الرئيسية » ملفات » أ.د. ثائر العذاري : (خورشيد) في نقطة الصفر
قراءة في متوالية القاص المصري منير عتيبة القصصية (حاوي عروس) (ملف المتوالية القصصية/4)

أ.د. ثائر العذاري : (خورشيد) في نقطة الصفر
قراءة في متوالية القاص المصري منير عتيبة القصصية (حاوي عروس) (ملف المتوالية القصصية/4)

(خورشيد) في نقطة الصفر
قراءة في متوالية القاص المصري منير عتيبة القصصية (حاوي عروس)
د.ثائر العذاري – الإسكندرية

مدخل:
قبل قرابة القرن أذهل (آينشتاين) العالم بحساباته التي سماها (النسبية الخاصة)، ثم أتبعها بعد سنة واحدة بنظرية (النسبية العامة)، وفيهما توصل إلى أن الثبات قيمة لا وجود لها في مفاهيم الفيزياء فكل الأجسام والطاقات في حركة دائبة، والقيمة الرياضية الثابتة الوحيدة هي سرعة الضوء، لأن الضوء هو الشكل الوحيد من أشكال الطاقة الذي لا يحتاج إلى وسط ناقل ولا تتأثر سرعته به ولا بسرعة الجسم الذي يصدره، ولذلك فهي المقياس الكوني الوحيد الذي يمكن أن يعتمد لحساب القيم الفيزياوية. غير أن هناك معضلة لم يستطع (آينشتاين) حلها هي أن كل جسم –على وفق حساباته- تتزايد كتلته كلما ازدادت سرعته بينما يقلّ حجمه، حتى إذا بلغ سرعة الضوء أصبحت كتلته لا نهائية وأصبح حجمه صفرا. ولأن هذه النتيجة مستحيلة قال (آينشتاين) إن سرعة الضوء هي النقطة التي تنهار عندها قوانين الفيزياء. ولأن السرعة هي المسافة المقطوعة في زمن محدد أصبح الزمن في (النسبية) بعدا مضافا إلى الأبعاد المكانية الثلاثة، ولم يعد بالإمكان الحديث عن قيم مكانية من غير تحديد أبعادها الزمنية.
ثمة، إذن ، وجود آخر للكون عند نقطة (الصفر) التي هي سرعة الضوء. وجود تتحكم فيه فيزياء أخرى لا نعرفها، يختلط فيها الزمان بالمكان ليكونا بعدا واحدا. وعند هذه النقطة تحدث حكايات (خورشيد) في (حاوي عروس- الهيأة المصرية العامة للكتاب 2011) التي تستمد واقعيتها المفترضة من مفاهيم (آينشتاين) الآنفة الذكر.

سيميائية الإهداء:
يقوم النظام البنائي لهذه المتوالية القصصية على عدد من الثنائيات التي تشكل منظومة المفاهيم الدلالية التي توظفها. غير أن ثنائية الإهداء هي المفتاح الدلالي الأهم لدخول عوالمها. وقد جاء الإهداء هكذا:
((إلى
خورشيد .. التي تعرفونها
وخورشيد.. التي لا يعرفها غيري))
تقليدياً لا يعد الإهداء جزءاً من المتن، فهو كلام الكاتب يكرّم فيه جهة أثرت فيه أو كانت وراء عمله الذي هو موضوع الإهداء. غير أن هذه القاعدة لا يمكن أن تنطبق على (حاوي عروس) رغم أن المؤلف ذيّل الإهداء ياسمه الصريح. لأنه يحيل على مضامين المتن الحكائية على أنها حقائق لا يعرفها غيره، على الرغم من أنها أحداث تقع في فضاء افتراضي فانتازي. ولذلك فنص الإهداء يقوم بوظيفة إيهامية سيعمل الكاتب على تعميقها فيما بعد، لتصبح (خورشيد) الافتراضية أكثر واقعية من تلك التي يعرفها القارئ.
من الناحية البنائية يمكن ملاحظة التركيب الرياضي للإهداء، إذ يتم استغلال الشكل الطباعي لإنتاج الدلالة، فوضع كلمة (إلى) في سطر مستقل ووضع جملتي الإهداء تحتها في سطر مستقل لكل منهما جعل المعنى يبدو بالتعبير الرياضي هكذا
خورشيد التي تعرفونها ≠ خورشيد التي لا يعرفها غيري
وهذا شكل ثنائية ضدية يمهد لبناء المفارقة التي تقوم عليها قصص المتوالية. ولهذا يمكن القول أن هذا الإهداء صادر من شخصية أخرى غير المؤلف الحقيقي، شخصية تتكلم من داخل المتن، ولأن الساردين في القصص متعددون كما سنرى، لا يمكننا نسبة الإهداء إلى السارد، والحل الوحيد المقبول لهذه المشكلة هو نسبته إلى (المؤلف الضمني) كما سماه (واين بوث Wayne C. Booth)، ومن غير الخوض في العلاقات السيكولوجية والسوسيولوجية المعقدة بين المؤلف الضمني والمؤلف الحقيقي، يمكننا تعريفه ببساطة بأنه المؤلف كما سيتخيله القارئ من خلال النص. وهو هنا مؤلف يمتلك أسرار الزمن لأنه موجود خارجه، قادر على النظر إليه نظرة كلية تستوي عندها الأزمنة والأمكنة عند نقطة التلاشي لمنظور واحد.
الدخول إلى عالم (خورشيد):
تتواصل لعبة الإيهام بعد الإهداء حين يبدأ القارئ بذلك المفتتح الذي يسبق القصص، على أنه صفحة من (تاريخ خورشيد غير الرسمي). والمفتتح نص سردي قصير مبني بما يشبه ميثولوجيا (سفر التكوين) في (العهد القديم)، غير أن الكاتب يزرع فيه بذورا دلالية مهمة سيجري استثمارها في القصص فيما بعد، فخورشيد هي أول مكان (تغوط) فيه آدم وحواء بعد خروجهما من الجنة وعلى آثارهما الشيطان والأفعى.
في هذا المفتتح ثنائيتان ضديتان تمثلان الفلسفة التي بنيت عليها القصص هما؛ آدم وحواء، الشيطان والأفعى، وبإضافة دلالات الخروج من الجنة و(التغوط) إلى هاتين الثنائيتين، تتولد قواعد مهمة ستنتظم القصص حولها هي:
1-لم يعد الإنسان كائنا سماويا منذ هذه الحادثة.
2-الإنسان مطارد بقوى تدفعه إلى الهاوية.
3-الشهوة التي ظهرت هنا في حادثة (التغوط) وأوراق التين التي سترت العورات صارت هي الدافع الذي يحرك الإنسان على الأرض.
4-الجنس والهيمنة هما الغواية التي ستؤدي بالإنسان إلى الهلاك، وظهرا هنا بصورة الشيطان بما يمثل من قدرة على الغواية والسحر، والأفعى بما ارتبط بها من إيحاءات الجنس والمكر، تزوجا وتركا بيوضهما لتفقس أجيالا قادمة في أرض (خورشيد)، ستفرخ شياطينا وأفاعي تحرك أبطالها فيما سيأتي من قصص.
من هذه الميثولوجيا الشخصية التي يصنعها الكاتب لنفسه لا يمكننا إلا أن نتصور (خورشيد) رمزا لأرضية الإنسان بعد أن فقد سماويته، وهي إن كانت قرية صغيرة في ريف الإسكندرية تصبح هنا في (حاوي عروس) بوابة للعالم كله، أو هي صورة تجريدية للعالم يظهر الإنسان فيها مجردا من أوراق التين. ومن هنا جاءت عنوانات القصص (حاوي، وليّ، حفرة، ريشة، سيدي، ليلة، انتقام، قصة، ثعبان، عروس). بصيغة التنكير والاسم النكرة يفيد العموم ولا يختص بفرد معين، وسنرى فيما بعد أن شخصيات القصص في غالبها شخصيات نمطية Prototype يمكن أن تكون نماذج تجريدية لكل أنماط الشخصيات الإنسانية الممكنة.

(حاوي) وقواعد اللعبة:
ثمة شبكة معقدة من العلاقات التي تربط القصص بما يجعلها وحدة واحدة، كما أن هناك الكثير من السمات التي تجعل كل قصة قائمة برأسها. غير أن القصة الأولى كتبت بما يشبه الدستور الذي يضع قواعد اللعبة السردية فيها.
فالحاوي هنا ليس ذلك الشخص الذي يدخل السرور على النفوس وينتزع الإعجاب بحركاته البهلوانية وخفة يديه، بل هو شخص مقتدر يملك السلطة الخفية التي تجعله قادرا على التحكم بصورة مجتمع (خورشيد) ليشكله كيف يشاء. وهو يشبه كثيرا شخصية (الأخ الأكبر) في رواية (جورج أورويل) الشهيرة (1984) الذي يبرمج الناس بقدرته على مراقبتهم والنفاذ إلى أعماقهم في كل وقت.
يظهر الحاوي شخصية واضحة لها صفات محددة:
((يقف منتصبا بطوله الفارع. وعضلات ذراعية المنتفخة. وشعر صدره المنتصب كأسلاك حادة. مرتديا فانلة قطنية حمالات. وبنطلون أسود مجرب. شعرات بيضاء متناثرة فى صحراء صلعته. وذقن رمادية كثيفة تتهدل على صدره.))
أما مجتمع القرية الذي يلتف حوله فهو يتحرك ككتلة واحدة ليس هناك ما يميز شخصية عن أخرى فيه، ولذلك كان السارد معبرا عن المجتمع كله لأنه كان يتحدث يضمير الجماعة:
((يمد يده فى الهواء جالبا باقة ورد بلدى من مكان ما بالهواء. يرمى باقة الورد إلى أعلى. يتناثر فوق الرؤوس براز عصافير نتن الرائحة. يضحك من أعماقه ويختفى. بينما نحاول مسح براز العصافير من على الرؤوس دون جدوى.. نلقى بأنفسنا فى ترعة المحمودية. نضع رؤوسنا تحت حنفية القرية.. لكنه يبقى ملتصقا بشعورنا.))
بعد ذلك يستسلم سكان القرية للأمر ويمارسون حياتهم الآلية المعتادة، لتتكرر هذه الحادثة بأشكال أخرى تتدرج في قسوتها من (طراطير) تلتصق بالرؤوس ولا يمكن انتزاعها إلى (كلابتشات) تكبل الأيدي، وأخيرا أفاع وثعابين وقرود وحيوانات أخرى تستقر على الأكتاف والرؤوس وتأبى مغادرتها. والناس مستسلمون للأمر يعتادونه بسرعة ويكيفون حياتهم على وفق المتغيرات الجديدة التي تعيد برمجتهم كل مرة.
وثمة سمتان في لغة السارد في هذه القصة لابد من الالتفات إليهما:
1-استخدام صيغة المضارع المستمر في وصف أفعال الحاوي:
((يصرخ. يتجمعون حوله. يمد يده فى الهواء جالبا باقة من صبار شديد الاخضرار. يرمى باقة الصبار إلى أعلى. تتناثر فوق الرؤوس طراطير ملونة.))
ومن المعلوم أن هذه الصيغة تدلّ على الاستمرار والتكرار، فعندما نقول (ينزل المطر في الشتاء)، فنحن نقصد أنه ينزل كل شتاء لا هذا الشتاء فقط. وأفعال الحاوي توصف بهذه الصيغة لبيان أنه نموذج متكرر وليس حاويا بعينه كما أن أفعاله مستمرة الحدوث ولم تحدث لمرة واحدة فقط.
2-على الرغم من كل هذا التسلط الذي يمارسه الحاوي يتحدث السارد عنه بلغة لا تشي بأي استنكار أو تمرد، بل توحي أحيانا بالتعاطف معه والإعجاب به وإجلاله كما في ظهوره الأخير:
((ببطء من يودع الحياة كان يتحرك وسط جموعنا المتحلقة حوله. ينظر فى وجوهنا كأنه يحفظها. يتعمد أن يحدق بعينيه الواسعتين المقتحمتين فى عيون الجميع. عندما نظر فى عيني شعرت أننى عارٍ من كل ملابسى.))

لا يظهر (الحاوي) مرة أخرى في القصص التالية، لكنه شكل صورة مجتمع (خورشيد) إلى الأبد. ففي كل القصص سنرى هذا المجتمع الباهت الصورة مستسلما للقوي. وكل الشخصيات التي ستظهر متميزة فيما بعد ستكون ساعية لانتزاع السلطة ولذة الجنس. لكنها كلها تفشل في تحقيق ذلك وتنتهي بموت محقق. إذ أن هيمنة (الحاوي) الخفي بعد القصة الأولى سلطة لا تقهر. وإذا كان أهل القرية مضطرين لنسيان طغيانه والتكيف معه فالقارئ ليس مضطرا لذلك بل ينبغي له أن يتذكره في كل القصص التالية.

بنية الزمن في (حاوي عروس):
ندرك منذ القصة الأولى أننا بإزاء نمط خاص من البناء الزمني فالسارد في القصة الأولى، رأى (الحاوي) أربع مرات على الأقل، فإذا كان يظهر مرة كل قرن كما قيل، فهذا يعني أن عمر السارد تجاوز الأربعمائة عام. وفي كل القصص تقريبا يمثل التلاعب بالزمن أهم التكنيكات التي استخدمها الكاتب لبناء أسطورته الشخصية.
(منصور ابن خليل التربي) في قصة (حفرة) يخرق الزمن وينفذ برؤاه إلى ما ورائه، ويستطيع رؤية الأحياء في قبورهم عندما يدنو أجلهم، وكانت أول رؤاه وهو وليد لم يتجاوز عمره الساعتين، عندما حمله أبوه و((نظر فى عيني الوليد. اجتاحه الرعب وهو يرى فيهما حفرة عميقة وزوجته مكومة فيها على نفسها كطفل فى رحم أمه.
بعد صلاة الظهر صلت عليها القرية صلاة الجنازة. ودفنها خليل.))
وثمة رؤية أخرى شبيهة بهذه تأتي في قصة (انتقام)، فالقصة التي تحكي انتقام (سمير غبش) من ضابط النقطة الذي أهان وجوده الذكوري تكشف لنا فيما بعد أن جده (عبد الظاهر) كان تعرض للإهانة نفسها على يد العمدة (عرفان النتاش) جد (حسن) ضابط النقطة، غير أن الأزمان تختلط في لحظة واحدة، ففي نهاية النص نرى الجد في لحظته الأخيرة قبل مقتله:
((أمسك عبد الظاهر غبش المربوط إلى شجرة أمام دار العمدة رأس العمدة بعينى خياله فى اللحظة التى يتلقى فيها طعنة من أحد الخفراء فى قلبه. شاعرا بلذة انتقام قد يحققه له حفيد لم يأت بعد.))
ولكن هذه التقنية ليست لعبة سردية فحسب، بل هي جزء أصيل من الدلالة الكلية، فتلك الإهانة السرمدية التي وجهها الحاوي إلى مجتمع (خورشيد) حين بصق في وجوههم بصقة لم يستطيعوا إزالتها، تظهر هنا بتشكل آخر. فإهانة السلطة الغاشمة للمواطن المغلوب على أمره وجه آخر من وجوهها أو تحول من تحولاتها أو أن (عرفان النتاش) و(حسن النتاش) ما هما إلا نسخ جديدة من (الحاوي) أو أفراخ فقست من بيوض الشيطان والأفعى النائمة في أرض (خورشيد).
وفي (قصة) ثمة حاوٍ آخر يتعلم تكثيف الزمن في أحلامه، ليحقق كل رغباته في (السلطة) و(الجنس). (حمدي شعلان) يمتلك القدرة السحرية على رؤية ما يريد في حلم صغير لتتحقق رغبته في اللحظة التي يجسد فيها الحلم. هكذا يقتل (عدنان الشوربجي) الذي كان يفرض سلطته الغاشمة على القرية ويتزوج ابنة العمدة ويميته ويرث العمودية والمال.
وفي مقابل شخصية (الحاوي) الطاغية المتناسخة عير الأزمنة هناك صور المقهورين الخالدة أيضا. فالراوي في قصة (ريشة) رجل عادي مقهور يستطيع سرقة ريشة من طائر العنقاء ليتمكن من أن يكون خالدا شاهدا على تحولات صور القهر في (خورشيد)، وكيف يتحول المعبد إلى كنيسة ثم إلى مسجد. لكنه دائما كان ملاذا للهاربين من الطغاة ففي ((هذا المكان كان شخص واحد يختبئ من الرومان، الراهب منقريوس)).
هذا السارد المجهول الذي لا صفة له ولا اسم هو ذاته الذي روى قصة خروج آدم وحواء من (خورشيد) وهو ذاته الذي شهد الظهور الأول للحاوي.
ثمة شخصيات أخرى تعيش في ثنايا هذه المجموعة خارج الزمن لتمثل رموزا لدلالات خالدة لا تسير الحياة بغير وجودها، مثل الجد الجالس على دكته منذ الأزل في قصة (ثعبان) رمزا للمعرفة المطلقة الخرساء التي لا يمكن تلقيها إلا بالتضحية المريرة. و(الجدة) في قصة (عروس) رمز للحكمة، تلك شخصيات ينساها زمن السرد لتحافظ على وجودها مقابل تناسخ (الحواة).
الأمكنة بين (مرج الكحل) و(حاوي عروس):
يبني (منير عتيبة) هيكلا سرديا قابلا للتجدد والتحول، ففضاء (خورشيد) في (مرج الكحل) هو ذاته في (حاوي عروس) مع الاختلاف في تقنيات السرد. فقصص المجموعة الأولى كانت ذكريات طفولة يرويها راوٍ واحد محدد على امتدادها، بينما الراوي هنا ضمير مجهول يمثل صورا متعددة من القهر. غير أن القارئ الذي قرأ (مرج الكحل) سيتمكن من فهم (حاوي عروس) بشكل أفضل من خلال فهم تحولات المكان.
ففي (مرج الكحل) نقرأ مثلا:(( تحدد أشجار الجميز والتوت والسنط الملكيات فى قريتنا.. فحقل الحاج فتحى يبدأ بشجرة الجميز.. وينتهى بشجرة سنط عتيقة..))
وهذا يجعلنا نفهم بشكل أوضح وجود شجرة (توت) بجوار كوخ بطل قصة (ولي). فهي هنا ترسم الحد الفاصل بين عالمه الغامض وعالم (خورشيد) السكني.
كما إن شجرة التوت المضيئة التي تمشي أمام الجدة في (مرج الكحل) تظهر في تمثل آخر في (حاوي عروس) حين كان الجن يعاكسون (سيدي طاهر)، فكانوا: ((يزرعون فى وسط الطريق شجرة ضخمة جذعها دماء متجلطة تلمع بوحشية. ثمارها جماجم نخرة تحرك أفواهها فيخرج منها دخان كريه الرائحة.))
وكل الأماكن التي تذكر في هذه المجموعة تقريبا، نجد شرحا لجغرافيتها في المجموعة الأولى. فجبل منسي مثلا فيها ((هو تل مرتفع من التراب يتبع ورشة طوب الحاج منسى.. وبجواره أكوام من “السرسه” (قشر الأرز))).
و(ترعة المحمودية) تشهد في (مرج الكحل) الكثير من الأحداث كما هي هنا في هذه المجموعة.
حتى الأماكن الغائبة عن ناظري القارئ نجد لها أصلا في (مرج الكحل)، فنبع الجن الذي يقصده (حسن) في قصة (عروس)، تفصله عن (خورشيد) صحراء مهلكة لكنه لابد أن يذهب اليه ليحضر من هناك الأمل المخلّص الذي يعيد الحياة إلى العروس. هذا النبع هو ذاته مرج الكحل الذي يقصده (عبد الحفيظ) ليجلب منه سر السعادة المتمثل بالكحل الذي سيمنح الرؤية الثاقية لأهل القرية.

خاتمة:
واحد من الأسئلة التي لابد أن القارئ سيبحث له عن إجابة هو مغزى عنوان المجموعة الذي تم نحته من عنواني أول وآخر قصة فيها.
إن تكنيكات السرد المستخدمة في كلا المجموعتين تصلح لأن تولد عددا غير محدد من المتواليات القصصية، فقرية (خورشيد) تشبه (ماكوندو) ماركيز، قضاء واضح المعالم وشخصيات كثيرة يمكن وضعها في كل مرة تحت مجهر سردي مختلف. ولكن من المهم أن نلاحظ في النهاية أن (خورشيد) التي لا يعرفها غير المؤلف الضمني ما هي إلا صورة مكثفة للتاريخ الإنساني، صراع الخير والشر، السلطة والقهر، وصنع الطغاة ونشوب الثورات. هي عالم خارج المكان والزمان، أو في نقطة الصفر التي تنهار عندها قوانين الفيزياء، لو أطلعت عليها لعرفت كل الأماكن وكل الأزمنة.
هكذا يكون العنوان مفهوما برسمه هذه الثنائية الضدية بين سلطة الطغيان والأمل بالخلاص المتمثل باستيقاظ العروس الحسناء من نومها يوما ما.

3 تعليقات

  1. إشبيليا الجبوري

    الاستاذ د حسين سرمك المحترم
    فريق عمل الموقع المحترمون

    إلى ثائر العذاري المحترم

    المدخل الذي تفضلت بمدخله المجرد٬ وما تلاه يناقض تماما في إثبات:
    إذا اعتبرت بأن كل شيء يتحرك٬ فحركة قراءة أي نص يعتمد قياسه لا أن تكون خارج زمان سرعته حال أن يكون له ثبات مطلق٬ واطا كان للنص ثبات مطلق٬ لأن المعنى متأثرا بجاذبية مقصد الكلمات في الأشياء٬ كي تتحرك معها المقاصد في معاني٬ لكن إذا كانت الأشياء تتحرك٬ كيف تكون الكلمات حقيقية٬ وأذا كان المتن أو السارد يتحدث٬ لابد أن يكون جزء من هذا النسيج الثابت فيه٬ ولكي تكون جزء منه لابد أن تتعرف رياضيا للبرهنة على صيغته التي تقاس من خلاله متوالياته٬ ولأجل أن تكون قاصدا لتوليد متواليات قصصية٬ لابد أن تكون خارج مجالها المغناطيسي “موجات٬ أو جسيمات” كيف تتعرف عن أي متوالية زمانية أو مكانية أنت تقصد٬ وإن كان يتعذر ذلك عليك كيف تستطيع أن تقول بأن هناك متوالية قصصية أو كلمات لأشياء لها زمان أو مكان استطيع إثبات دقة وصفه المطلق…

    وعليه حضرتك تقول في السطر الاخير من “المدخل” :((…وهو هنا مؤلف يمتلك أسرار الزمن لأنه موجود خارجه، قادر على النظر إليه نظرة كلية تستوي عندها الأزمنة والأمكنة عند نقطة التلاشي لمنظور واحد.))
    ـ كيف يمتلك اسرا الزمن إذا كان موجود خارجه؟؟!!!! الذي يحتاج “موجوده” إلى حيز أو مجس٫ ثابت مطلق٬ ليفيس السرعة في كونيته من الحيز للضوء.
    يمكنني القول دون الدخول في عمق جينالوجيا فيزياء الفضاء والمابعد الكوانتيه٬ وأضجر القاريء فيها… ولو كان خارج الزمان٬ كيف عرف أنه خارج٬ ما حدوده٬ إن علمنا لو كان خارج الزمان ما فضاءه وسرعة قياس معارفه بأن كان واثقا بتجريبه من قياس سرعة الارض من الفضاء الذي فيها خارج الزمان والمجنوعة الشمسية أو المجرة…. الخ

    (رغم كل مما ورد في المقال٬ فاقد القيمة للإنسان في حل مشاكله وخلوه من إضافة قيمة للواقع والعلم.. والجانب المطروح فيه من مسميات علمية غير موفقة المعنى بسبب تطور الابحاث وتغير النتائج السابقة للفيزياء التقليدية والمعاصرة) ويمكنني الكتابة عنها في وقت لاحق٬ لتوضيح أكثر لبس ما ادرجت المقالة تحته.)
    أعتقد أنها مجرد بهلوانيات لألفاظ خاويه لا حيوية معنى لها تنفع المجال الأدبي والعلمي للإنسان٬ غير أنني أقول أن ما هي إلا دافعها الإثارة.

    متمنية لحضرتك التوفيق باستمرار البحث والاستكشاف النافع والمفيد الحقيقي لحماية إنسانية الإنسان واستقراره بآمان.

    إشبيليا

  2. د.ثائر العذاري

    الاستاذة اشبيليا رعاها الله
    اسعد الله صباحك وشكرا للطفك
    هذا ليس بحثا في الفيزياء واستعنت بمقولة اينشتاين لتوضيح الفكرة لا البناء عليها فكما تعرفين ان فيزياء الكم اوصلتنا الى اننا ما نزال بعيدين جدا عن فهم لغز الزمن.
    فكرة الوجود خارج الزمان والمكان متعلقة بالراوي العليم فهو مثل الله يرى العالم كله لكنه خارجه
    الطبيعي ان نختلف في الرؤى والتقييمات وانا احترم هذا.. تعلمت من اساتذتي ان لا وجود لحكم مطلق في الدر س الادبي
    مودتي الكبيرة لحضرتك

  3. إشبيليا الجبوري

    الاستاذ د حسين سرمك المحترم
    فريق عمل الموقع المحترمون

    إلى ثائر العذاري المحترم

    اولا: حضرتك من استعرض المدخل المجرد٬ وأكاديميا المدخل هو الملمح التي تسند إليه خارطة تتبع المعلومة المتصلة من تميز فائدة/اضرار٬ وإشارتك (لإنشتاين) فيه ملمحة معلقا تداخلا عن؛ الخواص الضوئية٬ الكتلة٬ الوزن٬ التي جعلت منها نسبية التكافؤ كثافة لوزن المتن…٬ غير أن المتن جاء مناقضا بـ”الاقتباس” عنه بنقيض الادلة عنه٬ مناقضا بالتقريب لما سعيت إليه حضرتك لغرض تحقيق الهدف٬ ما دعاني الاستغراب عن هذا اللغط٬ والتشويه المبالغ في حشرها كمرساة متوالية قصصية.٬ أدعيت حضرتك فيها عينة بحث٬ وتريد الرمي فيه اعتبار استكشاف جديد مثير الاهتمام!!!

    ثانيا: أما ما يتعلق “… بالراوي العليم فهو مثل الله” ـ تعالى عزوجل ـ حضرتك من تقول “٬ وأنا لست مدعية تجاور مثل هذه الاوصاف بالالفاظ إطلاقا٬ أو اترجل علو اتناول تأويلات كهذه بتاتا٬ لا من قريب أو بعيد. هذا رأي حضرتك مع الكاتب والراوي.

    ثالثا: الاختلاف والاتفاق٬ نسبي٬ يرتكز عن فهم وتفسير وشرح قيمة اختيار تثبيت النقود٬ سعيا تؤكد فيه منجزها٬ إثبات تحقيق هدف البحث العلمي الرصين والملتزم بنجاح إنساني.
    شكرا لحضرتك مع الاحترام

    إشبيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *