أ.د.ثائر العذاري : المتوالية القصصية وقضية التجنيس – متابعة كرونولوجية (ملف المتوالية القصصية/3)

المتوالية القصصية وقضية التجنيس – متابعة كرونولوجية
د.ثائر العذاري

ليس المشير التجنيسي الذي يوضع على أغلفة الكتب (شعر، رواية، قصص، مسرحية، ….) محض طريقة للتصنيف، بل هو بمثابة أمر لجهاز التلقي عند القارئ لتشغيل نظام توقع لأشكال خاصة من البنى اللغوية تتعلق بالجنس الأدبي الذي تحدد سلفا. وحين يكون المشير التجنيسي (متوالية قصصية) فإن القارئ سيتهيء للبحث عن الوحدة التي تجعل القصص المتعددة مشروعا أدبيا واحدا، ما يكسبها دلالة جديدة غير الدلالات الناتجة من قراءة القصص منفردة.
يرجع اهتمامي بالمتوالية القصصية إلى عام 2011 حيث عرفتها للمرة الأولى عندما كنت أستاذا زائرا في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية بمصر، ومنذ ذلك الوقت بحثت عن كل ما يتعلق بها من أبحاث وكتب، واكتشفت أن معظم ما كتب كان أمريكيا وغير مترجم إلى العربية وبذلت ما أستطيع من جهد للحصول عليه، فالأمريكان يعدون المتولية القصصية التي يسمونها غالبا (حلقة القصة القصيرة Short story cycle) اختراعا أمريكيا، وكتبوا فيها المئات من الأبحاث الأكاديمية والكتب، وأزعم أني اطلعت على أكثرها، وأستطيع أن أؤكد بمسؤولية أن لا أحد ممن كتب بحثا أو كتابا ينكر فيه أن تكون المتوالية القصصية جنسا أدبيا قائما برأسه، وفي الوقت نفسه وحتى عام 2002 لم يكتب أحد كتابا أو بحثا في محاولة لإثبات أن المتوالية القصصية تحمل من الخصائص ما يجعلها جنسا أدبيا مستقلا، لكن الطريف أن الباحثين وهم يكتبون عنها كانوا يستعملون كلمة (الجنس الأدبي genre) دائما لوصفها على الرغم من حيرتهم التي يعبرون عنها دائما بسبب وقوع المتوالية القصصية في منطقة رمادية بين الرواية والقصة. ونذكر في هذا المقال الأعمال التي نظن أنها تمثل مراحل تطور النظر إلى المتوالية القصصية

فورست إنغرام

يعد فورست إنجرام أول من كتب كتابا خاصا بالمتوالية القصصية، حيث نشر كتابه (تمثلات حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين) الصادر عام 1971، واللافت أن إنجرام وضع تحت عنوان الكتاب عبارة (دراسات في الجنس الأدبي)، وهو أيضا أول من وضع لها تعريفا حيث رأى أنها “كتاب يضم مجموعة من القصص التي قصد المؤلف أن تكون مترابطة بمستويات متعددة ما يدفع القارئ إلى تعديل تجربته القرائية عند إتمام الكتاب.”
ونشر روبرت لوشار بحثه الموسوم (المتوالية القصصية- كتاب مفتوح)، وهو بحث نشر في كتاب مشترك مع إلين كليري وسوزان لوهافر عام 1989 بعنوان (نرية القصة القصيرة في تقاطع الطرق) وليس أطروحة دكتوراه وقد أرسلت لي لوهافر نسخة مصورة منه منذ سنتين. وكان لوشار قريبا جدا من الاعتراف بتجنيس المتوالية القصصية، فقد كان يرى أنها تجمع بين وحدة القصة وتنوع الرواية وهارمونية الشعر الغنائي. ثم عدل عام 2012 عن التسمية وفضل استعمال (حلقة القصة القصيرة) في كتابه (حلقة القصة القصيرة – بعيدا عن ظلال الرواية).
وفي عام 2002 صدر أول كتاب حسب علمي تعامل مع المتوالية القصصية على أنها جنس أدبي مستقل، ولكنه لم يكن معنيا بإثبات ذلك قدر عنايته بربط البنية الشكلية للمتوالية ببنية المجتمع الأمريكي، وهو كتاب (حلقة القصة القصيرة الأمريكية المعاصرة- الجنس الأدبي في ضوء العرقية) لجيمس ناجيل، فقد رأى أن المتوالية القصصية إذ تقوم على الوحدة والتعدد في الوقت نفسه فهي تعبير فني عن تركيبة المجتمع الأمريكي الذي تحافظ فيه العرقيات على هويتها، لكنها تنتمي في الوقت نفسه إلى الهوية الوطنية الأمريكية.
وفي عام 2011 حصلت جنيفر سميث على درجة الدكتورا من جامعة إنديانا بعد تقديم أطروحتها (قصة واحدة وأصوات متعددة – مشكلة الوحدة في حلقة القصة القصيرة)، وأصبحت بعد ذلك أستاذة متخصصة بالأدب الأمريكي الحديث ونظرية الأدب في الجامعة نفسها، لكنها ظلت منشغلة بالمتوالية القصصية في أبحاث عدة حتى نشرت كتابها (حلقة القصيرة الأمريكية) أوائل عام 2018، حيث طبعته جامعة أدنبرا الاسكتلندية. وهو أول كتاب موضوعه إثبات كون المتوالية جنسا أدبيا، كما إن الناقدة تطلب من غيرها أن يتخلصوا من التسميات المتعددة (المتوالي، الرواية المركبة، الرواية في قصص، الموزائيك،…..) وأن يتفقوا على استعمال الاسم الذي اخترعه فورست إنجرام (حلقة القصة) فهو بحسب تعبيرها الاستعارة الأنسب لوصف هذا الجنس الأدبي. وكان اللافت أن تحتفي جامعة أدنبرا بالكتاب في عرضها له على موقعها الرسمي بهذه العبارة:
“يعطي هذا الكتاب اسما ونظرية للجنس الأدبي الحاضن للتشظي فضلا عن التكرار الذي يميز السرد المعاصر.”
إن ما يشعرني بالفخر لي ولجامعتي أن أشرف على رسالة ماجستير عنوانها (المتوالية القصصية جنسا أدبيا) بنتها الباحثة على أسس قريبة من كتاب جنيفر سميث قبل صدوره بعامين. وأنا أتمنى أن يلتفت الزملاء الأكاديميون وطلبة الدراسات العليا إلى هذا الجنس الأدبي المبهر، فهو حقل من الدراسة الأدبية ما زال بكرا في البحث الأكاديمي العربي، كما أتمنى أن أرى المزيد من كُتّاب القصة العراقيين الذين يخوضون التجربة لنرى مزيدا من الكتب وقد أشارت أغلفتها إلى أنها متواليات قصصية.

شاهد أيضاً

د. صالح الرزوق: قراءة في (الديوان الرشيق) لقصي الشيخ عسكر (ملف/18)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

الشعر كلذّة وخلاص وخطاب جمالي
قراءة مُكثّفة في نص (بلا تاريخ) للشاعر محمد النصار
سعد جاسم (ملف/44)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *