جابر خليفة جابر : أمين سر الرواية

أمين سر الرواية

في رسالة لباسكال أعتذر لأنه لم يجد الوقت الكافي لكتابة خطاب أقصر !
وهنا الإشارة أكثر من واضحة بما يحتاجه التكثيف والتركيز في العبارة من براعة ووقت وجهد، وكلما كانت طاقات التأويل وانفتاحاتها أكثر سعة كلما كان التكثيف أجمل وأبلغ وقعاً، والملاحظ ان درجة التكثيف تتعالى بتعالي الحضارة خاصة الثقافية منها فتراثنا العربي والإسلامي يزخر بهكذا مكثفات تعبيرية، وكذلك المنتج الحضاري العالمي المعاصر ، وهنا أذكر عبارتين تمثلان تواصلاً تطورياً في الفعل الحضاري العالي ؛ الاولى للإمام سفيان الثوري
( عندما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ )
وطبعا مصطلح الرواة هنا يُقصدُ به رواة الحديث الشريف وتحديداً الوضاعون الكذابون منهم ، فكان الرد عليهم بالتحقيق التاريخي او بمنهج البحث العلمي بتعبيرنا المعاصر لينكشف كذبهم ؛ التاريخ هنا إذن كاشف عن الحقيقة بوجه زيف الرواة..
وبعد ما تم استخدام التاريخ للكذب أيضاً ولتجميل وجوه الطغاة والمنتصرين وطمس جرائمهم وعيوبهم جاء من يرى أن الرواية هي من سيكشف زيف التاريخ !
وانطلاقا من هذا كما أرى قال بلزاك أنه ( أمين سر التاريخ ) بهذه العبارة المكثفة القصيرة، بكلماته الثلاث هذه لخص بلزاك رسالة الرواية ، وهكذا مع بزوغ فجر الرواية الحديثة وجدنا من يكشف بأمانة أسرار التاريخ المخبأة عمداً ؛ أي ان الرواية سلطت الضوء على المحظور والمسكوت عنه ..
والآن بعد ان تسللت فايروسات الزيف والتزوير وأموال الحرب الناعمة الى جسد الرواية أيضاً وسخرتها لخدمة الأقوياء وغاياتهم ، هل سنجد من يجترح لنا عبارة مكثفة ثالثة تشير الى من يتصدى لكشف ما يحدث من تزييف للحقائق الحاضرة وللتاريخ على يد الرواية هذه المرة ؟
هل من أمين لسر الرواية ؟
وإذا استعمل الروائيون التزوير بمن يُستعان عليهم ؟
أسئلة أضعها بين يدي الأصدقاء !

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *