ناطق خلوصي: غايب .. باناروما الموت في الواقع العراقي

يفاجأ قارىء رواية ” غايب ” وهو يتوغل في نسيجها السردي ، ان بتول الخضيري تجترح خلطة روائية ، مثل تلكم الخلطات العجيبة التي كانت قارئة الفنجان ام مازن ( إحدى شخصيات الرواية ) ، تعدّها إلى زبوناتها : خلطة جاء على غلاف الرواية الأخير ما يفيد بأنها ” تجمع بين السرد الواقعي للحدث والهلوسة السوريالية للشخصيات ، يتخبط الجميع في كولاج دادائي لخراب البنية التحتية وما ترتب عليه من تهاوي البنية الاجتماعية . ”  ونزيد نحن إلى ذلك فنضيف إليها البنية الإقتصادية والأخلاقية أيضا ً. وينحشر ذلك كله داخل إطار سيَري تحتكم الروائية فيه إلى اسلوب يقترب من اسلوب اليوميات ، دون أن تعوزها الجرأة في الوقوف عند موضوعة كان اقتراب الكاتبة العربية منها يعد ضربا ً من المغامرة الأخلاقية غير محسوبة العواقب . وتكاد هذه الرواية تشكل امتدادا ً اسلوبيا ً ومضمونيا ً لرواية الخضيري الأولى ” كم كانت السماء قريبة ” ويميل المنحى السردي فيها نحو المباشرة في جزء واضح منه . ولمثل هذا الميل ما يبرره ما دامت الرواية قد حرصت على أن تلقي الضوء على مرحلة تاريخية هي من أصعب وأقسى المراحل التي عاشها العراقيون ، وأن تقدم مشاهد قاتمة من أيام الحرب والحصار التي مازالت آثارها ماثلة حتى اليوم ، لذلك جاءت الرواية حافلة بالأرقام والوقائع والإشارات المتواترة إلى معلومات موثقة . فالرواية وثائقية إذن ، محكومة بهموم فردية وجمعية ، وتهدف في محصلتها إلى إدانة الحرب التي لها حضورها الدموي حضورا ًيحفر وشما ً عميقا ً في الذاكرة . لم تقدم بتول الخضيري استقراءا ً لحدث آني ليقال بأن عملها جاء محكوما ً بإرهاصات الإنفعال والشد النفسي المباشر ، أو انه عمل يدخل في خانة الأعمال التعبوية . فقد انتظرت لعشرة أعوام أو أكثر بعد الزمن الفعلي للأحداث التي تعرضت لها فاستوعبت ما حدث لأبناء جلدتها وهي شاهد عيان على ذلك ، فنضجت أفكارها على نار هادئة على ما يبدو . ولاشك في ان مدة عشر سنوات من الإنتظار كافية لأن تفعل فعلها . يقول الكاتب محمد سلماوي ، ” في سياق حديثه عن التطورات السياسية العنيفة التي تحدث في عالمنا العربي ، سألت الأستاذ نجيب محفوظ : هل يمكن لهذه الأحداث أن تولّد أدبا ً أم انها تقع خارج نطاق الإبداع الفني ؟ فقال: إن الأحداث الوطنية الكبيرة قد تصبح مادة ثرية جدا ً للأدب والفنون لكن ليس أثناء وقوعها . فالعمل الفني في جانب منه هو اجتراروإعادة بعث للأحداث بشكل جديد تحدده الرؤية الخاصة للكاتب . ولكي يصل الكاتب إلى تلك الرؤية ، فإن عليه أن ينتظر إلى أن يكتمل الحدث وتتكامل تداعياته حتى يستطيع أن يكوّن فيه رأيا ً شاملا ً . ” (الأهرام ــ 10 حزيران 2004 ) . ونزعم ان بتول الخضيري فعلت ذلك بشكل أو بآخر، وإن كانت بعض تداعيات ما حدث في العراق لم تكتمل بعد وما زالت قائمة حتى الآن. ونستطيع القول بأنها قدمت مقطعا ً بانوراميا ً من حقبة معتمة تواصلت على امتداد عقود من السنين . يهيمن هاجس الموت على الجو العام ويستحيل على طائر شؤم يحلق في فضاء الرواية فينعكس مسرب نحليقه على الأحداث ، بدءا ً من العنوان ” غايب ” ( والغياب كناية عن الموت )، مرورا ً بالإهداء ” إلى الراحلين أمي وأبي ” ، وانطلاقا ً من المشهد الاستهلالي ” جاء في التقرير الطبي ومذكرة الشرطة ان أبي مهندس النفط قد مات قبل أمي ربة البيت بنصف ساعة . حدث ذلك أثناء مسيرة بالسيارة من بغداد إلى مقر عمله في صحراء سيناء … مع فرقة لغم من بقايا حرب 1967 ” ( ص 5 ) .
وتتواصل بانوراما الموت من ذلك المشهد . فمن موت أحد اللصوص إثر محاولة سرقة سيارة كهربائي محترف مدّ لها في الليل سلكا ً ربطه بكهرباء البيت ، إلى مأساة ملجأ العامرية  حيث أتى القصف على أرواح مئات الأشخاص من مختلف الأعمار ، إلى مقتل أمجد ( صديق طفولة بطلة الرواية دلال ) هو وأمه في انفجار طائرة كانت متوجهة من فيينا إلى بغداد فارتطمت بجبل في سوريا . وقد قيل بأنها عملية مدبّرة للتخلص منأبي أمجد الذي كان يعمل مع المقاومة  الفلسطينية . وثمة إشارة إلى الطفل الذي مات مختنقا ً بعلكة وهو يضحك بعدأن تأخر وصول سيارة الإسعاف ، وموت زوجة سامي ( أحد ساكني العمارة التي دارت فيها الأحداث ) هي وابنتها تحت الأنقاض بفعل القصف الذيالذي طال مسكن الفنانة ليلى العطار وقتلها هي الأخرى ، وموت سامي هذا نفسه بعد ذلك ، ومشهد قصف الجنود بقنايل عنقودية . ” ساعات من مفرمة بشرية … تحولت مساحات كبيرة  من الجنوب إلى ساحات خردة تتناثر فيها سيارات مدنية وعسكرية دمرت .  تفجرت وتحولت إلى كتل متشابكة من خيوط حديد . بعض سائقيها احترقوا في اماكنهم . تفحم أحدهم ولم يبق منه غير طقم أسنانه المبتسم للكاميرا ” ( ص 93 ) . وإذا كان هذا قد ورد على لسان سامي الذي كان يعمل مصورا ً ، فإن صورة لا تقل إيلاما ً تجسدها كلمات إلهام الممرضة التي أصيبت بالسرطان نتيج الإشعاعات التي تعرضت لها أثناء عملها في مستشفى البصرة لمدة سنتين  : ” أتمنى أن أهرب من المستشفى بسبب منظر الصغلر وهم يحتضرون ” ( ص 95 ) . وحين تعيد إلى دلال اللعبة التي كانت قد تبرعت بها إلى قسم الأطفال تقول : ” خذيها لقد مات . كم تعلقت به . لم يبلغ الثامنة بعد . نزف حتى الموت ” ( ص 96 ) . محنة تمتد أفقيا ً وتتشعب في الجهات وتتسع حتى تغطي العراق كله . فمن الجنوب إلى الشمال حيث ذهب رئيس تحرير مجلة ثقافية ضحية القصف الكيمياوي في حلبجة عندما كان في مهمة صحفية فأصابته سحابة صفراء مات بسببها بعد أن تقيأ ثلاثة أيام . ويتواصل مسلسل الموت في الرواية فنتعرف على خبر الأب والإبن اللذين انتحرا معا ً بعد ثلاث سنوات من البطالة ، وخبر الأسرة التي مات لأفرادها احتراقا ً بفعل تخزين الوقود في البيت ، ثم خبر موت أخت إحدى زبونات أم مازن مصعوقة بالكهرباء .  وتجسد الرواية وهي تقترب بأحداثها من النهاية ، مشهدا ً رهيبا ً للموت : مشهد الخيمة العسكرية التي أقيمت في إحدى ساحات نادي العلوية لسبب غير معلن بادىء الأمر ، ويبقى سرها يؤرق دلال إلى أن تكتشفه فإذا بها أقيمت لتحشر فيها أكداس من الجثث بعد أن ضاقت ثلاجات المستشفيات ” قتلى أطرافهم مبتورة ، سيقانهم ملتوية ، وجوههم مشوهة . . رأيت طفلة لها شرائط في شعرها لكن عينها مقلوعة ” ( ص 240 ) . وهكذا ظل الموت طاغيا ً على الأحداث . ولا عجب في ذلك ، فالموت العراقي صارت له خصوصيته المميزة . إنه موت بالجملة وبالمجان ولا يثير ضحاياه معاطف العالم المتحضر !
ولم يطل الموت البشر حسب وإنما طال الأرض والشجر . فق” قتلت مئة ألف نخلة نتيجة القصف ” ، أما النحل الذي عمد أبو غايب إلى تربيته لكي يوفر مصدر عيش للأسرة ، فقد أصيب بالجنون قبل أن يموت لأنه شم رائحة الجثث المكدسة في الخيمة العسكرية . وطال الموت الضمائر أيضا ً.. فمن حكاية الرجل الذي وشى بصديقه الذيكان يستخدم صحنا ً لاقطا ً للبث الفضائي بصورة سرية ليتسلم هو المكافأة ويدخل صديقه السجن ، إلى حكاية المهندس المدني الذي داهمته العطالة ففتح محلا ً لبيع اللحوم ليظهر فيما بعد انه كان يقوم بفرم لحوم الأجزاء البشرية التي كانت الهام تقوم بسرقتها من المستشفى ( وهو حدث قد يبدو مبالغا ً فيه ) فيخلطها مع اللحوم الأخرى ويبيعها للناس  ، ليدخل هو والهام السجن . أما حكاية سعد فلها ثقلعا الخاص . وسعد هذا نموذج في منتهى الهشاشة أسقطته الكاتبة أخلاقيا ً ، وكان قد حوّل شقته في الطابق الأرضي من العمارة إلى محل حلاقة للنساء ، وظهرمهزوزا ً وجبانا ً وشاذا ً وعميلا ً سريا ً لجهاز الأمن يشي بالآخرين . فهو الذي وشى بغلهام والمهندس المدني ، وهو الذي وشى بأبي غايب عندما قام بتهريب اللوحات الفنية التي كان يهوى اقتناءها ، فدخل السجن بتهمة تهريب التراث الفني الوطني . لقد كان سعد هذا أداة ً طيّعة بيد رجل الأمن الوغد  جمال جارور الذي كان قد تستر وراء شخصية عادل ، مدّعيا ً بأنه يعمل في تجهيز الأطراف الصناعية لمن يفقدون أطرافهم في الحرب .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.