كريم الثوري: حوار مع بغل

أمـا كان لـيْ
أنْ أُخـبِّـئـنـي لـيـلـة ً في ” الـصـريـفـة ِ ” ..
أو لـيـلـتـيـن ِ بـسـرداب ِ قـبـر ٍ
وعـامـا ً بـبَـرِيَّـة ٍ
نصـفَ عِـقـد ٍ بـ ” هـور الـجـبـايـش ِ ”
عِـقـدا ً مـع الـلـوز ِ والـجـوز ِ في غـابـة ٍ في الشـمـال ِ
وعـامـا ً بـكـهـف ٍ أُلـمْـلِـمُ بـعـضـي إلـيّـا ؟ / يحيى السماوي

ارتبطت حكايته بالبغال منذ ارتدائه لباس الكاكي العسكري في الفيلق الأول المرابط في شمال العراق ، يتذكر النقلة المصيرية عندما كانت الحرب العراقية الايرانية تمزق اوصال الحياة المدنية وتبعث فيها خرابها المستشري ، بالتضاد تنامت عنده معادلة أخرى لحروب منكوصة كانت مؤجلة بانتظار فرص مانحة ، فقد عَلم الطلاب في الأقسام الداخلية كيف يتركون حنفيات الماء فاغرة فاهها طوال الليل ، وجرهم لتمرير التدريب بالحجر الحُر لإعطاب الإضاءات في الشوارع الخلفية ، وإشاعة مفهوم اللانظام اعتمادا على حواسٍ معطوبة ، إلى غير ذلك من المخالفات التي لم يجد لها تبريرا منطقيا سوى صهيلها الدافع له كقارىء مشاكس للاحداث.
اخذت تحولات كمائن التمرد تتبلور لديه بناءً على حدسٍ كان ينتظره بين كمائن السلاح وليس في حلقات المدارس، ابتدأت باكورة ذلك يوم تسلقه ِاعلى رابية لا تكاد ترى بالعين المجردة من سلاسل جبال هربد ، ذلك هو التاريخ المدون في ذاكرته التي مازالت تمارس سحاقها في نشيد العودة، فقد ارتبط إسمه بإسم البغل المرقم 6317  في السجل العسكري للوقوعات التي كانت ترفع بشكل يومي إلى مقر الفرقة بما في ذلك مسؤوليته الكاملة على استلام حصتهما التموينية المضاعفة والمتباينة بين مخلوقين متكافلين ، لذا كان يتوجب عليه أن يطعمه ،يسقيه ،يعلمه ويتعلم منه جلّ الصفات المشتركة التي تحول دون وقوع مساس أو اذى به شأنه في ذلك شأن افراد حضيرته ، ومن سوء طالع البغل ، أو من حسن حظه ، فالأمر سيان ، أنهما كانا من فصيلة اتسمت بالعناد والمشاكسة وافتعال الضجر كممارسة يومية للإبقاء على معادلة التوازن وعدم الانسياق كليا لمبادىء الحرب المدمرة . كتب ذلك يوما في مذكراته وهو يتوسل رفيق دربه لتعويده معاناة شبه يومية تتمثل بتوجيهه لمنزلقات اكثر وعورة ،حين كان الثلج يتعالى ليصل ارتفاعه نصف قامته . كتب ، عن المفارقات التي من شأنها تخفيف حدة سلوك النفور في سلوك هذا الكائن الذي لا يُساق أو يروض بسهولة . كانت معاناته هي ذاتها موزعة بين شطريه ، الحيوا إنساني، فقد كان والبغل يعانيان من بعد المسافة بين هامة الرابية المعلقة كنجمة في عنان السماء والشارع الترابي الذي كانت تنطلق منه في وقت شبه معين يومياً عدة عيارات نارية دلالة وصول عجلة الأرزاق ، لينتفض من كسله بمعية ابي المكارم – هكذا كناه تيمما بكنيته – فيتواريان كخيالين صوب ممر التموين يستدلان عن طريق الشم والذاكرة بصعوبة بالغة طريقهما المشاكس بسبب غطاء الجليد المتكلس تحاشيا من الوقوع في المطبات المهلكة.
كثيرا ما كان يتوقف ابو المكارم معاندا تكرار الحكاية السمجة ، وما كان عليه سوى مداراته بوسائله التي كان يجهد نفسه باكتشافها تباعا ، وكلما تقاعس كان يجلس القرفصاء قبالته فيما تتعالى الزفرات المدهونة بدخان ابيض مدفوعة بضيق القفص الصدري ، لذلك لطالما كان يقارنه بنفسه ، ليخلص إلى إرضائه من خلال اعطائه المبررات لشدة عناده المستمر ، ضاربا عرض الحائط كل التعليمات العسكرية المنصوص عليها في كراس ا لتوجيه الحيواني بخصوص عدم الإذعان كثيراً من باب التميّع مع البغال. كان يلقي على اسماعه الشعر ويسمعه الموسيقى بل ويغني له على طريقة النواح الجنوبي وقد كان الحيوان يستجيب لذلك بل ويطرب له وكأنه يفهم لغة الإخصاء المشترك بينهما فيستمد طاقة اكبر من المخدر الذي لا علاج ينفع غيره، ليعودا إلى حيوانية السائد في الثكنات العسكرية.
في الليل اثناء المناوبات ، كان البرد يشتد إثر نزول مغلفات الثلج على شكل قصاصات بيضاء ، كثيرا ما كان يترك نقطة المناوبة ، فيتوجه باسماله الثقيلة صوب ابي المكارم في مخدعة ، فيتباحثان معا تكملة للحوار الساخن بخصوص الهروب من خدمة العلم ، لعلمه المؤكد أنه بدون فراسته وشجاعته في تحمل الصعاب لا يستطيع تكملة مشوار معرفة الطرق الميسمية خارج الحدود .
وكأي متناقضين لا يحلو لهما سوى العراك في ظل اجواء موحية، كان يجد فيه ندا مشاكسا لا يركن إلى السهل المُستجاب . عدم استجابته للحوار بسهولة المعتاد يجعل من الوقت يمضي مسرعا وهذا ما يتمناه لطرد شبح المناوبات  العسكرية القاسية بساعاتها الطويلة. لاحظ من خلال تملل البغل مقاربة بنفسه، أنه حينما يكثر الحديث معه في ذات الموضوع ، دون تنفيذ ، يبعث في النفس جبنا وتصدعا، علاوة على خروج القرار من قدرته الحاسمة ، لذلك كان البغل يشح الطرف عنه لعلمه إنها مجرد اقاويل وما تكرارها سوى وسيلة ذهينة مبتكرة يشرف على تسويقها الجزء الرخو من الانسان ، حينما يكون في اضعف حالاته.
استمر هذا الصراع بين امنيتين ، إرادة الهروب بإتجاه الأبعد لتجديد واختبار البعد الانساني في عرف البشر ، وإرادة التخلص من السائد المهلك في عرف الحيوانات ، كانت تدفعهما معا لتجريب لا يخلو من مجازفة غير محمودة العواقب ، فما ينتظره ليس بافضل حالاً مما ينتظر البغل .
لذا كان يتوجب أن يقنع دليله المحاور بظرورة استكمال العدة ليوم معلوم سيما وأن الحدود التركية على بعد مرمى بصر ، حيث تقبع هناك القرى بجنائنها الخضراء في سلام ووئام.
قرر في ساعة صفاء مع نفسه أن يروض البغل على تعود لغة الهروب . أعد خريطة الالتفاف حول محيط الجبال الملتوية حتى مفرق الجسر الرابط بين الحدودين. قال مع نفسه ساكون معه لطيفا وأبعد عنه التشنجات ، فالمعروف عنه نزقه الشديد وشدة حساسيته إزاء البشر ، بعض هذه الخصال المتطرفة ربما كانت نابعة من هجينية جنسة بين ( خاله الحصان وابيه الحمار ) لذلك هو يميل إلى التخلص من هذه اللوثة التي وجد نفسه في خضم لجاجة اسئلتها الوقحة ، في عيون المخلوقات على حد سواء ، ملتمسا العذر له لو طاوعته نفسه يوما على الأنتحار، كواحدة من اعظم الاحتجاجات الوجودية التي تسجل له .
توكل على الله بعد أن جهز المؤونة الكافية من المعلبات والصمون العسكري الجاف اما بخصوص الماء فثلوج الجبال كفيلة بتعويض ذلك.
اودع سره لرفيقه نائب العريف كمال الذي كان يشاطره بعض اسراره ، تحسبا لكل طارىء وللتورية في حالة تأخره ، وسارا في الطريق المخالف خشية انكشاف امره من قبل الربايا المنتشرة .
كان البغل يتوقف مراراً وتكراراً فقد كانت الطريق غير مألوفة ’ شديدة الوعورة . لاحَ على بعد مئات الأمتار الجسر الرابط بين الحدودين ، لذلك كان عليه أن يتفرس عدد الجنود الأتراك المرابطين وافضل الطرق للالتفاف حتى الوصول إلى القرى المحاذية.
طمأن نفسه من أن البغل سيكون هو المحفز الكبير والهدية المرغوب فيها لوصوله لأبعد نقطة ممكنة دون أن يقع في كمائن الجنود الآتراك المعروفين بقسوتهم. وفيما كانا يسيران برك ابو المكارم ممتنعا عن مواصلة المشوار ، حاول بشتى الطرق ترغيبه وترهيبه لكنه برك بركة لا قيام بعدها ، جلس قبالته وكانما كان يحاور نفسه قائلاً :
– إلى أين تقودني ياهذا ، لقد اتفقنا أن نعبر الحدود هل نسيت ذلك ؟
– لا لم انس ولكن لماذا تربط مصيري بمصيرك إلى أين نحن ذاهبان ؟
– اتفقنا على مشروع الحرية والخلاص من كمائن الموت المتربص هل نسيت ذلك ؟
– اتفق معك إلى هذا الحد ولكن ما ينتظرني غير ما ينتظرك .
سألته : كيف ذلك ؟
– لم تخيرني بين معاني الحرية وفضاءاتها ولكل منا وجهة مختلفةعن الآخر.
تطلع من حوله حتى اطال ، بعد أن مسح تمام المنطقة مسحاً شاملاً ثم قال:
– اذهب انت وسابقى في ارض ابائي واجدادي!
– كيف ذلك ومصيري مرهون بمصيرك ، وقد انفلت عقال صبري؟
نظرني بعينين فاترتين :
– ساعيش في هذه المنطقة بمنأى عن كل القوانين ، تلك هي الحرية وفق نطاق
تفكيري انطلق أنت بمعية الله…
– ولكنك ستقع يوما بايدي المستطرقين حينها ستعود كما كنت مطية لرجال العصابات؟
اجابني وقد أشاحَ بوجهه بعيدا عني وكأنه اتخذ قرارا :
– صحيح لا تسأل البغال عن مواطنها لكونها حيوانات ، ولكن ما اعرفه هنا
عشت وهنا سأموت
ساخلق عالمي بدون بشر ولا حكومات ولا قوانين ، في هذه المنطقة النائية ، ساعيش الحرية الحقيقية ، ملِكا ومملوكا ، لا يتدخل بأمري كائنا من يكون.
تركته على هواه بعدما تأكد مني اصراره ، فيما كانت ساقاي ولاول مرة تعتمدان على ذاكرة بدون معلم يقودها مآخوذاً بسيرة جمال البلدان والحريم والمال الوفير وسط محفزات الخدر التي كسرت اقفالها وتحررت بعد طول انتظار، وكلما تقدمت مسافة كنت التفت وانظر اليه كانما اتفقد شطري الآخر فيما كان يتسلق بخفة لم اعهدها به من قبل قمم الجبال الوعرة بعيدا كل البعد عن حدود ذاكرة الكمائن ، حتى غاب في تنامله كحجرٍ وجد مستقره الأبدي ، شاهد زور أو حقيقة على حياة – مدنية متدنية – ارتضت البسيطة.
اخذتني المسافات بعيدا ومازلت انظر اليه في داخلي يتسلق ويتسلق فيما كنت اغوص في تعريب البلدان بلدا بعد آخر في بحث دؤوب عن موطىء قدم مريح اجد فيه نفسي وإلى الأبد…دون جدوى…؟!
اردد بسري الدفين اغنية جمعتنا معا، يوم كنا فردا واحدا في نقطة ما قبل التتويج النهائي :
انطلق يارفيقي / بعيدا جدا ً، اخلق عالمك البدائي الجميل ، في بقعة غير مرئية ، تطل من خلالها على خراب السهول ، دون أن تغوص في تفاصيلها ، حطم مرآة الوجود ، فلا وجه يشبه وجهك ، ولا جسد يحمل جسدك ، احمل معولك بيدك ،وابن ِ عالما كل ما فيه ، يمت اليك بصلة ، وقف هناك ، وانظر إلى وطن الرياضيات ، والحب بالأقساط ، وإلى تقارير الرجال الأوفياء ، المخلصين للوطن ، سترى هنا شباكنا المغلوق بالأحمر ، ونساءنا يبحثن عن شيخ مراهق ، فيخرج الصوت الوحيد الحزب ، وموته يأتيه قسراً من أصحابه…..

كريم الثوري
المنفى الأسترالي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.