الرئيسية » نقد » ادب » عيّال الظالمي :استشرافات لقارئ مبتكر؛ استدراج لـ “عقارب ذاكرة” تحسين عباس

عيّال الظالمي :استشرافات لقارئ مبتكر؛ استدراج لـ “عقارب ذاكرة” تحسين عباس

دأبَ الشاعر والمُنغِّم  والناقد الموسيقي على وضع نفسه عبر تواصل دؤوب في المجالات التي توجَّب أن يكون مبدعاً باجتهادٍ عصامي شاحذاً هممه منعكفاً تارة، متواصلاً تارة، يقف
كثيراً عند الحاجة للوقوف فالشعر لايتعافى الا بخروجه من سطوة التحديد والمعايير
المجهضة نحو رؤى ابهى ،وحينما نقرأ نصوصَهُ الشعرية العمودية والنثرية ،نجدها صالحة
النبت ،طرية أحيانا يتملكها التعقل في كثير من الأحيان وله اعترافاته :
بعد إن فاحت ملامحك
من عدسة الغيب
إستأنفتني أمنية عتقتها بحنيني
وقد تأخذنا المسارب في أدب (تحسين عباس)بعيدا حينما نطارد ما نبغي الحصول عليه
له… عين لامة للهم المجتمعي والشخصي وعند  قراءتنا المتواضعة لمجموعته البكر
{عقارب الذاكرة}الصادرة في سنة 2010 برقم ايداع من دار الكتب والوثائق ببغداد 2108  يستوقفك العنوان البارز والصدمة الأولى بما أراد الشاعر من الإيحاء
..هل هي العقارب الكبيرة بكل إرهاصاتها وتداعياتها في العمل الهمي من منافسه والتي  لا
ترقى لمستوى الأدب أحيانا..أم هي استثارة عقارب ساعات ذاكرته، لتجود بما خفي لكي
يرينا ما أخفت به الحجب وسنون العمر ومعترك روحي عبر ممراته التي سلك ليقول في بدأ :

الأسماءُ
دالة ٌ سمعية ٌ
تلتقطها الأنفاس
في لحظة دافئة
وهي في رحم الوجدان بواكير (عباس )منوعة جاءت من مناهل الوطن والحب الخفي واهتمامات
تفاعلية  مع إحتدامات عمله اليومي ومواكبة التنوع ما بين الرقي والتدحرج الذي يقف
بينهما برزخ من الصراعات عما يفـّر أو من يقر لتساؤلاته ومعتركه ،انتصاراته الكثيرة
وانتكاساته ،اهتماماته وعدم مبالاته ..تاركا للزمن جيوشه وللضمائر معاوله،فالباعة
ينادون عمّا (بار) :
{العشق جذب  في النفوس بريقه= يتلوه ليل ساهر ونحول
ساءلت نفسي أيهم بي ساكن = ردت  علي سؤالي المسؤول}
خلت مجموعته من الرموز الروحية والمكنية المباشرة ما عدى (ساوه) جاءت في نتفة لافته
وهذا ما يؤكد  عصاميته في أحيان كثيرة  وقد تكون فواجعه غير مزدهرة وهذا ما أتمناه.
يشفع لـ(تحسين)انه عراقي لم يجزأ بيئته حينما قال (اينما سكنت فبيتي المثنى {المثنى
راية خفاقة =في شذاها القلب غنى منشدا}اما العراق افرد له(نشيد العراق) (خيل
الرجال) : عراقٌ وخيل الرجال كفاه = يكبِّرُ باسم الالهِ علاه ، وعُدَّ من النصوص العروضية،لكن في الجزء العمودي كان شجنه قليل الندى كثير  السدى لم تبرق الدمعة قط لأنه راجع إلى حيثيات قد  تكون تكوينية أو  فسيوليجية أو زوايا رؤيوية أمعن بها الحداء الفلسفي فتصحرت  مزارعة..لم  تذبل أو تتذابل أعواده كانت صلبة تعودتِ الوقوف بوجه الريح حتى أرقه لم يكن يزرع الصّبار من الجفون وكانت  لياليه مدرعة حتى تفاعيل غزله لم تكن لينة بالرغم من مناهله الموسيقية وعازف يحيه  النغم :
(قدرٌ بكى ثم اشتكى من نفسه= لما رأى مأساة حب ٍّمرهق
فالحظ مني شامـخ متكـبر =وســـــواي حــظ ٌجـاءَهُ بـتمـلق
أنهكت آمالي وأحلامي عسى =ولعل ظني مثل نسج خدرنقِ)
أتلمس بثقافتي المتواضعة إن الشاعر يكبت همهُ كما يكبت الفاعل في جل أبيات   قصائده
التي نثرها في طيات مجموعته ،مما أدى ذلك إلى إفراد الصراع الداخلي بين البوح
المبحوح والنتاج المعروض للقارئ ،ربما نتج الاختلاف في التوصيل ببعض نصوصه لاستعمال
الإشارة في وقت سابق غير  الوضع الحالي أي الوضع السياسي فالدلالات تخلل عبر ممرات
الصمت المفروض   فأظهر الصراع النفسي عند الشاعر نتاج حتمي لم نألفه ولكن تواريخ
النصوص ينبأ عن المضمون حيثُ كان جريئاً عندما وثـَّقَ نصوصَهُ القديمة وعرض منجزه الذي يوآخذ عليه ولكن تثبيتَ التأريخ أسفلُ كل نص لكي يعلمَ القارئ أنها من بدايات نظمهِ على عكس
الشعراء الآخرين الذين يقدمون الناضج ولا يذكرون أنهم كانوا اقل خبرة وتمكن …وفي
الإشارة لولادات (عباس)أحسها معسرة نبعت من مخاض عسير وبتفكير مضني ، لا  لإجبار
النفس على الكتابة بل لتطويع البوح لما يمليه الشرط الشعري والزاميتهِ من إثبات
شخصيته وإجادته وعدم شموله بأنه طارئ على الساحة لذلك كان مشغلة مكتظ بنحت جملة
لإثبات ذاته.فان تمكنه من العروض وإغراقه في البلاغة كدراسة  إضافة إلى دراساته
الفلسفية و الموسيقية النقدية ولدت لديه الهاجس النقدي أكثر من الهاجس الشعري:
فغدوت لا ادري بما ادري به = وضننت شمسي مغربا أم مشرقِ
ثم يقول موجها صوته نحو العرف الاجتماعي:
صادروا حرية القلب بضاعة=سرقوها من فؤادي بفضاعة
وأنا في أول العمر شبابا=هل يردون الهوى إنْ ضاع ساعة
هكذا هو( الكعبي)
وبغض النظر عن النظريات القديمة والحديثة  في بدأ الشاعر لمنتجه من الجمل الاسمية
والفعلية وإيقاعها على إذن المتلقي أرى إن روح الشاعر المانحة تمتلك القوة لإكثار
الجمل الاسمية  حيث يشبهها بعض النقاد الكبار بن الاسم يكون أكثر صلابة وفق
الدراسات النفسية  للكتاب وان الفعل أكثر لين وما إلى ذلك من اختلاف في الرؤى ففي
مجموعته التي لا تمثل حقيقة الأمر( منجزه الشعري )إلا إن هناك قصائد معنية بالشاعر
عينه لتجربه خاصة ربما تكون غير واضحة المعالم للمتلقي ويجب على المتلقي إن يكون ذو
ثقافة لفــك رموز هذه النصوص التي في بعض الأحايين نقلب الصفحة عنها.وفي أحايين
أخرى أجده ريـــــَّاً  عاطفياً :
النجوم تزخرف بريقها على وسادتي
الطرقات ما زالت تختبر خطواتي إليها
الخيال متعثر بانثيالاتي
الفيض افترش غرينه على سواحل مهجتي.
رؤاه متنوعة لكنه محموم بتساؤلاته لتلمس عما يجيد  أي إجادة ليضع القاري في ساحة
النص ، ليعلن المشاركة في نصوصه التي أتت بعفوية كتابته عن الاهتياج الروحي وعوزه
آنذاك لمتنفس يلقي على دكته نوازع الروح . ولكي نعطي (تحسين عباس ) حقه يجب إن نقرأ
الجزء الأخير بإمعان وتأني حيث نضج همه  ونصوصُه عبر الزمن من مدلولات تواريخ
معنوناتها  المكانية والزمانية لذا أجد إن الانفراج الروحي والمتنفس المتأني أي
للمتلقي الهادئ أعطاؤه باحة من الزمن لكي يسمع تنهداته :
على وسادة عتيقة
كنا نرتشف الحب
تحت أزار الليل
نعتق القبلات
حتى يـُنهك زفيُر الشوق بآهاتنا .
وأصبح للهاث (عباس) عبقا يستنشقه لذة لتعبهِ وحصاداً لمزارع غلتهِ لمَ لا وقد أزهرت سني
الجدب عن مروج استودع بها غاياتِه الرهيفةِ ولأفعالهِ النديةِ في قصيدةِ (عبق اللهاث)
تؤكد الأفعال المضارعة أشراقاته  إذ بان سنارها :
تستبقني هسهسة صوتك شغفاً
في قـدِّ ما تبقى من حياء
يـُعلنني مذنبا في المجون
لأني لم أضع آثاري بمتحف القبلات
أليس رائعا هذا المتعب ليقسم روحه في تعاريفه القيمة لما فرضته خلفيته المتراكمة من

اسحار ضوئي، وتراتيل خافية،ومدد ماسي،متطوعة في مسالك الجموح، تقصها الألفاظ
المتجاورة،على شواطئ باحتها الوله …ليضع البداية ولتبدأ عقارب ذاكرته بالدوران
المتزن كي نحضى بشاعر ثر الرؤيا والروح إيثارا وتسامحا وليكمل أبجدية الغزل على مهد
التفاصيل …..
هذا الرجل الواقف
بيني وقلبي
حمـّال أذيتي
يحتضن مفرداتي بضلوع
ويشير الى الناس باتجاهي
تستشرفه الحروف
فينفلق إبتسامات
بوجه المُـدى
يؤثثُ في القلب فسحة للبقاء .

3 تعليقات

  1. سلمى امين

    شوقتني لقراءة هذه المجموعة كثيراً  لما قرات من جميل دراستك فيها . 

  2. كنت هنا اتجول مع عقارب الساعه لاتلذذ بنشوة حروفك.. فيا له من جمال
    نحياتي لسموكم

  3. اعتذر عقارب الذاكره… وليست الساعه القصد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *