حسين سرمك: قميص المحنة.. تحليل مسرحية (حياة وموت قميص) للمبدع الكبير (قاسم محمد)

إشارة: قاسم محمد وما أدراك من قاسم محمد .. أمة ثقافية كاملة .. مؤدب ومعلم أجيال معنى أن يكون الفن مساويا للحياة كلها .. ومعنى أن الكلمة تحيي وتموت .. صخرة المسرح العنيدة .. والمبدع الباسل .. عار على المرض أن يتحرش بجبل مسرح العراق الأشم .. أبا زيدون .. أيها المعلم والمبدع العراقي الكبير أنت في عيوننا ويكفيك أنك طبعت بصمة روحك بالتضحيات على أزهى صفحات التاريخ الثقافي للعراق العظيم .. سلامات .. يا قرة عين الفن العراقي ..

تحدثنا كثيراً عن تقصير المبدعين العراقيين الفادح في استيعاب وتمثل وتجسيد الكوارث الحجميّة التي عصفت بمجتمعهم فمزقت نسيجه شر ممزق. ولعلّ واحداً من الأسباب الرئيسية في ذلك يتمثل في أنّ فعل المبدع في أي زمان ومكان يقوم على أساس حقيقة أساسية هي أن مخيلته تسبق الواقع في عملية الخلق في حين أن الواقع العراقي المرعب قد فاق بشاعة تحولاته حدود المخيلة مهما جنحت. ولذلك أصبح المبدع العراقي يشعر بالعجز الذي أججه الشعور المتأصل بالذنب الذي يستولي على وجدان المبدع العراقي فيشل انعتاقه نحو آفاق العمل الإبداعي الباهر لاسيما وأن فوهة تنور المعاناة العراقية تطلق لهيبها إلى السماوات السبع بلا رجاء…
وعجينة الإبداع تكفي طوابير من المبدعين، لكن من هي اليد المبدعة التي ستمسك بقطعة العجينة المناسبة وتدخلها في فوهة هذا الفرن الكوني؟ لقد اكتفى الكثير من المبدعين العراقيين بالنظرة الذاهلة وفي أحسن الأحوال بتجاوز الصدمة، في موقف اكتئابي آس، يشل المبادرة الفردية، لكن يبقى المبدع الكبير «قاسم محمد» من بين الاستثناءات المهمة. لقد بذل كل قواه – ولأكثر من عقدين – في الجهد المثابر العزوم لتجسيد جانب من شدائد شعبة الفاجعة مسرحياً، تأليفاً وإخراجاً، قدّم في ظل الحصار الجائر حيث اجتمع العالم كله على تجويع شعب كامل حتى الموت – أعمالاً مهمة منها على سبيل المثال: مسرحية «أب للبيع أو للإيجار» التي طوّرها عن حادثة حقيقية تثبت وجهة نظري في أن الواقع يسبق المخيلة أو لنقل يوازيها، ومسرحية: «الربح والحب» التي تعكس مظاهر من الانحطاط الأخلاقي الذي أفرزه الحصار. وفي النص المسرحي «حياة وموت قميص»(1) الذي كتبه عام 2001 ظلّ هذا المبدع وضائي الالتحام بمحنة شعبه المدّمرة الحصار حيث عاد لمعالجتها من جديد بطريقة متفرّدة. هنا يؤنس الراوي «قميصه» بعد أن ينفخ فيه روحاً في الإبداع الكلمة تحي وتميت – قميصه الذي تداخلت وشائج العلاقة به بدءاً من الصلة اليومية البسيطة: «يلبسني كل صباح وألبسه/ نفرح مثل تلاميذ المدارس حين نلتقي/ لا أشتكي محنة وما يوماً شكا من عرقي». إن الامتزاج النفسي الموصل إلى التطابق والمشاركة الانفعالية في تقاسم مشاعر القلق والاستلاب: «يشاركني قميصي/ إذ يبتزني العالم المحيط بي/ وإذ يرجفني الخوف المزروع في داخلي/شرطياً يمتص شبابي/ ويكبل حياتي/ يكبل حتى ثيابي» ومن الشخصي العاطفي «ما بالكم حين أحب /يسبقني هذا القميص كاشفاً عن عشقي/ وفاضحاً تعلقي» ومروراً مضغوط أكثر سعة وتهديداً.. ضغوط تمحق الوجود الفردي، تستبيح دم الإنسان وتسفح عمره بلا رحمة وتستنـزف قواه من أجل البقاء لاهثاً – هو وقميصه خلف مفردات الحصة التموينية.. ووصولاً وعبر مفارقة الحصة الإفقارية في بلد هو من بين أثرى بلدان العالم – إلى الانهمام بما هو وطني فاجع حيث ينظر الراوي بعين الخذلان إلى حياة جمعية كاملة تمضي مذلة مهانة، على طريقة «كالعيس في الصحراء..» حيث العطش على ضفاف الفرات والجوع في أرض السواد» ويبدو أن المقصود بالسواد أصلاً هو شبح الحزن القاتم الذي يخيم على بلاد الرافدين منذ فجر التاريخ – وليس عبثاً أن العراقي الأول بخلاف كل شعوب الأرض يخطف من طين ودم وليس من طين ودماء، حيث أخذ الدم من شق وريد إله فتمرد حزين- :«مذلين.. مهانين/ عطشى ونحن نملك الفرات/ جياعاً ونحن في أرض السواد/ بعراناً صرنا نقحم المأهول واللا مأهول/ نحمل ذهباً ونشرب السيّان/ ونأكل العاقول» وليصل الراوي بعدها إلى أشد الوجودية أذى والتي تتعلق بمصير الإنسان ذاته هذا المصير الـذي يعامل باستخفاف ومهانة: «لم لا تصفو الحياة؟/ لم الزمان والمكان والسلام بلاد وأم؟/ لم يا الله يا رحمن/ يا واضعاً أسس الحياة/ يا بانياً أعظم البنيان/ لم يا ودود يا رؤوف يا منان/ مهدّم ببنائك الإنسان بيد الإنسان؟» ولعلّ هذه الصيغة التساؤلية في التعبير عن استحالة الإمساك بالأسباب القاطعة التي توصل وتوازي النتائج الكارثية القاطعة (التي تعصف بحياة ووجود الراوي وقميصه وركائز حياة الشعب الذي ينتمي إليه) هذه الصيغة التي تصبغ النص بصبغتها المربكة هي التي كانت تعبر عن التشكّل الجديد للمنظومة الإدراكية الحصارية لأفراد الشعب العراقي. هي منظومة اللاّ سؤال واللاّ جواب التي اجترحها المبدع الكبير «فؤاد التكرلي» في روايته المهمة المتأخرة «اللا سؤال واللا جواب» والتي تناول فيها عذابات الحصار. لا أحد يستطيع الإجابة عن سؤال – وهو لا سؤال في جوهره – كيف ستستقيم معادلة حقوق الإنسان عندما يحاصر الإنسان بالجوع والمرض والإفقار حدّ الموت من أجل إنقاذه ممن يصادرون حقوقه ويسحقونه. يموت الإنسان وجلادوه وتبقى الحقوق خفّاقة منتصرة كقميص مغسول وملوّن يرفرف في الريح على حبل الوجود والخديعة، من هي محنة الـلا سؤال واللاّ جواب التي يحاول الراوي وقميصه/قرينه أن يجد لها جواباً. يتساءل أولاً بمجهلة مطلقة مفتوحة دون أمل برد ناجع: «بين حين وحين/ وفي هدأة الليل العراقي الحزين/ ينسى قميصي سوء المآل/ فيصرخ بالسؤال: (من؟ من هدم بنيان الله، من حطّم الإنسان، من كوّم الأحياء والأشياء والأيام والأحلام؟ من دمرها هكذا وصيّرها حطام؟ من يا إلهي؟ يا بشراً ساهي؟ يا عالماً لاهي؟ من.. من.. من؟» وينطلق السؤال صبحة في خاء ليصبح لا سؤالاً.. فلا الله ولا البشر ولا العالم يحفل بشيء أو يرف له جفف ضمير للجموع المذلة المهانة على طريقة مساكين ديستويفسكي – التي تساق وببرود وحرص على حقوقها نحو الموت والفناء. هكذا يجعل انحصار المديد الذي لا حل، بلا نهاية.. بلا جواب- هكذا كانوا يتحدثون عن نفق مسدود دخلناه ولا بصيص نور في نهايته – يجعل الإنسان الممتحن ينفض يديه تدريجياً من الآلهة.. ومن البشر الساهي ومن العالم اللاّهي.. ودائماً يأخذ نفض اليد من الآلهة صيغة تحرّشية مستترة وكأننا نواجه ما هو مجرد بصيغة شبه مجرّدة يحاول من خلالها العبد البائس بمناورة مسمومة أن يؤكد أولاً عشوائية الإرادة المؤسطرة ولا قصديتها بطريقة تذكرنا بصرخة الأم المحطمة حين يموت إبنها الوحيد خصوصاً: ربيّ.. لماذا؟ وكثرة التساؤلات التي يطلقها الإنسان المقهور وهو يرى إلى التلاعب السافر بمقدراته هو مدخل أول لإعلان نفاذ الصبر والعجز عن مطاولة تساؤلات لا نهاية لها. وتتضاعف هذه الحرقة التحرشية من خلال الطرق على باب الحيف ولا عدالة أن تنتظر (سيزيف) الدنيا صخور أخرى في الآخرة: «يصرخ قميصي المنكوب: أبعد كل هذه الخطوب/ حساب علنا على الذنوب؟ وينشج بصوته المليء بالندوب: هم هاي دنيه وتنكضي/ وحساب أكو تاليها؟». ولأن الخمرة تذيب (الأنا الأعلى/ الضمير) حسب أطروحات التحليل النفسي فهي باب خطير لمزج سمّ التحرّش بعسل التوريات الفائر في وعاء المعاناة، وتحت هذا تمرّر تسويات خطيرة. فحين يشرق القميص بالبكاء ثملاً بالعرق العراقي الفل (عرق عراقي مغشوش) يستغيث بنداء الحلاج الشهري ولكن بتحويره: «يا معين العنا عليّ أعيش على العنا» وحين يصحّح له الراوي السكران أيضاً البيت الصحيح يتفقان على تسوية تحرّشية تضعهما في موقع المظلوم المستجير من القوى العلوية: «لا تيئس يا صاحبي/ ولنخلط العنا بالضنى/ و.. يا معين الضنى والعنا علينا.. أعنّا على العنى والضنى/ ونغرق معاً في ضحكة رنينها الألام/ تثكلنا.. تثقلنا.. حتى ننام»، أمّا البشر الساهي الذين شملهم قميص المحنة بندائه المحتج فهم هذه الجموع المغيبة ملجومة الإرادة والتي تساق نحو مصيرها المظلم بدون تساؤل أو احتجاج – أو وهذا هو الأصح أنها تعبت من دوامة اللاّ سؤال واللاّ جواب التي أنهكت قواها واستنـزفت طاقاتها فباتت تجد الخلاص في مصيدة اللا خلاص. هذه الملايين تعلمت اليأس وتدربت عليه. فهناك نوع من الاكتئاب يسمى اليأس المكتسب أو المتعلم Learned helplessness ومن الطريف والفاجع أن يقاس مصير الإنسان وفق معطيات تجارب الكلاب المختبرية فقد وضع العلماء كلباً في قفص زجاجي مقسوم بحاجز واطئ إلى قسمين فإذا وجهت صدمة كهربائية في أرضية الصندوق إلى أقدام الكلب فإنه يقفز إلى القسم الثاني الآمن فيتخلص من الألم. ولكن حين تقيد أطرافه وتوجه إليه الصدمات الكهربائية فإنه يحاول الخلاص ويتألم في البداية ويحتج.. لكنه حين يتأكد أن لا خلاص فإنه يجلس مستكيناً ويستقبل العذاب بسلبية واستكانة. يصرخ قميص المحنة غارقاً بالدمع والعرق: «مالي أصيح في خواء؟/ يسمعون ولا يصغون/ ينظرون ولا يرون/ يسيرون وهم وقوف، ألوف/ ألوف الألوف/ تضيع العمر وأحلى الزمان/ على أرصفة مأهولة/ كدمى مذهولة/ يطحنها الطحان/ دمى تعاني التعبا/ الظما والسغبا/ هي تعرف السببا/ لكنها مرعوبة منهوبة مسلوبة/ تخشى أن تسأل المسببا/ هكذا هي الدمى/ عديمة الإحساس بالوجود».
أمّا العالم اللاّهي فأمره أمر وأدهى، فهذا العالم لم يكن حقيقة لاهثاً عبثاً، لقد كان يتلهى بنا، بعذاباتنا وضحايانا وثكلنا.. في الحصار عاش العالم حالة فريدة من طفح السادية البشرية إلى حدود لا تصدق.. من لا يقتلنا يتلذذ في رؤيتنا ونحن نقتل.
تسأل السيدة أولبرايت في مقر الأمم المتحدة.. ومقر الضمير العالمي.. لقد مات إلى الآن أكثر من مليون عراقي أغلبهم من الأطفال ولم يسقط النظام فهل ستستمرون في محاصرة الشعب العراقي حد الموت؟ فتجيب بهدوء: نعم.. سنقتلهم كلهم.. لا همسة احتجاج حتى، يعلن قميص المحنة بصوته الناعي الجريح: «يا هذا العالم اسمعنا/ فنحن مهملون.. مهملون.. مهملون/ نفايات.. بقيا من بقايا/ أطفالنا مقتلون مشردون/ نساؤنا – وقاهن الله – أكاد أقول بغايا/ ونحن من دون آلهتنا.. نادبات وغادرات المنون»..
هكذا يضيع مصير قميص المحنة ومعه مصائر ملايين القمصان بين آلهة متشفية وبشر ساهية وعوالم لاهية، فيتراكم العدوان على الإنسان المحاصر دون أن يستطيع الردّ بأي صورة شافية تفرغ ردود أفعاله المقموعة وتنفس عن شجنه النقمة الهائلة التي تشتد ضراوتها اللائية كل لحظة.. إنه يتلفت حتى حين يحاول التفريج عن تساؤلاته: برغم أنّها تساؤلات مشروعة: «تعلّم قميصي عبر عشر من السنين أن يسأل أسئلة كثيرة ومثيرة/ تجعلنا/ بعد خروجها من عمق روحنا/ نتلفت ذات اليمين وذات الشمال» محرّم عليه أن يخوض في شؤون السياسة التي تحاصره وتدمّر مسموح له أن يتناول أي شأن من شؤون الحياة إلاّ الشأن الذي يتلاعب بمقدراته ويسلبه حياته، لكن كيف لا يمد الإنسان يديه كي يمسك بالأصابع التي تخنقه؟ كيف؟ حتى عندما يكتفي بالاحتجاج فهو يمارس السياسة. فيا له من شرك عجيب. ولهذا نجد قميص المحنة الناقم يقسم أغلظ الأيمان بأن لا يتكلم في السياسة «لأنها نجاسة وتزيدنا تعاسة» فيذكره صاحبه الراوي: «يا صاحبي نفضت يمينك/ أخذت تتحدث بالسياسة وفي السياسة/ سكت ثم نبس: خلاص.. بلا ساسة، بلا سياسة، بلا نجاسة، وأطرق كمن تبلد أو هو بلّد إحساسه».. هكذا عندما تغلق كل نوافذ الأرجاء أمام الإنسان، المقهور فإنه يتدرب على اليأس والاكتئاب ويتبلد إحساسه.. لكن الدموع التي لا تجد لها منفذاً تجعل الأحشاء تبكي.. والعدوان الذي لا يجد له هدفاً مكافئاً يرد عليه يرتد إلى الذات فيمزقها.. هنا نقف أمام حالة جلو الذات المازوخية.. ولأنّ لسرّ القمع والانذلال» نافذتان: السكرُ والغضبُ»، ولأنّ قميص المحنة – ومعه ومن ورائه صاحبه الراوي – قد خرج عن غضبه نسبياً في موجات «شعرية» حانقة على الآلهة الصامتة المتشطبة والبشر المطحونة الساهية والعوالم المتلظية اللاهية فقد بقي باب السكر الذي يتفرد بإمكانية إطلاق الشحنات الغاضبة المقموعة والتخفف منها برغم المراوحة في دائرة جلد الذات: «ملحوظة عن عرق الفل: هذا العرق صديق الفقراء/ أفرزه العصر المخرب/ يصنعه تجار الحرب/ ويشربه التعساء/ وهم يعلمون أنه مغشوش/ نعبّه ندوّخ به الجمجمة/ تُسكت به أسئلتها المفخمة».
وفي العادة فإن الخمرة تفتح غطاء الصندوق الأسود لذاكرتنا وتحديداً ذكريات الطفولة الضائعة حيث الانطلاق على أجنحة الفرح وحيث السلوك المشاكس المحبب.. يتذكر الراوي طفولة قميصه – الذي أصبح مرحوماً الآن – حيث كان يقطع الشوارع منتشياً.. يعاكس البنات والنساء ممتلئاً بالعافية والأهم: «لم تكن حر ولا كان انهيار/ لم نكن نعرف ولا سمعنا بالحصار/ طيّرني – قميص المرحوم – عبر النهار/ صاخباً صارخاً لا يعرف الأسوار»، ثم – بغتة – جاء مفرق الجماعات وهادم اللذات، الموت كما تصفه «شهرزاد»، جاءت به الحرب أو جاء بها لا فرق، جاءت الحرب فأحرقت زرع الأمل وجففت ضريح الحياة، دخلت بيوتنا: «فجأة باغتتنا الحرب/ شاركتنا ثيابنا/ طعامنا/ منامنا/ وبلا حرج قاسمتنا حبّ نسوتنا» وهذا تلطيف (شعري) لمضاعفات كارثة الحرب، الغولة التي ولغت في دمائنا، فالمشاركة بالنسبة لها قسمة خيزى، إنها تسير على قاعدة كل شيء أو لا شيء.. وقد تطاولت بلا فرج فدّربتنا على اليأس والأسى والثكل المزمن وأوصلتنا إلى الإصابة بالكآبة القومية – وهذا ما تحدثنا عنه في الصحافة العراقية منتصف التسعينات في صفحة (آفاق معرفية) التي كان يحرّرها الناقد الدكتور (ريكان إبراهيم): «حين طالت حروبنا/ فقد القميص المرح المرح/ كف التحرش بالبنات/ تكوم في دولابه وانمسخ/ انحسر، تجعد، واتسخ/ أنكأ جيبه الفارغ الآن تماماً/ إلاّ من وصفة للدواء وحلمين/ أنكأ فوق قلبي الذي بدوره انجرح»، وإذا كانت دوامة التساؤلات العاصفة قد سحقت البصيرة والإدراكية الحاكمة في حالة الصحو فإنها ستكون أكثر عصفاً ودوياً مع تصاعد فعل رشفات العرق المرّ. في الصحو لم يستطع قميص المحنة الإمساك بعلّة العلل التي تفسّر له – ولو نسبياً – لماذا يجوع ويتهدم ويموت، فكيف سيمسك بها مع سطوة العرق المغشوش حيث تأتي السكرة فتطرد الفكرة: «يا خستاوي ويا خضراوي يا برحي/ يا من بشمس الله متحصن/ وأنت يا بساتين العراق يا بربن/ يا أحمر بلونين يا شبه دم الحسين/ يا أغلى الرطب مَنْ رخصك؟/ وغلّى عليك الحشف والحسب؟».
اليوم خمر وغداً خمر، هل هي القاعدة الذهبية لتدمير الذات، ومثلما التحم الراوي بقميصه حتى صارا شيئاً واحداً فإن الخمرة توسّع حدود أناه فيحس بالمشاركة المخلصة مع «هرّ» البيت المهزول الذي كان يصاب بالهلع حين يسمع الصافرة المنذرة بقرب الغارات الجوية الوحشية حاله حال الراوي وقميصه – وقد شاهدت بأم عيني في إحدى الغارات الجهنمية كلباً يزاحم الناس المفزوعة للدخول إلى أحد الملاجئ المحصنة هرباً من القصف، لقد أصبح هذا الهرّ وبفعل الجوع والحصار نباتياً: «وقف أمام ورقة خسّ/ شمها ثم عافها/ خطا خطوتين ثم عاد لها/ منكسر النفس/ يا للدهر الأتعس/ قط من جوعه يأكل خس!! وليست طرفة أن نقول إن الأسود في حديقة الحيوانات ببغداد، لم تكن تأكل المأكولات النباتية التي ترمى إليها فحسب بل القطع الجلدية والبلاستيكية. وتحضرني هنا قصة عظيمة الدلالة للروائي الراحل «مهدي عيسى الصقر» عنوانها «عرين القطة» حيث يطلب الطفل من أبيه أن يصحبه إلى حديقة الحيوان ليرى ملك الغابة المخيف. فيأخذه ويشاهدان الأسد مهزولاً محطماً فتدخل قطة تجول بحريتها في العرين ثم تبول عليه قبل أن تخرج. يبقى الأب مذهولاً أمام قفص الأسد في حين يركض الطفل إلى قفص القرود حيث يتجمهر الزوار مستمتعين غير عابئين بمحنة الأسد، يقرر القميص وصاحبه والمقترح يطرح أولاً من القميص الماكر فيتحف الراوي – ومن خلفه ومعه الكاتب – بذلك من الشعور بالذنب – أن يختبر الغش الكامن في العرق الفل ومدى تأثيره على ما تبقى من صحتهما. تحت هذا الغطاء يمرّران العدوان المحتقن ويسقيان الهر خمراً، فينفتح الهرّ وينفر ويتشقلب في الهواء بمنتهى المهارة.. ينظر إليهما شذراً.. ويدفع رأسه (كبطل) لكنه سرعان ما يفقد وعيه ويتهاوى خائر القوى.. فما هو الدرس الذي سوف يستقيانه من تأثير العرق المغشوش في صحتهما؟ لا درس جسدياً لكننا أمام لعبة نفسية ترسمها ألعاب الـلاّ شعور وقصائده سوية وهي قادرة على توريط أكثر المبدعين اقتداراً وسط حماسة الإنجاز الفائق وفعل رغوة النرجسية الباذخة التي تغيب البصيرة النقدية وتطمس صفاء نظرتها الثاقبة.
كان مدخل هذه اللعبة «منطقياً» رغم لا منطقيته المتمثلة في التجريب على كائن أعزل يثير الرثاء (جائع، مهزول، منتوف الشعر) والنتيجة شقلبة بهلوانية في الهواء وانتفاخ واستنتاج خطير يتأسس عليها. «صاح قميصي صيحة من قتل/ أعرف الآن كيف نستغل/ وكيف صناع الحروب تدمر الحياة والأمل/ وأعرف كيف كل يوم نسحق ونمحق ونضمحل». لم تحصل مثل هذه النتائج السلوكية الخطيرة، لدى القميص وصاحبه وهما يشربان حدّ الثمالة، جائعين، مهزولين منتوفي الآمال. هكذا تغيب دفعات اللاّ شعور انتباهة الشعور وآخرين وقع في مصيدة اللا شعور الماكرة هو المفكر (عبد الوهاب المسيري) في مقالته (هل الصهيونية حركة رومانسية؟) المنشور في مجلة (وجهات نظر العدد/97/ – فبراير 2007) المهم أن هذا الاستنتاج الجذري يوصل قميص المحنة إلى القسم بعدم الخوض في لجج السياسة والانشغال بالعرق الفل حدّ الإغماء. وهذا هو الطريق المستقيمة الموصلة إلى الكارثة النهائية المحققة المتمثلة بالفناء المستسلم السلبي، الآن يحتضر القميص» بارداً مهترئاً مخرباً مفتقاً ممزقاً مخرّق» والراوي – خلّه وصاحبه – عاجز عن فعل أي شيء لإنقاذه وإعادة الحياة إليه.. وحتى اللحظة الأخيرة يراقب الراوي يحاوله القميص الجسور العبور العتبة مثخناً بكل الجراح لكنه يلفظ أنفاسه عند منتصف العتبة: «هو ميت وأنا مندحر/ كاعد وجاسه الماي قلبي المنكسر/ ودخان التشوفوه قره دخان قلبي» وها هو الآن معفر بالدمار وبالغبار/ ملوِّث باليورانيوم والحصار/ صامتاً بلا حراك/ آخ يا عراق/ من ينجو من محنك يا عراق؟!».
ولعلّ الجملة البليغة التي قدم بها المبدع «قاسم محمد» لنصيه هذا في أشيائنا.. أشياء منّا» تلخص بجناسها المناور روح «فلسفة» الحصار الذي فرضه الأشرار على شعب العراق. في عيادتي النفسية، وفي ظلّ الحصار، عالجت عراقياً أصيب بمرض الاكتئاب بعد أن باع باب غرفة نومه. كان يردّد: كان حارسي.. والآن كشفني بلا رحمة، أشياؤنا تحمل أشياء غير قابلة للخسران منّا.. لكن «قاسم محمد» وسّع الرؤيا والرؤية، فقد صمّم حبكة نصه يمكن أن يعبر عنها مقولة مركزة للمبدع المفكر «أدونيس» «من يشبهك يأخذ روحك» فيتنامى المعاشرة تنسرب – بهدوء مضلّل – جوانب من أرواحنا في أشيائنا – تنسرب بهدوء إلى أن تتوازن ونشارك كشبيهين يسرق كلّ منا روح الآخر حين يخذله مكرهاً بشكل خاص. وها هو القميص الذي تكفل الإبداع ببث الروح فيه ليصبح قريناً نفسياً للراوي يصبح صورة «مادية» الأناة الشخصي قابلة للانجراح والأذى. ولعل هذا من أعظم المنافع النفسية، فالراوي المهدد والمحاصر بأشباح الموت من كل جانب يتفرج منفعلاً على قميصه وهو يحتضر ويموت بعد أن واجه معه ضغوط التجويع والإفقار والحرب والإذلال، لقد حصن الإبداع الوجود الفردي ومنح المبدع قدرة خالق في التلاعب بالمصائر ورسم الأقدار بعد أن كان مصيره ومازال لعبة بيد قوى غاشمة لا قبل لها بمقاومتها. إن «حياة وموت قميصي» ليست نصاً مسرحياً فقط، إنها «قصة» وظف فيها المبدع باقتدار الروح السردية مستوحياً فن المقامات وأسلوب الحكواتي القديم. تترافق مع هذا المنحى السردي وتلتحم به ما أسماه الكاتب «التجريبية الشعبية» «وفق ما أدعو إليه في هذا المجال، أي أن يكون الشعب بجميع فئاته صاحب الحقيقة في تذوق وفهم واستيعاب هذا التجريبية عبر ذاكرته وروحه الفنية». وعبر هذا الفعل الخلاّف والرؤية الشمولية للعملية الفنية قدم لنا «قاسم محمد» حياة وموت قميص المحنة.. بل حياة وعذابات شعب كامل خلقته الآلهة وهي تبكي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.