ياسين شامل : مخيم المواركة.. تطرح سؤال حرية الفكر (ملف/31)

إشارة :
طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي عبر فهم عميق لسرّ الحداثة المنبثقة من عمق التراب العراقي (تراب البصرة تحديداً). يذكرنا جهد جابر أو مشروعه بما قاله الراحل الكبير “عبد الرحمن منيف” في رسالة إلى المبدع “شاكر خصباك”: “النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة”. واعتزازا بتجربة جابر السردية المتفرّدة تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

مخيم المواركة.. تطرح سؤال حرية الفكر
ياسين شامل

في العهود الأولى للإغريق والرومان، كان لهم الفضل الكبير على الإنسانية، لتعاملهم بحرية الفكر، وحتى وقتنا الحاضر لمن أقتفى خطاهم من الشعوب واعتمد نهجهم كدستور للحكم والحياة.
ولما جاء القديس أوغسطين، فتح الباب لمبدأ الاضطهاد – الذي أستمر طويلاً – مستنداً إلى عبارة وردت في الإنجيل على لسان المسيح ” أجبروهم على الدخول في حظيرتكم ” لتبدأ سطوة الكارثة، و ما تلاها من مآس فظيعة لمحاكم التفتيش. أن تلك العبارة تتواصل مع مقولة فرانكو الشهيرة ” في أسبانيا عليك أن تكون كاثوليكياً أو لا تكون أي شيء”.
أن حتمية التغيير في مجريات التاريخ وشؤون البشر و العلاقات الاجتماعية، لا بد أن تندفع نحو الأحسن، وتصل إلى حالة من الرقي ، وهذا ما حصل للشعوب المتحضرة ، التي أدركت، أن هذا الطريق لا مناص منه، و بالأخص فيما يرتبط بالفكر، لا بد أن تكون التطلعات نحو حرية الفكر، و هذا ما أستشفه في التفاصيل الدقيقة في رواية “مخيم المواركة” للكاتب جابر خلفية جابر الصادرة عن “دار فضاءات” . الطبعة الأولى 2012.
لا بد للفكر أن يكون حراً طليقاً، و للإنسان مطلق الحرية في الاختيار و الاعتقاد. ومن المؤلم أن يمتلك الإنسان فكراً، ويعدم الوسيلة من أجل إيصال فكره إلى الآخرين ، قد لا يستطيع قوله وبثه أو حتى تدوينه في ظل سلطة النظام الشمولي الذي لا يسمع غير صدى صوته.
أن الدعوة إلى حرية الفكر نجدها في مقولة أحمد رودميرو ” باتت ” أي مقولة فرانكو ” من الماضي و علينا ، أن لا ندع لها أي حيز مهما كان صغيراً، لا في أفكارنا ولا أقوالنا، و لا في أي من أفعالنا وسلوكنا مع بعضنا و مع الآخرين “، أن هذا الكلام ينسف مقالة فرانكو، وربما غيرها، ليحط بنا في عالم ملؤه التسامح والاعتراف بالآخر، و تقبل الأفكار التي تتعارض مع أفكارنا.
هذه الروحية التي يتكلم بها أحمد رودميرو لا تخص الموريسكيين فقط ، بل تخص باقي الأقليات والطوائف الأخرى، اليهود، وهنود المايا، و الأزتيك، والآخرين.
أن هذه المآسي التي تحدث، تتناغم مع مأساة العراقيين التي مرت، و التي قد تمر، ليس ضد الأقليات ، بل ضد الجميع ، أنها مأساة كبرى ، في ظل حقوق الإنسان ، وتحت عيون الجميع، و مرأى الله .
هذه الرواية تتوق إلى الحرية، و في مفرداتها ما يعين على التحرر الفكري، ويحقق للإنسان إنسانيته الحقة، وحقه في اختيار الفكر و اعتناق المعتقد، في عالم متسامح ، لا متقاطع . و نجده في المخيم و من يخيمون فيه من طلاب و أساتذة أسبان، وأديب أرجنتيني، وحضور كاتب هولندي و زوجته ……. ، و كذلك القصاصات السردية ، الأقفال ، كم هي موحية، وأشد ما تكون مرتبطة بالحرية.
أن أسلوب القصاصات السردية ، ما هي إلا وسيلة للتعبير عن الأفكار ، لكن ما قيمة أن يمتلك الإنسان فكراً ولا يستطيع البوح به لأقرب الناس، بذلك لن يكون فعالاً أو مؤثراً، أنها حرية الفكر التي تتمثل بالقول و الكتابة. ومن ثم يأتي العمل.
في الأنظمة المتسلطة التي لا تؤمن بحرية الآخر، وممارسة عاداته، و طقوسه، يكون التعسف والمنع يشمل أبسط التفاصيل، تهدم الحمامات ، وتمنع الموريسكيات من التزين بالحناء، وقرارات المنع لفليب الثاني، لتشمل الزي والحلي للموريسكيات، كي تطمس الهوية الخاصة بالموريسكين، الذين طالتهم سطوة محاكم التفتيش.
إن الإيغال في وصف الأفعال المشينة التي قامت بها محاكم التفتيش الظالمة، حيال الموريسكيين ، ما هو إلا الإصرار على المطالبة بالإنصاف ، و إقرار الحق، في الحرية بما فيها حرية الفكر، التي هي في المقام الأول، و إذا تحققت حرية الفكر ، تتحقق الأمور التي تأتي في المقام الثاني. فلم يشفع لزوج قمرين تاريخ أبيها العتيد. ما جريمة زوجها سانتو المسكين؟، لم يفعل شيء سوى أنه تشاجر مع هذا القس، وكذلك ما يحدث، من بيع الأطفال الموريسكيين و الأمهات الموريسكيات ، ما هو إلا إدانة للقيود والأعمال التعسفية لأوامر الكنيسة.
هذه المطالبة الضمنية بالحرية و الإنصاف، لا تعني الموريسكيين فقط ، و إنما ترتقي لإنصاف اليهود الذين تم تنصيرهم رغماً عنهم ثم أطلقوا عليهم هذا الاسم “مارانوش “، أنه الجانب الإنساني، باعتبار الإنسان قيمة كبرى في الوجود ، عندما يمتلك كامل حريته في الفكر و المعتقد.
أن حرية الفكر ليست يمنحها بسهولة، مثل الهدية، من هو متسلط و يتحكم في مصير الآخرين، لأن ذلك يتعارض واستمراره في السلطة ، والمتسلط الحاكم ، لا يرضى بذلك أي لا يرضى بالتخلي عن السلطة، و التاريخ شاهد على ذلك في الوقت الحاضر ، و الزمن الغابر، فالكثير من الشعوب لم يمتلكوا حريتهم بالكلام ليكون حقاً طبيعياً إلا بعد أن قدموا الكثير من القرابين و الدماء ، وربما لآماد طويلة، وأن الأفكار التي تعارض السلطة المتعسفة لا تأتي من أشخاص كسالى، خانعين، لكن تأتي من أشخاص يفكرون، منتجين ، أو ربما مغامرين، مثل كريم ” كاسيوس ” ومشاركين في ثورة الأندلسيين. وهي رمز لغيره من الآخرين.
أن رواية مخيم المواركة لجابر خليفة جابر ، هو إسهام جاد ليترسخ بقوة اسم جديد في عالم الرواية ، أما الرواية فهي جديرة ليست بالقراءة فحسب، بل بالتأمل، لأنها تضج بالتطلع إلى حرية الفكر بالإضافة إلى المعاني الإنسانية التي تنساب في سياق السرد بما يتضمن من حيثيات الحداثة والدلالات الموحية.

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *