وجدان عبدالعزيز : الشاعرة اسماء القاسمي، وصومعة التصوف..!

الشاعرة اسماء القاسمي،
وصومعة التصوف..!
وجدان عبدالعزيز

حينما تمعنت في نص الشاعرة اسماء القاسمي (تراتيل فكر/صومعة الليل) اخذني في مسارات عديدة في العمق الانساني، ومنها مسار التصوف في مجال البحث عن المعنى وحقيقة الحياة، فالتصوف علم جليل القدر، عظيم الشأن، نابع من مشكاة النبوة وتعاليمها، فهو تارة يأتي بمعنى الزهد، وتارة بمعنى الأخلاق، وتارة بمعنى الصفاء، وتارة بمعنى المجاهدة، وتارة بمعنى الاستقامة، وتارة بمعنى التسليم، وتارة بمعنى الإخلاص، وتارة بمعنى ترك التكلف، وكل هذا يدور حول معنى واحد، الا وهوتزكية النفس وجعلها كما يريد الحق عز وجل، وهذا هو التصوف الصحيح، ونص الشاعرة اعلاه اضاء لنا حالة الصفاء والاخلاص للذات في توجيهها، نحو كنه الحياة، وكنه النفس الانسانية، لذا يقول ابن عجيبة: (التصوف هوعلم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة)، والظاهر ان شاعرتنا عمدت الى تصفية البواطن، ومن الاقوال الجالية لقضية التصوف قول السهروردي : الصوفي هوالذي يكون دائم التصفية، ولا يزال يصفي الأوقات من شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس، ويعينه على كل هذا دوام افتقاره إلى مولاه، فبدوام الافتقار ينقي الكدر، وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفرّ منها لربه ، فهو قائم بربه على قلبه، وقائم بقلبه على نفسه، قال الله تعالى ” كونوا قوامين بالقسط “، وهذه القوامية لله على النفس هي التحقق بالتصوف، ومجال بحثنا في نص الشاعرة اسماء، وخاصة القسم الاول هوتراوح النص بين الشاعرية والسردية، حيث ظلت الشاعرة وفية لشاعريتها، رغم انها تنزع للوعي وادراك اضاءة المعنى، فالجزء الاول منه (تراتيل فكر)، حيث مال الى السردية النثرية، وشبهت نفسها بالليل، وقد تقصد جانبين: الاول الهدوء والاسترخاء، والثاني ويمثل العتمة والسواد، فاللون الاسود وهولون الغموض، كما أنّه اللون الذي يساعد الشخص في الوقاية والحماية من الإجهاد العاطفي، الذي يمكن أن يتعرّض له، حيث يخلق هذا اللون حاجزاً بينه وبين العالم الخارجي المحيط، فيوفر له الراحة ويخفي نقاط الضعف، وعدم الثقة بالنفس، وعادةً ما يستخدم الأشخاص اللون الأسود بطريقةٍ ما لإخفاء أمرٍ ما عن الآخرين، اما المجال، الذي جاء به نص القاسمي حمله للشعرية، فمازالت الشعرية تثير جدلا واسعا في الدراسات الأدبية الحديثة الغربية والعربية، بسبب اشتباك معانيها، وتنوع تعريفاتها، واكتنافها كثيرا من الالتباس، إذ تعد من مرتكزات النقدية الحديثة، التي تسعى إلى كشف مكونات النص الأدبي، وكيفية تحقيق وظيفتيه الاتصالية والجمالية، أي إنها تعني بشكل عام كمرتكز من مرتكزات الابداع الادبي، وقد تمحورت اشتغالاتها منذ القديم وإلى الآن في استقصاء القوانين، التي استطاع المبدع التحكم بوساطتها في إنتاج نصه، والسيطرة على إبراز هويته الجمالية، ومنحه الفرادة الأدبية، تقول في الجزء الاول:(ضجيج الحروف يتهجدُ في محراب الكلمات، يرتدي أقمصة نبؤات نسجتها كف كاهن الشعر ويرسم النبض على شهقة الماء، يتناثر سديما على ترانيم زنبقات فجر تيممت بكوثرية الضوء لتقيم صلاة قدسيةِ يحفها الخشوعْ على أجنحة الطيور، تحملها صهوة ريح وغيمة مطرزة بزرقة السماء تتردد بحة ناي صداها فى أقبية القدر.)، هذا المقطع من النص حمل احتشاد بافكار صوفية تبحث عن حقيقة النقاء والصفاء، التي ينشدها الانسان باستمرار، ثم تضيف: (بياض العتمة يستفيق على فسحة اليقين، يتسسلل فجرا، يغتال الضباب وقت السحر، يقيس المسافة المتأرجحه بين الضوء والظلام، يغمر وجه الشمس المحشو بالجنون بزمهرير الإشتعال، قبضة من أثر قطرات الضوء تستفز تغريدة النهر المسكونة بالعشق الإلهي في منابر النسك فيتعالى صوت النداء المبلل بندى زمزم الشروق (حي على الصلاة)).. اذن الشاعرة القاسمي تبحث عن النقاء، اي نقاء السريرة بمقابل البحث عن اليقين، ومن خلال التصوف تجد طريق العشق الالهي والصلاة، هو الطريق الانجع في الوصول الى المعنى..وجاء القسم الثاني من النص لمحاولة تكريس حالة التصوف، الا انه اقل انغلاقا منه من القسم الاول، حيث تحدثت في قضية الكتابة، التي تعتبر من منافذ التنفيس عن ضيق الواقع، والذهاب الى منطقة الخيال، حيث تقول:
(صنعت من السراب حدائقَ معلقة
ورتلتُ على جروحي آيات الأمل
يشاكسني الأرقُ
ليحتلَّ ما تبقى من غربة تشكلت
على جدران روحي
يلملم أشتات صحوتي المتناثرة
على رصيف الأحلام)
فالشاعرة تعيش الغربة،
فتحدثت عن الاحساس بالغربة، فالإغتراب، أوالإرتحال والتهجير، أوالغربة، قديمة قدم الإنسان الذي يجول على هذه الأرض، في صراعه ضد الطبيعة والوحوش الضاربة، أولاً ومن ثم أخيه الإنسان، الذي ثبت الآن أن الصراع مع وحوش الغابة أسهل بكثير من صراعات البشر بين أنفسهم، حيث يسيطر القوي على الضعيف، والغني على الفقير ورجل السلطة على المواطن العادي، فعندما تتحول العواطف والمشاعر الإنسانية إلى إحتضان الأنانية وحب الذات والغرور وعدم الثقة بالنفس، والسطحية بالتفكير وقصر النظر، حينها ينتصر الشر على عنصر الخير لدى المرء والكره على الحب والحقد والطمع على الحق والعدالة والصفح والتعاون والتضامن والإعتراف بإلآخر ككائن بشري مثله، له نفس الحقوق والكرامة والإحترام، فإذا تصفحنا التاريخ فمعظم الأنبياء والرسل والدعاة وقادة الثورات والأحزاب والإصلاح والتغيير تاريخياً، وحتى هذه اللحظة عاشوا تجربة الأبعاد والنفي والتهجير أو الإغتراب إبتداءً من السيد المسيح والنبي محمد إلى عصرنا الحاضر، ومن هنا انقل قول سيد قطب، حيث قال: (كلما ولد اديب عظيم ولد معه كون عظيم، لانه سيترك للانسانية في ادبه انموذجا من الكون لم يسبق ان رآه إنسان وكل لحظة يمضيها القاريء المتذوق مع اديب عظيم هي رحلة في عالم تطول او تقصر، ولكنها رحلة في كوكب متفرد الخصائص متميز السمات)، ومن فضاءات هذه المقالة نجد اننا، كلما قرأنا للشاعرة اسماء القاسمي، انفتحت لنا افاق اخرى للتأويل وتعميق المعاني..

ـ نص (تراتيل فكر/صومعة الليل) للشاعرة اسماء القاسمي

شاهد أيضاً

عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز
مهدي شاكر العبيدي
اوستن –تكساس

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات …

نبيل عودة: يوميات نصراوي: النقد الشخصاني ثرثرة بلا مضمون!!

حضرت قبل سنوات ندوة ثقافية عن النقد الأدبي المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن …

شوقي كريم حسن: عبد علي اليوسفي… محاولة تشكيل اليومي!!

*قد يدفع الهدوء الذي يعيشه الصبي، وسط بيئة مزدحمة بالخوف والضجيج، الحكايات التي تتجدد بشخوص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *