فاضل ناصر: عدنان عادل ؛ السُّكر يسيل من أشداق النهار

إشارة : سلامات أبا العباس
مع وصول هذه المقالة الجميلة من الأخ الحبيب الشاعر والفنان والناقد والإنسان العراقي المقاوم “فاضل ناصر كركوكلي” علمت الهيئة المشرفة على موقع الناقد العراقي بالخبر المؤسف عن دخوله المستشفى … وهو أمر غريب أن يصاب بالمرض عراقي قُدّ من صخور قلعة كركوك .. سلامات أبا العباس .. النومة مو إلك
المقالة :
ألمـّت بي إنتكاسات ٌ صحية مريرة في الأشهر الماضية من هذا العام اللعين راوغت ُ فيها بدهاء أن لا أستجيب َ لثغرِ الموت الدافيء بقبلة ٍ أبدية حتى أحضر َ لي الصديق الفنان ( عبد الكريم السعدون ) المجموعة َ الشعرية الثانية للشاعر ( عدنان عادل ) الى المشفى حيث أرقد ُ .
.. وكانت المجموعة الاولى الموسومة بـ( متر مربع واحد ) تحمل إسما ً مستعارا ً للشاعر متحايلا ً على السلطة ِ الحاكمة آنذاك في العراق ، في عام ( 2000 )
لقد فاجأني الشاعر ُ بإهداء ٍ إستثنائي شكـَّل إمتدادا ً شعريا ً لمجموعته الثانية مختزلا ً فيه كل شطحاتي عن كركوك وعن ( قلعة كركوك ) تحديدا ً التي تؤرخ هلوساتي الأدبية الى يومنا هذا الذي بدأ يمتصّ ُ فيه قسماتي َ الذاهلة سرير ُ مشفى صقيعي يقع ُ في أقصى الأرض … !!
( الاهداء ) :
من حسن ِ الحظ
إن الذاكرة َ مؤنثة
فإستمتع ْ بإنحناءات ِ جسدها
و دوائرها الناعمة
علـّها تلد ُ لك ( قلعة ً ) من الدموع
تهفـّك َ برموشها الى الابد
الى الابد …

( عدنان  11 – 05 – 2011 )
التقيت ُ الشاعر َ ( عدنان عادل ) قبل يوم من بدأ أعمال المهرجان السينمائي الاول الذي أقامه المركز الثقافي التركماني في السويد وفي مطار كوتنبورغ بالذات حيث ُ كُلـّفت ُ باصطحابه الى المركز الثقافي التركماني الذي قضينا فيه مع الأخوة المخرجين السينمائيين العراقيين أجمل و أروع أيامنا الثقافية على هامش المهرجان الحافل بالنقاشات و المدخلات و تبادل الأفكار والهموم الفنيّة والادبية التي يعاني منها قطاع ٌ ثقافي واسع في عراقنِا المبتلى بأحلك ِ أيامه الموبوءة بـ( الديمقراطية ) المقنبلة بالمذهبية و الطائفية و الشوفينية المتعارضة أصلا ً مع كل إحساس وطني و إنساني سليم …
وقد دأبت هذه النخبة ُ من المبدعين العراقيين و بأساليبهم الفنية المتعددة على إشراكنا في الهمّ الوطني بكل جدارة و ثقة و بلغة ٍ سينمائية عالية أضفت على الفن السابع في العراق إستشرافا ً حافلا ً بالأمل و الصمود أمام أعتى سموم الجهل ِ و الخرافة و التخلف عن مواكبة عصرنا الراهن ، و كان من بين هذه الأصوات الرائعة صوت ٌ حالم ذو يوتوبيا عالية تحمل ُ إرهاص َ مدينته ( كركوك ) التي أرهقها الدخلاء ُ و الغزاة و أجهضتها حرابُ الدمار و دخان الحقد عن ولادة ٍ كادت أن تتنقل َ هذه المدينة الشامخة بأطيافها الإنسانية الى مصاف ِ مُدن تستقرّ ُ عند تخوم ِ الرّب …
إنه صوت ُ الشاعر المتمرّد ( عدنان عادل ) :
الصباحات ُ رغم بأس إنتظارها
رشقـَتني بالندّى
و إنهالت عليَّ بالنسمات
الصباحات ُ صَلبتني
على أعواد ِ ظهيرة ٍ مظلمة
الصباحات ُ …. …
آه .. يا بابا كركر
دَع ْ الضياء َ جانبا ً
فأنا أحترق ْ ….

إن الشاعر َ ( عدنان عادل ) ليس شاعرا ً بالمعنى التقليدي و المبتسر في ترسيم منهج القصيدة المدرسية الفجـّة بشقيها الكلاسيكي و التفعيلة ، إنه ينبش ُ في فضاء ِ النثر المشعور إيقاع َ ما وراء الكلمة و الجملة الشعرية بمرادفات إيحائية غاية في السلاسة مشحونة ً بصُور ٍ مستحدثة قلـّما نجد ُ مثيلاتها في شعر الثمانينات الحافلة بمشاهد الأضداد و الرفض ، إنه ، ببساطة ، يقتحم ُ معنى الولوج الى طقوس ِ الاداء الشعري و الى تضاريس التراتيل في بُنية القصيدة الحديثة بإشراقات تتواتر بين البناء الداخلي المأزوم الى حد ِّ الفجيعة و بين جوهر ِ الواقع الموضوعي بكل ِّ حيثياته المرموزة و المطلسمة ، إنه ، باختصار ، يُعيد ُ صياغة َ الجناح َ المحطـّم لطائر ِ الألم النبيل ليحلق َ في مدارات ٍ مفتوحة  لأفق ِ الذاكرة  الشعرية المشوبة بأنقى درجات الحرية …
أدجـّجُ أطرافي
بريشة ِ التسكـّع
أنثى السحابة تغريني
كي أطيرْ …!!
ها هوذا يسير ُ
بمحاذاة ِ الجثث
أما أنا
أتلصص ُ في مساءات ِ البيوت
لأسرق َ الحياة َ
و أطير …. .
بطائرتي الورقيّة
ألامس ُ أطراف َ السحابة
و حين يدبُّ النعاس ُ في مدينتي
أربط الخيط َ بسريري
معا ً…
أنا …
أنت ِ…
والوطن ُ اللاهث
نطيرْ …. . !!

لا أدري لماذا  يُخيل اليّ بأن هذا الشاعر المرصود للجنون بكل ِّ هذه الرومانسية الوقحة و المحببة يجاهر ُ بزخم شعري غير متوقع الإنتقام َ لشعراء السيتينات في كركوك على إبداعاتهم المهملة من المركز ، إنه ، بدون أدنى شك ، إمتداد ٌ لهم بكلِّ العنفوان المطلوب إطلاقا ً ، فهو الآن يشكـّل ُ ولادة نكهة ٍ شعرية من خاصرة ِ الأمل المؤجل الذي طالما إنتظرناه بشغف ٍ عميق …

أبي …
كان يحلم ُ دوما ً
بأن يسرق َ الفجر َ
من أفواه ِ الدِيكة
وأن يدع َ السّـُكر يسيل
من أشداق ِ النهار
وهو يقضم ُ الظهيرة َ بسعالهِ

وأمي …
ماكينة ٌ غير متطورة
تختبئ أحيانا ً داخل َ زهرة
فتعبث ُ بالتويج ِ والألم
و غالبا ً ما تبحث ُ بين جثث ِ التأريخ
بثديَيها
لتـُرضعَ حلما ً ….

و تحت شقاء ِ مشانقهما
تعلـّمت ُ
أن أسقي ببولي المبارك
أعشاب َ الارض
لأ ُفسد َ جنائن َ الممالك ِ والقتلة ….

تحتوي مجموعة ُ الشاعر ( عدنان عادل ) الجديدة على ( 91 ) قصيدة مختلفة الاطوال تتخللها قصائد ُ الومضات الشعرية الآنيّـة و السريعة ذات مدلولات ٍ خصبة و ثريـّة في معاني الإحالة ِ أو تحميل ِ شحنات الشعر بمرادف ٍ متعادل في الإيماء ِ و الترميز بأكثر من معنى يمسّ ُ جوهر َ الأشياء الدالـّة به بأقلِّ الكلمات و أقصر ِ عبارة ، و يقينا ً بأن الشاعر على دراية ٍ فنيـّة و شعرية سامقة بحيث يدرك ُ تماما ً بأن ّ أعمق قصائده هي تلك التي لم يكتبها لحد ّ هذه اللحظة لأن مُجمل ديوانه الجديد يضمّ قصيدة واحدة طويلة إسمها – التحليق الشعري بإطلاقيته – رغم تعدد الاداء اللغوي و تعدد الرتم الموسيقي والإفادة الشعرية الجميلة و المحمولة ِ بذبذبات ٍ إيحائية ذات نمط ِ خاص ، وهو بهذا المعنى يحسّ ُ بأن القصيدة الرائعة  تستكمل ُ ذاتـَها بذاتها بمعزل عن الشاعر أي بمعنى تخضع ُ تماما ً لقوانينها الداخلية الخاصة رغم جنينِها الذي يبدأ حتما ً من رحم الشاعر كما يفيد ُ شاعرنا
( السياب ) في معنى ولادة القصيدة ( عسى أن تلين الفكرة العنيدة ) ، و إن ّ أية عملية ٍ قيصيرية يقحم ُ بها الشاعر ُ نفسه في هذه الولادة تعني موت َ الشعر و بقاء َ الشاعر ، لذا فإن أجمل و أرق ّ الآثار الشعرية و أكثرها تأثيرا ً للنفوس هي تلك الآثار القليلة و النادرة كمـّا ً و نوعا ً والتي أتحفنا بها ( أمل دنقل ) و ( أورهان ولي ) و ( يوسف الصائغ ) و السويدي ( توماس ترانسترومر ) في قصائدهم التي تتقاطع ايضا ً مع المجموعة الشعرية الآنيقة ( جسد ٌ مسمّد بالترقـّب ) للشاعر المتألق – عدنان عادل –

أيقظوه ُ في العتمة
و واروا فوقـَه السقوف
كان في كفـّيه ثغرتان
كلـّما ازدادت السماء ُ إنخفاضا ً
يغطي ملامح َ العتمة ِ بكفـّيه
و يتنفس ُ الضياء
لم يتحمـّل إشراقة َ الفجر
كل يوم …
كان ينوء ُ تحت فخامة ِ الجمال
و بدل أن يتنفس َ الضياء
ظل َّ يشهق ُ الضياع
و يشوّه صيرورة َ الجمال
بالإستمناء …
و ينهق ُ كحمار ٍ عراقي ..!!

………..

سيكارة ٌ في فمي
و قرب َ قلبي منفضة …..
وفي البعيد
إمرأة ٌ تندب ُ
على جثة ِ وطن
أرداها الدخان ُ قتيلا ً ….

………

من النافذة ِ المطلـّة على أرض ٍ
تتموج ُ غاضبة
يرافقني القمر ُ في قرض ِ المسافات
حيث ُ سحابة طلقتـَها السماء ُ
تتزحلق ُ على الزجاجة
ترسم ُ ندى ً يتقطـّر
و فقاعة  تنفلق ُ مُحتجّة
على ركن ِ القمر
قطرة ٌ فقدت إتزانـَها
خَرّتْ على جبيني
فتذكرت ُ المدينة
………

في تلك الليلة من كانون الأول
أقسم ُ
أنني رأت ُ القمر َ يبكي …

………..

فاضل ناصر كركوكلي
( مشفى يوتوبورك )
2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.