقرب إلى روح فنان تشكيلي منه إلى عالم نفسي، وهذه من أهم ميزات أسلوب ـ جنان حلاوي ـ ومن أسرار جماله الآسر.
الرواية وثيقة بالغة الأهمية لفترة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر عنت بالأحداث الخارجية ومصائر الشخصية العراقية المعيارية التي ابتلت بمحنة الحرب والسياسة، وهي رواية ميدانية أن صح التعبير بتكريس سردها ووصفها لتفاصيل المكان والبشر في مفاصلها الثلاثة التي افترضتها 1- المدينة زمن الحرب، 2- جبهة الحرب الميدانية، 3- رجال العصابات في الجبل. تعري لصدق تجربتها النصوص التي مجدت قيم الموت والقتل الصادرة في فترة اندلاعها، وهذه إحدى أهم رسائل الرواية في علاقتها المعقدة مع التاريخ.
ثانياٍ:
“أصغي إلى رمادي”(44) ومحنة العراقي منذ الطفولة
حميد العقابي في نصه الروائي – أصغي إلى رمادي والذي عنونه عنوانا جانبياً ( فصول في السيرة) يذهب إلى أبعاد جديدة من تجربة العراقي الذي يهرب من جبهات الحرب، إذ يتأمل تجاربه في الطفولة، النضج، السوق لجبهة الحرب، الهروب عبر الثوار في الجبل إلى دول الجوار، حياة معسكرات اللجوء في إيران، ثم حياة المنفى. فيبدأ النص بسؤال عن معنى الذات ووجودها، إذ يتساءل الكاتب وهو في الطائرة العائدة من دمشق إلى الدنمرك:
ـ هل اكتشفتُ نفسي؟. ما الذي أبغيه؟ حقاً ما الذي يبغيه هذا الكائن الكامن فيّ؟. ما الذي يبغيه الإنسان في حياته؟.
هذه الأسئلة الجوهرية مفتاح النص الذي أمسكه الكاتب وهو يشرع بتدوين تجارب حياتية مرت به في رحلة عذابه الطويلة ابتدأت بطفولة مؤلمة في محلة شعبية بمدينة – الكوت ـ جنوب العراق وتحت سلطة أمٍ قوية متسلطة وأب ضعيف مسكين ومراهقة مكبوتة في ظل قيم بيئة شديدة التحفظ، صارمة، ثم خوض التجربة السياسية بالانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي سرعان ما قمعته السلطة بعد تحالف قصير في سبعينيات القرن الماضي. سيخسر أخاه الكبير – مهدي – الذي يضيع إلى الأبد في الزنازين. ثم سوقه جندياً في جبهة الحرب مع إيران وأهوال تجربة سائق دبابة عراقي في معارك شرسة، وهروبه إلى إيران عن طريق شمال العراق ليدخل تجربة أكثر مرارة في معسكرات اللاجئين الإيرانية الشبيه بأنظمة السجون. فيذوق المر والويل وسط اللاجئين العراقيين المنسيين في تلك المعسكرات. يحاول الهرب إلى أفغانستان فيقع بأيدي الحركات الأفغانية المسلحة المعارضة لسلطة – كابل – الشيوعية آنذاك. ويسلم إلى رجال الحدود الإيرانية لُيُعاد إلى نفس المعسكر بعد فترة سجن. فيظل يحلم ويعمل على الخروج من دوامة إيران المخيفة بالتشبث بمن ينجح في السفر إلى سوريا.. فينجح هو الآخر لكنه لا يمكث فيها سوى ستة أشهر ليسافر بوثيقة مزورة إلى الدنمرك.
قسّمَ الكاتب الرواية إلى اثني عشر فصلاً لها عناوين، وبنية كل فصل لها ثيمتها التي يدور السرد والأحداث حولها، مثلا فصل ـ بزون ـ عن علاقة السارد ورؤيته للأب الضعيف الشخصية الذي يلطم كلما وقع بمطب وما عاناه من زملاء الصف ومعلم الإنكليزي الذي يجعله يجلس تحت الرحلة متسائلاً باللغة الإنكليزية عن مكان وجود القط ومنتظراً جواب التلاميذ وضحكهم وهم يشيرون نحو قرفصته تحت الرحلة. وتفاصيل هذه الشخصية التي ستكون عاملاً في بلورة مشاعر حقد وعداء نحو المحيط، سيعاني منها السارد لاحقاً، وستطبع سلوكه كما أكتشف هو نفسه لاحقاً أثناء استعادة تلك التجارب بالسرد ففي الفصول الأخرى يتأمل ويحاور مقولة ـ بارت ـ عن تواضع المبدع بينما هو لا يرى في الإنسان لأول وهله إلا العيوب قبل الجوانب الأخرى. سيصبح حاد الطبع، يسخر من الآخرين. وكأنه ينتقم من الحيف والسخرية التي ظلت تلاحقه منذُ الطفولة بسبب أسم أبيه ـ بزون ـ . حتى بلغ به التشفي إلى عدم حضور جنازته رغم سماعه الخبر بل فضل البقاء في بغداد حيث كان يدرس بجامعتها. وكذلك الأمر مع بقية الفصول. عدا أن بعض الفصول تدور حول شخصيات أخرى مهمة لها تجربتها الحياتية ومدلولاتها الرمزية المستقلة عن الكاتب فمثلاً فصل ـ شمعة ـ القابلة الغريبة الأصل العارفة أسرار المحلة وما يدور حولها من أساطير شعبية عن زوارها السريين وكيفية فقدان إحدى عينيها وعن مساعداتها للنسوة الفاقدات أزواجهن في المعتقلات والجبهات في سرد يمزج الواقعة بموروث الحكاية الشعبية تلك الرحلة لشمعة وغورها في الرمل لتولد امرأة أميرة تعيش في باطن الأرض وعودتها وكأنها زارت الحلم، ثم تفاصيل اعتقالها والإفراج عنها وتهكمها على مدير الأمن الذي ولدتهُ خنزيراً، ثم لتتحول باختفائها الغامض إلى رمز من رموز المدينة المنتهكة التي أجبرت خيرة أبنائها على الهجرة.
في مستوى أخر من السرد يتناول في فصل ـ عادل عرس ـ تفاصيل شخصية مأساوية تعرف عليه في معسكر اللاجئين في إيران شخصية حالمة تقرض حياتها في البؤس والحلم في تغيير العالم، تارة بتأليف حزب سياسي يقتصر عليه ولاجئ أخر في المعسكر على طريقة ماركس. ثم السخط على العالم والآخرين الذين أفشلوا المشروع، وتارة في حلم السفر إلى أوربا وكتابة رواية عظيمة ستغير بدورها العالم فيحاول الهرب في أحدى البواخر الراسية في ميناء ـ بندر شاه ـ يختفي هو وصاحبه ثلاثة أيام وعندما يخرج يكتشف أن الباخرة لم تغادر الميناء، فيلقى القبض عليه ويسجن ثمانية أشهر قبل أعادته إلى نفس المعسكر. ثم بعد نجاحه في الوصول إلى الدنمرك يزوره الراوي فيحدثه – عادل – عن روايته التي يعكف على إنجازها لكنه يموت بالسكتة القلبية في مدينة – ارهوس – الدنمركية، والسارد يروي حكايته وهو يقف بباب المستشفى لاستلام جثته.
في فصل ـ الرسام والفرشاة ـ نتعرف على حكاية الرسام العراقي الشاب الذي التحق بالمقاومة الفلسطينية ليعود بعد مذبحة أيلول الأسود وينتحر بعد معاناة وجودية يجد بها السارد شجاعة تفوق قيمة الشهيد الذي يفني ذاته من أجل فكرة طمعاً في الخلود بالنسبة للمتدين والمجد بالنسبة للمادي. هاتان الشخصيتان هما ظلال السارد الذي يعترف بعجزه المطلق، إذ يسخر طيف الرسام المنتحر بعد أكثر من عشرين سنة من الراوي حينما يجده متزوجاً.
بنية النص مبتكرة حطم فيها السرد المتدرج فالحكاية كلها تأتي كقصة متناثرة في الفصول المستقلة الثيمة والمبنى عدا ذلك التنقل الحر بين الأزمنة كما في الفصل المُتَخيل الأخير المعنون ـ بلييم ـ الذي يتخيل فيه – الكاتب – شيخوخة الحكيم في عودته المتأخرة إلى مدينة الطفولة، أو في تنقله المنساب من لحظة الطائرة في مدخل الفصل الأول ـ المسبحة ـ وهو في طريقه من الدنمرك إلى دمشق إلى تفاصيل معارك جبهة الحرب العراقية الإيرانية التي خاضها كسائق دبابة إلى الطفولة وتفاصيل المراهقة والتلصص على بنت جارهم القصاب التي تُقتل لاحقاً غسلاً للعار. هذه الطلاوة والخفة في التنقل وتحطيم الزمن الفيزيقي جعل من النص فنياً يتطابق مع هدفه كونه نصاً تحليلياً لذات السارد التي كانتها في رحلة استكشاف وهو يراجع الماضي حيث يجد أن بعض الأحداث الصغيرة لها عواقب لم تكن متوقعة وقت حدوثها، وكان لها الأثر الأكبر في بنية الذات وذلك عند تأملها في فعل الكتابة وهي تسجل تغييرات النفس حينما تمر من الطفولة إلى المراهقة والنضج، ثم الكهولة، كتابة السيرة لا تقدم صورة ثابتة لحياة كاتبها، إذ أن الأحداث التي سردها ـ الراوي ـ تتغير قيمتها وفعلها حينما ينظر إليها في خريف العمر. فالسارد يشعر بالندم بعد أكثر من عشرين عاماً لمشاعر التشفي برحيل أبيه فيشعل شمعة لروحه في صحن السيدة زينب ـ ع ـ بصحبة زوجته ويذرف دمعة.
لغة الكاتب رشيقة بسيطة واضحة وشاعريتها تأتي من غنائية الحالات الإنسانية التي تشكل مادة السرد، أن ما يجعل الكتابة حيوية ليس فقط مراعاتها للغة والنحو كشروط حرفية فحسب بل من طبيعة انتقاء الأحداث وزاوية نظر السارد التي تقنع القارئ أن ما يسرده من أحداث وتفاصيل تهمه مثل تهم كاتبها وهذا ما فعله حميد العقابي.

ثالثاً: – نجمة البتاوين –(45) توثيق الخراب العراقي بعد الاحتلال

أما شاكر الأنباري فيشترك مع جنان حلاوي وحميد العقابي بالتيمة نفسها والمواضيع نفسها وبرؤية متقاربة لكن لها خصوصيتها.
في روايته الأخيرة “نجمة البتاوين” يخوض الروائي في أجواء بغداد زمن احتدام الحرب الطائفية أعوام 2006 – 2008 وسيادة سلطة المليشيات، من خلال اختيار مجموعة شخوص من الوسط الصحفي والثقافي يلتقون في شقة مستأجرة في – البتاوين – وسط بغداد يدعونها – النجمة – يلتقون فيها للحوار والشرب وممارسة الجنس مع عاهرة تدعى – أحلام – عادت تزور الشقة بانتظام، والشخصيات هي الشخصية المحورية – زاهر- وهو صحفي وكاتب عاد من المنفى عقب الاحتلال متزوج من سورية ولديهما طفل يسكن مشتمل مستأجر في شارع فلسطين، وعمران مهندس أصبح مقاولا متحمسا للوضع الجديد متزوج ولديه عشيقة يستأجر لها شقة في – البياع – وهو صديق – زاهر – من أيام دراستهما الجامعية، و – أبو حسن – صاحب مكتبة في – شارع المتنبي، و – علي محمد أمين – شاعر وصحفي صعلوك يَحِلْ زاهر مَحلهُ في تحرير الصفحة الأخيرة من جريدة – السلام – التي أسسها – سعيد عبد الكريم – الذي عمل معه – زاهر – في دمشق قبل الاحتلال، و – ربيع المحمدي – مصحح متزوج عمل أبان الحصار زمن الدكتاتور في ليبيا واليمن، مما أمّنَ له بيتا، لديه أبن في الدنمرك، وأخر في أربيل خوفا من القتل الطائفي. وشخصية – سهى – صحفية عراقية تعمل معهم في القسم والجميع يشتهيها.
يمهد الروائي في الفصل الأول بادئا من لحظة اختطاف عمران من قبل المجاميع المسلحة، ومقتل – أبو حسن – في تفجير شارع المتنبي الشهير فيرسم صورة شاملة للوضع في بغداد ولأحوال المجموعة مرصعة بتأملات في الشر الناهض من التاريخ الدموي العراقي ومضاعفات العنف الذي رسخ في نفس – زاهر- وهو يرى قتلى الحرس القومي 1963 الذين جلبوهم إلى قريته دون أن يعرف سببا لذلك الموت ص11، فيقوم بتأمل الشخصية العراقية ومحاولة معرفة أسباب تحولها إلى شخصية همجية تقبل على القتل والاختطاف والسلب عازيا ذلك إلى تراكمات الحقد والآثار النفسية لرؤية القتل والإعدامات في حروب الدكتاتور، وفقدان أبسط مستلزمات الحياة زمن الاحتلال، العمل والخدمات ص12
بين مدخل النص وخاتمته يأخذنا السارد إلى عوالم بغداد وتفاصيل أمكنتها الخربة في زمن النص، واصفاً في مقاطع طويلة أحوال شارع الرشيد والسعدون والبتاوين، مستعيناً بما كُتِب عن بغداد وشوارعها في الكتب. فوفرَّ هذا التوظيف عمقاً تاريخياً للأماكن التي يصفها الراوي. والنص في العموم مهموم بوصف الأمكنة وتفاصيلها الصغيرة وهي سمة عامة لجهد الكاتب في تجربته الإبداعية.
ولما كان النص مهموما ومكتوبا، من أجل الإحاطة بما يجري في بغداد، وقت القتل على الهوية، والتي عمل الاحتلال الأمريكي على ترسخيها، تمهيدا لبناء العراق الطائفي الجديد، فقد تكررت الكثير من الأوصاف والسرد، المعني بالخراب من أوساخ وذباب وتهّدم الجدران، مما جعلها تنأى عن تصوير التفاصيل النفسية للشخصيات.
من التفاصيل المهمة الكاشفة لطبيعة الرجل العراقي ونظرته إلى المرأة، علاقة زاهر، ومحمد، وربيع بزميلتهم – سهى – النموذج المتنور للعراقية المقاومة لمحاولة تكبيلها، صحفية ناجحة ترفض ارتداء الحجاب ومهددة من قبل المليشيات المتشددة بحيث يخشى زملاؤها الخروج معها في مهمات عمل. رغم أفكار التنوير التي تلهج بها المجموعة طوال النص، والموقف من الاحتلال وقوى الظلام، ورغم حديثها عما تعانيه المرأة العراقية إلا أن الثلاثة يحاولون الإيقاع بها. – ربيع – المتزوج والأكبر سناً تبلغ مدى شهوته حدود انتهاكها في مخيلته؛ إذ يقوم بممارسة العادة السرية في تواليت الصحيفة عليها مرة، وأثناء سكره في الغرفة المجاورة لزوجته، و – علي – الشاعر لا يختلف عن ربيع بشيء، أما – زاهر – فيلعب لعبة أكثر حذقا فيقوم باستدراجها ليضاجعها في مكتب صديقه المقاول – عمران -، وهذا الحادث يكشف جانبا أخر من وضع المرأة العراقية المأساوي والشائع سرا إذ يتبين أن – سهى – غير عذراء. هذه الناحية في النص أجدها مهمة جدا تكشف الجانب البشع والمعتم لشخصية الرجل العراقي والذي يفسر طبيعة المجرم والقاتل، ففقدان الضمير والشعور بالإثم من أهم الأسباب التي تمكن القاتل من قتل ضحيته دون الشعور بالإثم، وبهذا المعنى فـ – زاهر- هو أيضاً قاتل بامتياز، فهو لم يشعر بالإثم مطلقا لمضاجعته – سهى – بل كان حريصا على عدم التعلق بها، واعتبارها أداة متعة. وكان حريصا على أن لا يختل نظام حياته كما يفعل القتلة والخاطفون، الذين لهم حياتهم العائلية الطبيعية، وهذا ما صوره لنا تقرير – عمران – عن ظروف خطفه والأمكنة التي حلّ فيها، حيث حُجِز في بيت فيه أطفال وامرأة تخبز يعني حياة تجرى على سجيتها.
بنى الروائي كما ذكرت روايته على حبكة تقرير عمران الذي أخبرنا في جملة النص الافتتاحية ( أختطف عمران المهندس في الخريف) ولم يخبر القارئ بتفاصيل التقرير الذي حمله معه وهو في طريقه إلى دمشق إلا في الفصل الرابع عشر.
العلاقة بين شخصيات الرواية بدت باهتة لا عمق فيها، فمقدار الألم الذي خلفه مقتل جليسهم صاحب المكتبة – أبو حسن – واختطاف – عمران – كان عاديا لا فاجعة فيه وكأنه جرى لغريبين وهذا يشي بأمرين:
الأول؛ أن العلاقات التي نشأت في هذا الوضع الشاذ ليست حميمة وليس فيها صداقة وعمق وهذا ما أفضى إلى ردة الفعل الباردة تلك، والثاني؛ إلى فقدان الشخصية المحورية – زاهر – لصداقات حميمة كما يصرح في جملة تعبر عن خلاصة تجربته بكون البيوت مثل الصداقات تخرب وتتبدل وهو مفهوم غير مطلق بل يخص طبيعة السارد وموقفه في الحياة ( فالصداقات مثل البيوت، كلما اكتملت في مكان سرعان ما تخرب، وتبنى في مكان أخر، سلسلة) ص16.
لكن ألا يعبر ذلك الموقف عن طبيعة الخراب الروحي العميق الذي أصاب العراقي في معمعة الحروب والقتل طوال نصف قرن؟.
وما أصاب العراقي المنفي من خراب داخلي ظهر جليا ببرودته وأنانيته من خلال سلوكه طوال رحلة النص؟!.
– نجمة البتاوين – من الأعمال المهمة المكتوبة زمن الاحتلال الأمريكي وتعد سجلاً تفصيليا وثقت فظائع فترة وجيزة في التاريخ العراقي المعاصر تعتبر من أشد فتراته قسوة.

… يتبع 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “سلام إبراهيم : الرواية العراقية رصدت الخراب العراقي في أزمان الديكتاتورية، والحروب والاحتلال وسلطة الطوائف (2/1)”

  1. صالح الرزوق يقول :

    اولا اود الاعراب عن اهتمامي بهذه الدراسة الشيقة و الثمينة. فهي عرض تاريخي مع وقفة تحليلية.
    و اغتنم الفرصة للدفاع عن القلعة الخامسة للعزاوي التي ظهرت طبعتها الأولى في دمشق عن اتحاد الكتاب العرب. فهي عمل واقعي طبيعي تغلب عليه الأفكار الرمادية. و يبدو لي العمل مثل قصيدة طويلة تشبه اهم اعمال عبد الحكيم قاسم المصري الذي وافاه الأجل في برلين.
    لقد جايلت هذه الرواية اعمال برهان الخطيب المبكرة و روايات محي الدين زنكنة الكابوسية. و مع هذه المحاولات رسمت اطارا شديد الأهمية للخلفيات التي كانت تتطور وراء الشخصيات و النص.
    و اعتقد انها اهم من الرجع البعيد للتكرلي. فالقلعة الخامسة ترسم شخصية عاقل و غير عاقل. بطل الرواية و السجن السياسي. و لا ترى فرقا بينهما.
    في حين لا تكف الرجع البعيد عن التنقل بين عدة محاور و اصوات و بلهجة محلية.
    و بالمناسبة ان برهان الخطيب هاجر في الستينات و ليس السبعينات و كان في اول جوقة او سرب من المهاجرين. و لا يزال متنقلا و متشردا و ينعكس ذلك على رواياته الأخيرة المتنوعة و المتلونة.
    اكرر رأيي ان هذه الدراسة الرصينة تحمل الكثير من المعلومات ووجهات النظر و شكرا.
    صالح الرزوق
    أبو ظبي

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"