د. نادية هناوي : المتوالية السردية مغالطة نقدية وجناية أكاديمية (ملف المتوالية السردية/7)

المتوالية السردية
مغالطة نقدية وجناية أكاديمية
د. نادية هناوي

ليس التنظير لمفهوم المتوالية بالجديد على النقد الغربي، فقد تحدث عنها نقاد غربيون، وأغلب تنظيراتهم تتعامل مع هذا المفهوم بوصفه اشتغالا تكنيكيا وليس نوعا أدبيا.
وبعد أن بزغت نظرية الانفتاح التي فنَّدت نظرية النوع الأدبي ودمجت الأنواع الإبداعية شعرا وسردا ببعضها ببعض، لم تعد( المتوالية ) سوى صورة لتفتت الشكل السردي للنوع الأدبي بغية الوصول به إلى الوحدة والتماسك.
وكان روبرت لوشر في أطروحته للدكتوراه الموسومة( متوالية القصة القصيرة الإقليمية الأمريكية كتاب مفتوح) قد وقف عند مفاهيم ( المتوالية / قصة الرواية / الروفيلا أي رواية القصص المترابطة / توليفة القصص / مجمع القصة القصيرة / حلقة القصة القصيرة / كتاب الصورة) وقد ظهرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وهي تعود إلى نقاد غربيين منهم دالاس ليمون وسيلفرمان وبيلسنت ريد والدرمان وانجرام وغيرهم.
وهذه المصطلحات بمجموعها تعني بحسب لوشر مجلد قصص كان قد جمعه المؤلف ورتبه، لكن لوشر عد هذا المجلد كتابا مفتوحا يدعو القارئ لبناء شبكة من التداعيات تربط القصص مع بعضها بعضا، وتمنحها بعدا ثيماتيا متراكما، مؤكدا أن المصطلحات أعلاه توحي بالوحدة الساكنة لأجزاء مترابطة ومستقلة لكنها تفشل في الإشارة إلى أهمية طبيعة توالي القصص أو العناصر المتكررة التي تمنحها وحدة أكثر ديناميكية.
ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم يعد يطرح الحديث عن المتوالية؛ إلا في إطار التداخل الاجناسي وأبعاده الانفتاحية التي ترى المتوالية إستراتيجية تدخل ضمن النشاط الذاتي للقارئ، وقدراته في صنع النموذج للارتباطات والاستمرارية النصية والعلاقات التكاملية بين الشخصيات كي نقرأ القصص وكأنها متوالية.. علما أن التنظير للمتوالية كان عرضيا عندنا، وقد جرّبه السارد كتقانة واجهها بالتجريب.
وعلى الرغم من أن الدرس النقدي تقدم كثيرا في التنظير للمتوالية؛ إلا إننا نجد بعضهم يجازف مجازفة غير مسؤولة في عد المتوالية اجناسية، مضيفا لها توصيف ( السردية ) مبشِّرا بها موضوعا وهميا لأطروحة أو رسالة جامعية ستؤسس بدورها لموضوعات أخرى وهمية يسجلها طلاب يتوهمون أنهم واقفون على أرض النقد الصلبة، وقد تنتقل هذه العدوى إلى النقد عامة بمساع مدركة أو غير مدركة.
ولسنا نلقي اللوم على طالب ما عاد يأتي إلى ميدان الدراسات العليا، إلا وهو خالي الوفاض كأنه البياض، لكن هذا بالضبط ما يريده الناقد الواهم، كي يخط على هذا البياض سواد وهمه وضلاله.
وإذا افترضنا أن الدرس النقدي لم يصل بعد إلى مرحلة الانفتاح وأن القول بنظرية النوع الأدبي ما زال صالحا، فسنجد أيضا أن المتوالية هي تجريب كتابي وتقنية نصية يقتصر اشتغالها داخل البناء السردي، وليست إطارا بنائيا لمجموعة أبنية سردية، فضلا عن أن ما يميز القصة القصيرة عن الرواية هو صيغتها الاختزالية التي بها تصبح القصة القصيرة غير قابلة لأن تكون متوالية. ونتفق مع لوشر أن السبب هو عدم قواعد وصفية في التنوع الواسع داخل القص القصير أولا ولان مسلك القصة القصيرة يصعب تصنيفه ثانيا ولان القصة القصيرة مصطلح مطاط إلى حد بعيد ثالثا.
ومن هنا يغدو من غير الممكن عد المتوالية ( السردية ) ومتوالية ( القصة القصيرة) اجناسية لتفكك الشكل وضعف الوحدة، لكن عدها إستراتيجية تكنيكية ممكن لأن مسألة التوالي رهن بالقارئ وقدراته وليست مرهونة بمؤلف يضعها تجنيسا لمجموعة قصص لان هذه القصص هي في الأصل رواية. وعن هذا يقول روبرت لوشر:” كلما أصبحت المجموعة أشد وحدة من الناحية العضوية والتكنيكية فإنها تقارب المنطقة الوسطى الفسيحة من متوالية القصة القصيرة . وقدر ما تفقد الأجزاء اكتمالها الفردي وتخضع للمخطط السردي الأوسع فان العمل يتخذ طابعا روائيا” ص99
وهذا ما فعله الروائي جهاد مجيد في روايته( حكايات دومة الجندل) التي أشكل أمر تصنيفها الاجناسي على بعض الدارسين بسبب هذا التداخل ما بين مصطلحي الحكاية والرواية، فكان أن عدها د. ثائر العذاري (متوالية سردية) وأدخلها د.علي إبراهيم في باب ( قصة الرواية )
وإذا عددنا توزيع الكاتب للمادة القصصية إلى أقسام وفصول هو التوالي؛ فهل ستكون رباعية( الرجل الذي فقد ظله) لفتحي غانم والصادرة عام 1961، وهي أقدم صدورا من النصوص التي مللنا تكرارها عند الدارسين لنزرتها ولنزرة معرفتهم بسواها أو رباعية الإسكندرية لورنس داريل متواليات روائية أيضا ؟.
وبعد أكثر من عقد على ما طرحه روبرت لوشر عن اجناسية متوالية القصة القصيرة، يأتي والاس مارتن ليحسم مسألة المتوالية السردية واصفا إياها بأنها مجموعة أحداث بعينها يتم التلاعب في تسلسلها على مستوى الحبك. والفرق بين المتواليتين أن مفهوم المتوالية السردية كإستراتيجية بنائية أبقى من المفهوم الأول كنوع أدبي.
وعلى الرغم من تلاشي الحدود بين الأنواع الأدبية باتجاه التداخل الاجناسي؛ إلا إن الالتفاف على اجناسية متوالية القصة القصيرة، باتجاه جعلها اجناسية متوالية سردية ما زال قائما.
وطبقا للانفتاح النصي والتداخل الاجناسي لم تعد الرواية نوعا أدبيا مستقلا، فهذا لوسيان جولدمان يوافق لوكاش في تعريف الرواية بأنها قصة بحث متفسخ بحث ممسوس بحث عن قيم أصيلة في عالم اجتماعي هو نفسه متفسخ، ويوافقهما جيرار جينيت الرأي واجدا التفسخ نتيجة لمرض وجودي.
إما جوناثان كلر فيضرب مثلا في مقالته( نحو نظرية لأدب اللانوع) للمتوالية بوصفها تقانة موجهة للقارئ، فيقول:” لو أننا برمجنا كومبيوتر بحيث يطبع متوالية عشوائية من الجمل الانجليزية فان دراسة النصوص الناتجة عن هذا ستكون لها أهمية كبيرة ذلك أن القراءة في ظل هذه الظروف هي عملية صناعة للمعنى”، وهذه العشوائية وذلك التفسخ يؤديان إلى النتيجة نفسها وهي أن المتوالية ليست جنسا أدبيا.
وليس تذبذب الفهم وتشوش الرؤية في إدراك علاقة التقانة بالشكل ودور التقانة في تفتيته، إلا تركة من تركات الواهمية النقدية التي تجعل المرء واقفا عند حافة البحر وهو يعتقد انه خاض غماره وسبر عبابه مقاوما لججه متحملا أهواله ومصارعا أمواجه عارفا جزره مكتشفا شعبه ومرجانه، بينما هو في الحقيقة ما يزال عند الحافة ولم يتعدها.
وكان الدكتور عبد الرحيم الكردي في كتابه( قراءة النص تأصيل نظري وقراءات تطبيقية) وبناء على فهمه الدقيق لمعطيات نظرية التداخل الاجناسي، قد رفض أن تكون (مرج الكحل) 2005 لمنير عتيبة، متوالية قصصية وإنما هي مزيج مهجن يجمع بين ملامح من الرواية والقصص القصيرة والأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية، ومما قاله أيضا: “مرج الكحل ليست مجرد متوالية من القصص القصيرة التي يمكن قراءة كل واحدة منها بصورة مستقلة ..وهي أيضا ليست رواية لأنها لا تحتوي حبكة ولا حكاية موحدة هي عبارة عن شرائح للوحة كاملة من الرسوم المتحركة لكنها مفككة تشبه اللوحات المصممة عن طريق برنامج الرسام في الحاسب الآلي”.
وعبد الرحيم الكردي هو الذي حدد أن استخدام تيار الوعي في الرواية المصرية كان قد بدأ في ستينيات القرن الماضي وفي هذا التاريخ تحديدا أخذت الأشكال الجديدة المتمردة على الشكل التقليدي تظهر في الرواية العربية في مصر.
وهذا دليل آخر على أن المتوالية اشتغال ينبغي التعامل معه بنقدية وليس باعتباطية تتأتى عن كسل فكري هو أحد أمراض البحث العلمي لدينا.
أقول هذا وأنا أجد أن بعضا من واهمي النقد لا يدركون محاسن المتوالية في تدمير النوع والقضاء على استقلاليته، وهذا ما أكده ميشيل فوكو في مقالته (ما معنى المؤلف)” أن الكتابة اليوم قد حررت نفسها من البعد الخاص بالتعمير ..”
وبذلك يصبح الفرق في فهم معنى الرواية وفقا لنظريتي النوع الأدبي والتداخل الاجناسي فرقا مفصليا، وهو ما يصفه جيسي ماتز كالآتي:” في الوقت الذي كان فيه الروائي الحداثي يسعى للإيماءة إلى الوعي كما لو أن الرواية الحديثة عملت كنافذة شفافة نطل منها على الوعي، فان الروائي ما بعد الحداثي اهتم بتوجيه بؤرته صوب المدخلات السردية ذاتها” تطور الرواية الحديثة،ترجمة لطفية الدليمي،ص 296
وما حال المغالطين في النقد إلا كحال ذلك الذي يدفعه شعوره بالنقص إلى المخالفة الواهية أو حال ذلك الذي نفعته حظوظه فغالط بلا رقيب يحاسبه، أو أعانه منصبه فتخرص من دون وازع داخلي أو مانع خارجي .
وخطورة هذه الواهمية العلمية أنها تجعل للواهم واهمين مثله يؤازرونه بدلا من أن يردعوه فيحابونه متبجحين رياء وادعاء.
وتستدعي منا هذه المغالطة التصدي الحازم والوقوف الصارم قاطعين الطريق إمام التمريرات لرسائل واطاريح يراد لها أن تكون أكاديمية؛ وإذا ما تمت إجازتها فستكون وصمة سوء ودليل رداءة على مرحلة من البحث العلمي تشهدها أروقة جامعاتنا.
وإذا لم نتخذ موقفا صارما بإزاء هذه الواهمية العلمية، فلن يمكننا تفادي الخطأ أو تصحيحه مستقبلا، وستظل علامة شائنة لا في تاريخ النقدية الأكاديمية، وإنما المنظومة النقدية بعامة التي من مسؤوليتها التصدي لأنصاف المقتدرين تصحيحا للمسارات والمنعطفات.
وإذا ما حصل ذلك، غدا ما كان صلدا مفتتا وصار الذي اختمر متعفنا وغدا المنطقي عبثيا والحقيقي مصطنعا والعقلاني النافع عصابيا نفعيا.. تماما كالحال الذي يصفه كافكا بالقول: ” ما أقوله يختلف عما أفكر فيه وما أفكر فيه يختلف عما ينبغي لي أن أفكر فيه وهكذا تسير الأمور أبعد فأبعد إلى أن تصل إلى الظلام الدامس ) والعياذ بالله.

( نشر المقال في 22 كانون الاول في جريدة الصباح )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. إشبيليا الجبوري

    الاستاذ د. حسين سرمك المحترم
    فريق عمل الموقع المحترمون

    وبعد٬
    و محد السؤال مبني٬ على: هل المتوالية السردية بوجودها يوجد متخذ وعي تاريخي مصحوب بوعي لغوي لها؟ وإن كان جائز٬ إيهما يستبق سرديا في المقام: البنية أم الاسترايجية بدءا .؟

    مع التقدير والاحترام؟

    إشبيليا ـ طوكيو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *