كريم شعلان : إستحالات الروح بدورات الجسد
عن مجموعة (حينما ماء القلب) للشاعر خزعل الماجدي (ملف/1)

إشارة :
من المهم القول إنّ المشروع الشعري للمبدع والمفكر الكبير الدكتور “خزعل الماجدي” قد استبطن مشروعه الفكري التجديدي القرائي للحضارات القديمة – العراقية خصوصاً – منذ مجموعاته الشعرية ومحاولاته التنظيرية الإبداعية الأولى في نهاية السبعينات. وعلى هذه الأمّة أن تفخر بهذا المريد الصوفي السومري الذي أصبح مُعلّماً. تتشرف أسرة موقع “الناقد العراقي” بأن تُعدّ هذا الملف عن المبدع الكبير الماجدي وتتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق.

إستحالات الروح بدورات الجسد

عن مجموعة ( حينما ماء القلب )
للشاعر خزعل الماجدي

يمتاز الشاعر خزعل الماجدي بدقّته المتناهية في صياغاته الكتابية رغم إستفاضاته بالعموميات وتشعبه في تفاصيل تفوق المألوف من المتوفر لما يخص النواة التي يعمل عليها في إشتغالاته ، الا انه يحافظ على حفرهِ الدقيق في المساحة المرسومة التي تشكّل النواة ونقطة الإنطلاق الى إتجاهاته التي يدركها ويشير اليها . فهو لايعمل على كتاب الّا وقد استحضر سحره الخاص ، ذلك السحر المُلِم بتفاصيل الواقعة التي تقوده لفعل الشروع بالعمل الكتابي ، والتي غالبا تكون مشروعا شاملا خارج حدود القصيدة المنعزلة عن ثيمة الكتاب بالكامل ، فأغلب مجاميع الشاعر خزعل الماجدي هي في الحقيقة مشاريع حكائية متسلسلة تتواصل بمحور موحَّد، ولاتخرج عن الخط الاساسي في فكرة بلورة النصوص ، وتواجدها ، وظهورها على شكل كتاب متعاضد ، يعلوه عنوان يقود لكلّ تلك النصوص التي تنتمي بالنتيجة الى ذلك العنوان ، رغم اختلاف مناخاتها وموسيقاها وطرقاتها الفنيّة والاسلوبية .
لاحظتُ هذا الوهج الذي يتّسع ويموج ، كبحر لاينضب من أساطير ، وخيالات ، وحكايا ، وأحلام ، تتوحّد بنصوص باذخة بالبوح والاسترسال والشعر ، لاحظتها بعدّة مجاميع شعريه ، فضلا عن كتبه في بحوث عميقة في عوالم التأريخ والاديان والحضارات التي ميّزته كشاعر متفرّد من حيث توضيف كل هذه المعارف ومايقود اليها في نصوص شعرية مُتخمة بالاشارات والطلاسم ، والفكر الممتلئ بالشك ، والقلق ، والبحث .
في مجموعة ( حينما ماء القلب ) عن دار عدنان — ٢٠١٥ — يتجلّى نشيد خزعل المألوف والذي أشرنا اليه ، الا و هو الصوت المشترك الذي تؤديه النصوص المنفصلة في فصول الكتاب ، والمتعاضدة في وحدة الاداء ، ذلك الاداء المنوّع ، الذي يقود لهدف رئيسي يعرفه الشاعر ويشير اليه منذ شروعه بكتابة الكلمة الاولى .
ماء القلب ، هو سائل الذكر – الرجل – في الاسطورة السومرية ، وبهذه المكيدة اللغوية ، الأسطورية ، المُركّبة التي تقود لعلاقة الرجل بالمرأة ، الذكر بالأنثى ، الأم بالوليد ، الحبيب بالحبيبة ، الهو والهي بكلّ الإحالات ، يخرج الشاعر حاملا طقوسه وطلاسمه وأعاجيبه فيقود الى عوالم من وقائع وخيالات وافتراضات، موزّعة بين التكوين والولادة ، أو اليقظة والنوم ، أو العناق والتوحّد ، أو الجنون والشهوة . فيبدأ :
( ماء القلب هو المنيّ في الشعر السومري ، ومثلما ينزل المطر منيّا من السماء الى الأرض ، وهو المنّ أي الطلّ ينزل من السماء على الأشجار والأحجار ويحلو وينعقد عسلا ، كانوا يسمونه ( خبز السماء ) كذلك ( ماء القلب ) ينزل من السماء الرجل الى جسد الانثى فلا يعود جسدها كما كان وينعقد على خصب تفيض به روحها ….) .
وبمكيدةٍ حاذقة يمدّ الشاعر سنّارته في بحره المُتخيَل ـ ليصطاد مَن سيقرأ كلمته الاولى ليبلع الطعم ويغرق معه برحلة ولادة تستمر تسعة أشهر ، تسعة أشهر من الألتحام والذوبان والتكوين ، هي علاقة بين مكونين أساسيين في هذا الوجود الذي لا يعيه سواهما . مكونان تربطهما وشائج الحب بكلّ معانيه ، وتشكلاته ، وإفرازاته ،وعذوبته ، وغرائبيته .
( شممتُ أصابعي فجرا
ففاضتْ رائحتكِ
وتسلّقتْ زهورُ الموسيقا الجدرانَ
خطّ الذهبُ سماء على السقوف
واتّضحتْ اطارات النوافذ
تذكرتُ ان حياتي تمتدّ جنوبا
ولا جهات اخرى لها
لاكؤوس ولا ورود ولا اناشيد
تذكرت انها متاهة تعوزها الاشارات
شممتُ أصابعي
فنقرت ْرائحة أغوارك اشباحا فيّ
همتُ ثانية وأنا احمل المفاتيح
وأصعد الى ( فاترخ )
افتحُ ابوابها وادخل بلا نعلين
كأسي في يدي وفمي مخصّب
مَن مِن النساء أجمل من ( فاتار ) ؟.

بهكذا رائحة علقتْ باصابع الشاعر ، هي رائحة الانثى المنبثقة من اغوار ( فاتار ) الآلهة المُفترضة التي هبط عليها بكلامه وشهوته ومياهه التي تنشد الخصب ، يهبط بجيوشه الزاحفة المتكوّنة من الفارس والخيل والمطر والذكر والطفل الذي يينشد دورة استحالة الشاعر في شرنقة الحب ، حب العناق والذوبان بين أجساد تحاول الوصول لذروة الروح .

تسعة شهور هي رحلة التكوين ، ونقطة بداية إنطلاق ماء القلب ، لإستحالات متواصلة ، وهي ذروة الشاعر المرتجاة في عناقه الأزلي لانثاه ومسايرته لهذا اللغز المُتشكّل من سوائل وأعضاء وتأوهات وحروف ( هل هذا هو الشعر ؟ ) كأنني أسمع نبضاته تُكرّر السؤال ! سؤال يبدأ منذ بداية الواقعة ، ويقود لاسئلة متواصلة عن غرائبية هذا الغموض في حركة الأجساد وتشكّلاتها وعن لُغز اللذة المُحاطة بضلال وتيه وشكوك لها صلة ببداية التكوين وضبابية الآتي .

الشهر الأول ( بيضتك النابضة في المياه )

( وضع اللهُ طيورا في السماء
لكنه وضع طيرا مذبوحا في قلب الشاعر
هذا الطير
يجعلني ارتعش أمام جمالك
يجعلني أترنّح سكرانا أمام برقكِ
وضع الله جمرا في المواقد
لكنه وضع جمرتين في عيني الشاعر
هاتان الجمرتان تحرقان الليل
تشعلان القناديل
وتهزّان ظلام المدن
وتعبثان بالشجر الأصفر في خريفها
وضع الله خمرا في الدنان
لكنه وضع كرمة لا ينقطع خمرها على لسان الشاعر
هذه الخمرة تخصّب الغصون
وتهطل على كفوف العشّاق )
الشهر الأول هو لحظة الشروع ، والحرف الاول في قصيدة العناق والدخول لادوار استحالة رسمها الشاعر وجلس يراقبها بمطبخ الشعر حيث تنمزج حروفها على نار هادئة . يراقب نفسه مجروحا بهذا الشكّ ، وهذه الضبابية التي لايعي منها وجوده .

( وضع الله السَكينة في النفوس
لكنه وضع السكّينة في نفس الشاعر
وجعله مجروحا الى الابد )

الشهر الثاني ( ذراعان كالعرجون القديم )

( لم تذبل الزهور بعد في اعماقي
أسقيها كل يوم بمائك
وحين يمرّ موسمها
أسقيها بدموعي

لم تتصدع الابواق النحاسية
فقد نظفتها من الصدأ
ومسحتها بضوء القمر
لم تتصدع

لم تتفرّق الطيور ،
عندما هشّ عليها
فقد سكنتْ قربه لسنين طويلة
ووضع على رقابها الخيوط
وعلى اقدامها العلامات

كانتْ السماء تغطيني بشرشفها
والنجوم تصنع لي الخواتم
والغيوم ترشّني بالعطور
اما انتِ
فكنتِ تنامين في داخلي ).

الشهر الثاني لايختلف كثيرا عن اوّله ، لكنه اكثر وثوقا باغصانه التي اخذت تلوح بمخيلة الجذع الذي مازال جذرا .

الشهر الثالث ( اتهامس في جسدك )

في غيابكِ
اكون اكثر وجوما
وبي حاجة
لكي تثرثر احلامي بغزارة
هناك على وردة الساقية
اتفطر في برعمها

الايام التي هدّمتني هكذا
ليست اقوى منّي
فهي تمرّ عليّ بسرفتها الحديدية
وانا افوح برائحتك بعد مرورها

كذا هو الشهر الثالث ، رحلة قصيرة لها نصيب كثيف من ضبابية الشعر ونصوعه .

الشهر الرابع ( ينبوعها القريب من كلامي ، البعيد عن فمي )

( الخطوات اليك
تشبه التسلل
الى قمر في النهار

لماذا اراكِ
تسحبين مراكبكِ
بحبال من الدموع ؟

مارأيته فيكِ
كان نهرا
اين مركبي ؟

يداكِ ابتسامة فضة
سوف تأتي
سمعتُ الطيور تغنّي بصوتي
وقالتْ كلاما عجيبا
وقالتْ بانك
فيّ ، عليّ ، جواري ، جنبي ، معي )
الشهر الرابع ينطوي على الكثير في محاولات التشبه بالآخر ، بين اللمسات والوداعات وصورة الغرق بين كلمات الهجر والاقتراب والتشكّل استعدادا لمرحلة مقبلة .

الشهر الخامس ( في مياهك العميقة ارقد وحيدا )

( صوت المطر
يدفعني لصبّ النبيذ الاحمر في كأسي
والبكاء
لا اعرف سببا للبكاء
لكني ابكي
وارى نفسي
في مياهك العميقة وحيدا )
الشهر الخامس شهقة ، نسيتْ خاتمها ، وزهرة في البريد ، تهمس لي وما زالتْ .

الشهر السادس ( ترميني في نهرها الاسود وتروح )

لا بد من خمور كثيرة لهذه المائدة
لا بد من سجائر وكهنة يجيدون الغناء
لا بد من اقداح مصقولة وشموع كثيرة
لا بد من شموع تطفو على النهر
لا بد من شعراء يدونون ما حصل
يركع فمي

ساستدرج صفّ الملائكة
الى قباب صدرك
وسنرتّل هناك نشيدنا
ستكون الاشجارهائمة معنا
وستمرح الامطار بنا
ساستدرج النهر
يتخضّب ويصير غَمرا
ساصلي هناك
وسيركع فمي

يمضي الشهر السادس على غيمة القبل ويتمايل على نغمة العناق .

الشهر السابع ( نصفي الاعلى ونصفك الاسفل )

لو كنتِ جارتي
لقضيت الليل ساهرا
ارسم على الجدران
حتى تفتحي لي الابواب

لو كنتِ جارتي
لعزفت الليل كلّه
لكي لاتنامي
وتتركيني وحيدا

لوكنتِ جارتي
لغطّيت بيتينا
بغيمة واحدة لسنين
وجعلتها ترتفع بنا

ثمة دخان العرافة
اتعرفين طريقا مثل طريقي ؟
تغذيه الخرافات والاساطير والجمال الآفل الحزين
الشهر السابع ، مخاتلات وكؤوس وفراشات وماء كثير ، ماء اكثر من كلّ البحار في داخل الشاعر .

الشهر الثامن ( اسمعكِ بحنيني )

شهوات معلّقة على جدار

شيلي عنّي ثيابي
شيلي عنّي حزني
مابيّ حيل
شيلي غباري
ونظّفي الكون بكلامكِ
نظفي الليل بلسانك
شيلي عنّي الغيم
شيلي عنّي الصحو
العالم يتوقد بجمرك

تصفّحي كتاب حياتي

لاغلاف له
مزّقهُ اهل الظلام
مزّقه العبيد
الشهر الثامن لايمرّ ، انه شهر عصي على النسيان ، يغمره شعر ، اكثف ما احتوى الكتاب .

الشهر التاسع
( كلما اردت ان اكون مثل محّ القمر )
هذه الجملة الشعرية اعلاه ، جعلتني اتعثّر بالقراءة ، هي لغم في القصيدة الاولى من فصل الشهر التاسع ( الغواية الشاهقة ) و ( وعلام وضعت رأسي ) و ( أسماكي الصغيرة ) .

المحطّة الاخيرة ، او الفصل الحاسم في دورة استحالة الشاعر ، وعودته لطفولة أو ربما للنطفة ، أو ، هي رغبة بالتماهي في الانثى حدّ العدم .. عمد الشاعر على جعلها أيام الأسبوع ، وهي طريقة الماجدي في فهرسة موضوعاته في – كتبه – الشعرية
التي لاتعتمد على النصّ الواحد ، وانما هي اناشيد مُحكمة أشبه بالنهر الذي ينساب بلحن واحد تلتحم روافده بنصوص تتعالى وتنحدر مارّةً بتضاريس تتنوّع بايقاعاتها وجمالها .

كريم شعلان

تورونتو
shalank@yahoo.com

شاهد أيضاً

توفيق الشيخ حسين: قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر د. صدام فهد الأسدي (ملف/3)

اشياء تسقط في الذاكرة اشياء تصعد في الأشياء افياء يفضحها النور، واشياء تخنقها الظلماء احياء …

الدكتور صدام فهد الأسدي: أنا ملك الأحزان دون منافس وقد ابتليت مذ امتلكت يراعا
حاوره: حيدر الاسدي (ملف/2)

حيدر الاسدي / من هو صدام فهد الاسدي الإنسان قبل أن يكون شاعرا وأستاذا جامعيا؟؟ …

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *