طلال حسن : الطريق إلى دلمون (مسرحية من ثلاثة فصول)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

مسرحية من ثلاثة فصول

الطريق إلى دلمون

طلال حسن

   الفصل الأول

 

                            صالة ، الأم ترتب الآثاث ،

                           تدخل ابنتها سالمة متثائبة

 

الأم : سالمة ، تأخرت اليوم .

سالمة : لم أتأخر ، هذا وقت نهوضي كلّ يوم ، 

  يا ماما .

الأم : لكنّ خالك سالم عندنا ، وهو لا يأتي كلّ 

  يوم إلى الموصل .

سالمة : عفواً ، ماما ، ظننت أن أبي سيكون معه 

  صباح هذا اليوم .

الأم : أبوكِ كالعادة ذهب إلى المحل ، منذ 

  وقت مبكر .

سالمة : ” تهم بالخروج ” سأذهب ، وأعد مائدة 

  طعام الافطار .

الأم : أعددت المائدة ، وأنتِ نائمة ، اذهبي 

  وسلمي على خالك .

 

                            يدخل سالم ، في حدود 

                          الأربعين ، تتوقف سالمة

                          

سالم : لا عليكِ ، أنا أسلم على الوردة العزيزة 

  سالمة .

سالمة : خالي !

سالم : صباح الخير ،  وردتي .

سالمة : صباح النور والسرور ، يا خالي .

سالم : ” يتأملها مبتسماً ” آه يا للحنطة 

  القندهارية الجميلة ، زهرتي أيضاً حنطية 

  مثلك .

سالمة : زهرة ؟

سالم : نعم ، هذا اسمها .

الأم : على اسم أمنا ، زهرة ، آه .

سالم : كلّ من يراها من العراقيين ، يقول إنها 

  موصلية ، أكثر مما هي بلغارية .

الأم : لا عجب ، فأبوها سالم ، والموصل 

  تجري في دمه .

سالم : الموصلي حيثما يكون ، فهو موصلي ، 

  حتى لو كان في الآخرة .

الأم : تصور ، ابنة أختك القندهارية ، 

  استيقظت الآن .

سالم : ” يبتسم ” ….

سالمة : اليوم عطلة ، يا ماما .

سالم : وما أكثر العطل في العراق .

الأم : الآن تغيرت عناوين العطل ، 

  ومدلولاتها ، وتضاعفت عما كانت عليه 

  من قبل  .

سالمة : تصور ، يا خالي ، أيام الدوام في الكلية 

  توقظني ماما مع الفجر ، وأحياناً قبل 

  صياح الديك .

الأم : لو يترك الأمر لها ، لما استيقظت إلا 

  عند الظهر .

سالم : ” يضحك ” وراثة .

الأم ” تغالب ابتسامتها معاتبة ” سالم .

سالم : رحم الله أيام زمان .

الأم : الذنب ليس ذنبي ، وإنما ذنب أمي  ، 

  كانت تدللني .

سالمة : أرأيت ، يا خالي ؟ لا أريدها إلا أن 

  تكون مثل جدتي زهرة .

الأم : هذا يلائمكِ ، اذهبي الآن ، الشاي يغلي 

  على النار .

سالمة : ” تهم بالخروج ” نعم ، ماما .

 

                              يدق جرس الباب ،

                            تتوقف سالمة مترددة

 

سالمة : ترى من يكون ؟

الأم : لابدّ أنه وعد الله ، لقد اتصل بالتلفون 

  قبل قليل ، وقال بأنه سيأتي ، ليرى خالكِ 

  ، ويسلم عليكهِ .

سالمة : ” وهي تخرج ” سأفتح الباب .

سالم : ” يبتسم للذكرى ” وعد الله .

الأم : للحقيقة ، يا سالم ، وعدالله يسأل عنك 

  دائماً ، ويرسل لك تحياته .

سالم : ” مازحاً ” إنه وعد من الله ، مهما يكن ، 

  فهو إنسان طيب ، وطالما وقف إلى 

  جانبي ، في أقسى الظروف .

الأم : لا عجب ، فإنه ابن عمتك ” تضحك ” 

  لقد ذهب قبل سنوات إلى الحج .

سالم : ” يضحك ” هذه تليق به تماماً ، الحاج 

  وعد الله .

 

                             يدخل وعدالله ، ويسرع 

                             إلى سالم فرحاً متهللاً 

 

وعد الله : والحمد لله ..

سالم : ” يضحك ” كنت أغتابك ، الحاج ..

 

  الحاج وعد الله .

وعد الله : ستذهب أنت أيضاً إلى الحج يوماً ، ولن 

  تكون أول ماركسي متشدد يذهب إلى 

  بيت الله الحرام .

سالم : ” يمدّ يديه نحوه ” فليذهب أبو محمد 

  خاصتكم أولا .

وعد الله : ” يعانقه ضاحكاً ” آه منك ، يا ابن 

  عمتي ” يقبله ” يسعدني أن أراك بصحة 

  وعافية .

سالم : أشكرك ، أشكرك جداً ، يا عزيزي ” 

  مازحاً ” يا حاج وعد الله .

الأم : كما قلتُ لك ، يا سالم ، وعد الله يسأل 

  عنك دائماً ، ويدعو لك بالخير .

سالم : ” يربت على كتفه ” لا عجب ، كنّا في 

  جبهة وطنية واحدة .

وعد الله : ليتها استمرت ، يا ابن عمتي ، فتلك 

  الأيام كانت أفضل الأيام .

سالم : لم يردها من لم يردها ، وإلا لما وصل 

  العراق إلى ما وصل إليه اليوم .

الأم : لا تعودا إلى نقاركما السياسي  ، وعد 

  الله أفطر معنا اليوم .

وعد الله : أشكركِ ، أفطرت قبل قليل ، ثم إنني 

  مشتاق لنقاره الراقي ، فمنذ أن ذهب إلى 

  بلغاريا لم أجد من أناقره .

الأم : ” تتجه إلى الخارج ” تناقرا إذن ، ولكن 

  كونا رحيمين بريشكما ، الذي وخطه 

  الشيب .

وعد الله : أخوك هو الشايب ، أنظري إلى شعره ، 

  لقد غزاه الثلج .

سالم : وابن عمتك وعد الله ، يقاوم الثلج 

  بالأصباغ ، دون جدوى .

 

                              تخرج الأم ، يبقى 

                         سالم ووعد الله وحدهما

 

وعد الله : ” يمازحه ” وأخيراً جئتم ، يا سالم ، 

  ولكن على دبابة أمريكية .

سالم : كلا ، رغم أنني ، كما تعلم ، بعيد عن 

  الحزب ، لكن ما أعرفه أن الحزب كان 

  ضد الحرب وضد الدكتاتورية ، وكذلك 

  ضد التدخل الذي حدث في العراق .

وعد الله : سالم ..

سالم : والحقيقة ، أن الذي حدث ، هو أن 

  الأمريكان ، أنزلوكم من القطار ، الذي 

  جاءوا بكم فيه عام 1963 .

وعد الله : أنت كالعادة تغالط ، يا سالم ، فالحقيقة 

  هي ..

سالم : هذا ما قاله مسؤولكم الأول وقتها ، جئنا 

  في قطار أمريكي .

وعد الله : هذه ليست الحقيقة ..

سالم : ” يحضنه ضاحكاً ” والحقيقة .. الحقيقة 

  .. أن هذا فات أوانه .

وعد الله : لندع هذا الآن ، ستأتي عندنا ، ونناقش 

  كلّ شيء بهدوء ” يدق التلفون ” مهما 

  يكن ، أهلاً بك في الموصل .

سالم : أشكرك ، أشكرك ، يا عزيزي ، 

  سأجيء ، وأسلم على عمتي .

وعد اله : طالما تمنيت أن أراك ” يبتسم ” وقد 

  دعيت ، وأنا بين يدي الله في الحج ، أن 

  تأتـي ، وأراك .

سالم : ” التلفون يستمر على الدق ” وها قد 

  أتيت ، ورأيتني .

وعد الله : الحمد لله .

سالم : أشكرك ، أراك قريباً .

سالمة : ” تدخل وترفع السماعة ” ألو ..

وعد الله : إلى اللقاء قريباً .

 

                         وعد الله يخرج ، سالمة

         تتحدث في التلفون

 

سالمة : نعم ، إنه هنا ..  

سالم : ” ينظر إليها ” ….

سالمة : ” هامسة ” إنه لك ، يا خالي .

سالم : ” يتجه نحوها ” من ؟

سالمة : صباح .

سالم : صباح !

سالمة :” تقدم له سماعة التلفون ” تفضل ، يا 

  خالي ، تريد أن تسلم عليك .

سالم : ” يأخذ سماعة التلفون ” ألو ..

صباح : ” في التلفون ” سالم ..

سالم : صباح ..

صباح : مرحباً ، يا سالم ..

سالم : أهلاً بكِ صباح ..

سالمة : ” تنسحب وتخرج بسرعة ” ….

صباح : حمداً لله على سلامتك ..

سالم : أشكرك ، يا صباح ..

صباح : أرجو أن تكون .. بخير .

سالم : ألف شكر ..

صباح : صوتك متغير .. متغير بعض الشيء .. 

  يا سالم .

سالم : إنه الزمن ، يا صباح ، لكن صوتكِ أنتِ 

  لم يتغير .

صباح : أنت مجامل كالعادة .

سالم : هذه ليست مجاملة ، صوتك مازال كما 

  ، أعرفه ، صباحاً .

صباح : أخشى أنك قد تغير رأيك ، يا سالم ، 

  إذا التقينا . 

سالم : سنلتقي ، سنلتقي قريباً ، لابدّ أن أزوركم 

           ، فأرى خالتي ، وأراكِ ، و.. ولن أغير 

  رأيي بالتأكيد .

صباح : خالتك ، إنها تسأل عنك دائماً ، ربما 

  أكثر مما تسأل أنت عنّا ، مهما يكن ، 

  فأنت عزيزها الغالي .

سالم : وأنتما العزيزتان دائماً ، وأنا أسأل 

  عنكما دائماً .

صباح : عفواً لقد أطلت ..

سالم : لا .. أبداً ..

صباح : اتصلتُ لأسلم عليك ، وأسمع صوتك ، 

  كي أطمئن على صحتك ، و .. وأقول لك 

  ” الأم تقف بالباب ”  إن خالتك تسلم عليك 

  ، وتدعوك للعشاء هذا اليوم .

سالم : شكراً ، أريد أن أراكما فقط ، وأشرب 

  معكما قدحاً من الشاي ، سأحضر اليوم 

  قبل المساء .

صباح : أهلاً ومرحباً بك .

سالم : مع السلامة ” يضع سماعة التلفون ” 

  هذه صباح .

الأم : عرفت أنها هي .

سالم : اتصلت بي لتسلم عليّ ، وتدعوني 

  عندهم مساء هذا اليوم .

الأم : كما يقال ، يا سالم ، جبل وجبل لا 

  يلتقيان ، لكن انساناً وانساناً ، مهما طال 

  الزمن ، قد يلتقيان ، وها أنت وصباح ، 

  وبعد هذه السنين ، ستلتقيان .

سالم : أنتنّ النسوة تقلن ، كلّ شيء قسمة 

  ونصيب .

الأم : كلا ، كلا يا سالم .

سالم : ” ينظر إليها ” ….

الأم : إنها إحدى أخطائك ، يا سالم .

سالم : يبدو أن لا فائدة ، سأبقى المتهم عندك ، 

  يا أم سالمة .

الأم : أمي المرحومة ، كانت تتمنى دائماً ، لو 

  رأتك أنت وصباح ..

سالم : ” يلوذ بالصمت ” ….

الأم : ماتت ، وفي قلبها حسرة واحدة ، أنت ، 

  يا سالم .

سالم : أنتِ تعرفين ، إنني لم أحب انساناً كما 

  أحببتُ أمي .

الأم : لكنك سافرت ، وتركتها ، كما تركت .. 

  صباح .

سالم : أمي ، وكذلك صباح ، لم تريدا أن أبقى 

  هنا ، بعد أن تعرضت لمحاولة الاغتيال 

  الغادرة تلك .

الأم : لم تغب عن بالها ، لحظة واحدة ، حتى 

  النهاية .

سالم : أرادوا قتلي ، وأطلقوا عليّ الرصاص ، 

  لكنهم أخطأونني ، وأرادوا ملاحقتي حتى 

  النهاية ، وتصفيتي جسدياً ، ولو لم 

  يهربني وعد الله إلى بغداد ، لما نجوت 

  منهم أبداً .

الأم : تلك فترة بعيدة ، قبل أن تسافر إلى 

  بلغاريا .

سالم : لم أسافر إلى بلغاريا مباشرة ، كما 

  تعرفين ، فقد تسللت عبر المنطقة الكردية 

  ، إلى مواقع الأنصار، وبقيت هناك لمدة 

  سنتين تقريباً ، وكانت الحياة هناك صعبة 

  وخطرة ، فأضطررت إلى الهجرة إلى 

  بلغاريا .

الأم : ومنذ أن تزوجت تلك الفتاة البلغارية ، 

  وورثت متجر أبيها ، لم تعد سالم الذي 

  نعرفه .

سالم : عملت أول الأمر عند أبيها ، وقد 

  احتضنني وكأني ابنه ، وتزوجت ابنته 

  ليس طمعاً في شيء ، فقد كانت هي فتاة 

  ناضجة خيّرة محبة ، وبعد أن توفي أبوها 

  ، ورثت هي عنه المتجر ، فهذا حقها 

  وليس حقي .

الأم : أمي كانت تنتظرك هنا في الموصل ، 

  وكذلك صباح .

سالم : لم يكن بامكاني أن أعود ، لأي سبب من 

  الأسباب ، فقد كانت الخطورة شديدة عليّ 

  ، وحتى مجيئي الآن ، فيه خطورة شديدة 

  على حياتي ، إنهم لم ينسوني ، 

  والاغتيالات الآن ليست أقل من 

  الاغتيلات في الستينيات والسبعينيات ..

الأم : ” تنظر إليه صامتة ” ….

سالم : لقد اغتالوا مسؤول الحزب قبل أيام ، 

  وبعدها اغتالوا أحد أعضاء الحزب ومعه 

  زوجته ، وأنا نفسي يمكن أن أغتال في 

  أية لحظة .

 

                        يفتح الباب ، وتدخل سالمة ،

                       يتوقف سالم والأم عن الكلام

 

سالمة : ماما ..

الأم : ” تنظر إليها ” ….

سالمة : الفطور جاهز .

الأم : ” لسالم ” تفضل .

 

                        سالم يخرج ، تخرج 

                       سالمة ، تتبعها الأم

 

                              إظلام

 

 

   الفصل الثاني

 

                         صالة ، صباح ترتب قطع   

                       الكيك ، الأم تتابعها بنظرها    

 

الأم : صباح ، ابنتي ، المفروض أن نعدّ لسالم ، بعد هذه الغيبة الطويلة في بلاد الغربة ، وجبة عشاء تليق به  ، وليس قالب كيك وشاي .

صباح : هذه رغبته ، يا ماما .

الأم : إننا لم نره ، منذ أن سافر إلى بلغاريا ، ومن يدري ، فقد نراه ، أو لا نراه مرة ثانية .

صباح : لا عليكِ ، يا ماما ، سندعوه إلى الغداء ، في يوم قريب .

الأم : ” تبدو فرحة ” سالم يحب كبة البرغل الموصلية ، وطالما قال إنني أفضل من يعمل كبة البرغل في العائلة ، حتى أفضل من أمه .. أختي زهرة .

صباح : كما تريدين ، يا أمي ، أدعيه ، واعملي له كبة برغل . 

الأم : ” تنظر إليها ” صباح ..

صباح : ماما ..

الأم : عزيزتي ..

صباح : سالم الآن ، وسيبقى ، ابن خالتي المرحومة زهرة ، وأخي .

الأم : أنتِ مازلتِ عنيدة كالصخر ..

صباح : هذا الموضوع انتهى ، منذ فترة طويلة ، يا ماما .

الأم : إنها الفرصة الأخيرة ، وقد لا أراه أنا وأنت مرة أخرى .

صباح : ” تقف لائذة بالصمت ” ….

الأم : ” تتنهد ” ليهدكِ الله .

 

                            جرس الباب يدق ،

                          الأم تلتفت نحو الباب

 

الأم : لابدّ أنه سالم ..

صباح : نعم ، إنه هو على الأغلب .

الأم : أسرعي ، وافتحي الباب .

صباح : ” تنظر إلى أمها ” ….

الأم : صباح ، إنني متعبة ، قد أجلس معكما 

  قليلاً ، ثم أخلد إلى فراشي .

صباح : ” تهز رأسها ” ماما ..

الأم : لا تدعيه ينتظر ، اذهبي يا ابنتي ، 

  وافتحي الباب .

صباح : ” وهي تخرج ” حالاً ، يا ماما .

الأم : الولد همّ ، وخاصة إذا كان بنتاً ، وكلما 

  كبر الولد كبر همه معه ، آه صباح ، ماذا 

  سيكون مصيرها بعد أن أرحل ، وصحتي 

  تقول لي ، إنني قد أرحل قريباً ، آآآآه .

 

                              يدخل سالم باشاً ،

                            وتدخل صباح وراءه

 

صباح : تفضل ، خالتك تنتظرك ، آه لو تعرف 

  كم تحبك .

سالم : القلوب سواقي ..

الأم : دعها ، يا سالم ، إنها تغار .

سالم : ” يفتح يديه لها ” أمي وليست خالتي 

  فقط .

الأم : ” تعانقه بلهفة ” هذا صحيح ، إنني أمكَ 

  ” تتشممه ” آه رائحة الغالية ، أختي 

  العزيزة زهرة .

سالم : فليرحمها الله .

الأم : آه منك ، يا سالم .

صباح : ماما ..

سالم : دموعكِ غالية ” يمسح دموعها ” دعيني 

  أمسحها لك .

الأم : أمك لا توفيها الدموع حقها ، إنها في 

  قلبي ، وستبقى فيه ، مهما مرّ الزمان ، آه 

  زهرة .. زهرة .

صباح : أرجوكِ ، يا ماما .

الأم : ” تمسح دموعها ” صباح أعدت لكَ 

  قالب كيك ، ” تجلس ” تعال اجلس ، 

  سنتذوقه مع الشاي المهيل .

سالم : ” يجلس إلى جانبها ” إنني مشتاق إلى 

  شايك المهيل .

صباح : ” تقدم له استكان شاي ” تفضل ، ذق 

  شاي خالتك .

سالم : ” يتذوق الشاي ” الله ، ما الذه ، طالما 

  حاولت في بلغاريا أن أقلده ، لكن دون 

  جدوى .

الأم : ” تضحك ” شاي خالتك ، إنه ماركة 

  مسجلة لا تقبل التقليد .

سالم : ” يضحك ” حتى أنا ، ومهما حاولت ، 

  لم أستطع تقليده .

الأم : ” تقدم له قطعة كيك ” تذوق هذا الكيك ، 

  أعدته لك صباح .

سالم : ” يأخذ قطعة الكيك ، ويتذوقها ” آه .. 

  كيك لذيذ ، صباح مبدعة في صنع الكيك 

  منذ البداية .

صباح : أشكرك .

الأم : ” تتأمله ” أنت بخير ، وهذا يفرحني ، 

  و .. ومازلت شاباً .

سالم : ” يبتسم ” شيباتي تقول غير ذلك ، يا 

  خالتي .

الأم : هذه زينة .

سالم : ” يتأملها ” وأنت ، يا خالتي العزيزة ، 

  في صحة وعافية ، العمر الطويل لكِ ، إن 

  شاء الله .

الأم : لا تخدعك المظاهر ، يا ابني سالم ” 

  تقف بشيء من الصعوبة ” إنني في 

  الحقيقة لست على ما يرام ، وقد ألحق 

  بأختي زهرة قريباً .

صباح : ماما ..

الأم : ” تحاول أن تبتسم ” مهما يكن ، يا بنيّ 

  ، هذه هي الحياة .

صباح : ماما ، برد شايك ، سأصب لك استكانة 

  أخرى .

الأم : لا ، كثرة الشاي تضرني كما تعرفين ” 

  تتنهد ” إنني متعبة ، عن اذنك يا بنيّ ” 

  تسير ببطء نحوالباب ” ..

سالم : ” يقف ” خالتي ..

الأم : أريد أن أرتاح في فراشي .

سالم : تفضلي ، يا خالتي ، صحة وعافية .

الأم : أشكرك ، يا عزيزي .

صباح : ” تمسك يدها وترافقها ” دعيني أمسك 

  يدكِ .

الأم : ” تتوقف عند الباب ” لا تستعجل ، 

  ستبقى صباح معك .

سالم : شكراً ، يا خالتي .

الأم : أريد أن تتغدى معنا ، في يوم قريب ، 

  سأعد لك كبة برغل .

سالم : إن شاء الله ، يا خالتي .

الأم : ” لصباح ” دعيني ، ما زلت أستطيع أن 

  أسير وحدي ، أبقي أنت مع سالم .

 

                          الأم تخرج ببطء ، صباح

                            تعود إلى حيث سالم

 

صباح : ” تفضل اجلس .

سالم : ” يجلس ” خالتي تبدو متعبة .

صباح : أمراض الشيخوخة ، لم تعد ماما 

  صغيرة ” تنظر إليه ” أنا أيضاً أشيخ ، يا 

  سالم .

سالم : ” يحدق فيها مبتسماً ” لا ، أنت مازلتِ 

  صباحاً .

صباح : الصباح أيضاً يشيخ ، إذا مرّ عليه وقت 

  ، كالوقت الذي مرّ علينا .

سالم : أنتِ صباح ، وستبقين صباحاً .

صباح : ليس صباح ، التي كنت تعرفها من 

  السنين الأولى  .

سالم : أمر طبيعي أن نتغير مع الزمن ، 

  فصباح التي قرأت رواية الأم لمكسيم 

  غوركي ، هي ليست صباح التي قرأت 

  فيما بعد ، كتاب ” عشرة أيام هزت العالم 

  ” للكاتب الأمريكي جون ريد ..

صباح : أنت أول من هزني ، يا سالم ، وأيقظني 

  على عالم جديد .

سالم : صدقيني ، يا صباح ، إنني أشعر أحياناً 

  بما يشبه الندم ، فالنوم في بلادنا ليس 

  سيئاً دائماً .

صباح : بالعكس ، كنت ومازلت فخورة ، فقد 

  أفقت على يديك ، لكن يديك للأسف 

  سرعان ما أفلتتاني .

سالم : صباح ، أنتِ تعرفين أن يديّ ، لم تفلتاكِ 

  أبداً ، وكلّ ما حدث ، لم يكن بارادتي ، 

  فقد كنت مطارداً ، ولو ألقوا القبض عليّ 

  وقتها ، لما كنتُ الآن أمامكِ .

صباح : هل أنتَ الآن أمامي ، يا سالم ؟ هل أنت 

  أمامي ؟

سالم : ليتني استطعت أن أكون أمامكِ دائماً ، 

                  يا صباح ، فقد كان الابتعاد عنك ، طوال 

  هذه المدة ، نوعاً من الموت .

صباح : ” تلوذ بالصمت ” ….

سالم : غادرت بغداد سراً ، بعد أن هربت من 

  الموصل ، والتحقت بالأنصار في الجبال 

  ، وحملت السلاح معهم  ، وفي هذه الحالة 

  ، كان من المستحيل أن أتواصل مع أحد 

  هنا ، وخاصة معكِ ..

صباح : وبقيت أنا هنا ، أنقل من موقف إلى 

  موقف ، بعد أن فصلتُ من الجامعة ، 

  وكنتَ أنت دائماً حاضراً في الاستجوابات 

  , التي أواجه بها ، ولم أستطع حتى في 

  داخلي أن أتبرأ منكَ .

سالم : لا أدري إذا كان خطئي أنني كنت دائماً 

  معكِ ، وأردتكِ دائماً معي ، حيثما رحلت 

  أو حللت .

صباح : لكنك فيما بعد تركت الجبال ، وما تمثله 

  الجبال ، ولذت بالفرار إلى بلغاريا .

سالم : لم أكن الوحيد في هذا ، وأنا شخصياً لم 

  أستطع أن أواجه التناقضات ، التي شكلتها 

  الجبال ، ولست الوحيد ، الذي ألقى 

  السلاح ، واستجاب إلى متطلبات الحياة 

  الأخرى .

صباح : وتزوجت هناك ، في بلغاريا ، وصارت 

  لك حياتك الخاصة ، التي لم يعد لصباح 

  مكان فيها .

سالم : لو تعرفين الوضع الذي كنت فيه ، حين 

  وصلت بلغاريا ، بعد أكثر من سنتين ، 

  من الملاحقة والقتال المستمر في الجبال ، 

  كنت وحيداً ، ضائعاً ، شبه مريض ، وقد 

  صادفني هذا الرجل الطيب ، الذي فتح لي 

  متجره ، وبيته ، وحياته ، فعملت معه بكل 

  جد واخلاص ، وقد كانت ابنته الشابة 

  تعمل معنا ، فتعلقت بي ، و .. وتزوجنا .. 

  بمباركة أبيها .. وقد رزقنا بعد مدة بابنة .. 

  أسميتها زهرة .

صباح : ” تطرق صامتة ” ….

سالم : قبل أكثر من سنتين ، أصيبت أم زهرة 

  بمرض عضال ، لم يمهلها طويلاً .

صباح : ” تتنهد ” ….

سالم : هذه هي الحياة .

صباح : تساءل البعض عن سبب مجيئك إلى 

  الموصل الآن بالذات .

سالم : لم أجيء لأبقى ، وقد تأكد لي هذا بعد أن 

  جئت ، الحياة هنا ليست مناسبة لي ، أو 

  لابنتي زهرة ، فالخطورة لا تقل عن 

  خطورة السنين السابقة التي عشتها هنا ، 

  أو في بغداد ، أو في الجبال .

صباح : خالتي زهرة ، توفاها الله ، قبل سنين 

  عديدة ، وقد توقعت ماما وخالتي أن تأتي 

  وقتها ، ولو لحضور طرفاً من مراسيم 

  العزاء .

سالم : أردت أن أحضر ، حالما علمت بوفاة 

  المرحومة أمي ، لكن بعض أصدقائي من 

  العراق في بلغاريا ، نصحوني أن أتريث 

  ، فالأوضاع في رأيهم ، كانت خطرة 

  للغاية .

صباح : لكن الأوضاع لم تتغير كثيراً ، خلال 

  هذه الفترة .

سالم : نعم ،  ورأيت أن أجيء ، رغم ذلك ، 

  فقد لا تتحاح لي الفرصة ثانية .

صباح : ” تنظر إليه صامتة ” ….

سالم : صباح ..

صباح : لو تعرف ، يا سالم ، كم انتظرتك أمك ، 

  خالتي زهرة ، وكم تمنت أن تراك ، قبل 

  أن ترحل عن هذا العالم .

سالم : أعرف ، وهذا ما يحزّ في نفسي ، 

  يا صباح ، وحاولت جهدي أن أجيء 

  لأراها ، لكني أعرف أيضاً ، أنها ما كانت 

  لترضى أن أتعرض لخطر الموت ، لأي 

  سبب من الأسباب .

صباح : والآن رحلت خالتي ، دون أن تراك ، 

  وتركت البيت لك .

سالم : ” ينظر إليها ملياً ” لم يخطر هذا الأمر 

  في بالي لحظة واحدة ، لا الآن ولا في 

  أي وقت من الماضي ” يصمت لحظة ” 

  وكم أخشى أن هذا ما تظنه أختي أم 

  سالمة .

صباح : مهما يكن ، يا سالم ، فأنت الآن هنا ، 

  في الموصل .

 

                                يدق جرس التلفون ،

                               صباح ترفع السماعة

 

صباح : ألو ، أهلاً وعد الله ، نعم ، إنه هنا ” 

  تشير لسالم ” تفضل ، وعد الله يريد أن 

  يتكلم إليك .

سالم : ” يأخذ سماعة التلفون منها ” ألو ، وعد 

  الله ، أهلاً بك ، إنني أسمعك ، أسمعك 

  جيداً ، سأعود بعد قليل إلى البيت ، 

  أنتظرك هناك ، نعم ، سأستقل تكسي ، في 

  أمان الله .

صباح : خيراً .

سالم : يريد أن يراني على وجه السرعة ، يبدو 

  أن الأمر هام .

صباح : وعد الله يحبك كثيراً ، وهو إنسان طيب 

  جداً  ، ويعرف الكثير مما يدور في 

  المدينة هذه الأيام .

سالم : نعم ، إنه إنسان طيب ، ولابد أنه قدم لك 

  الكثير من المساعدة ، في محنتك مع 

  الاستدعاءت الكثيرة .

صباح : هذا صحيح ، لكن يبدو أنه كان يأمل 

  شيئاً ، لم أستطع أن أحققه  له ، وهذا ما 

  حزّ في نفسه .

سالم : ” ينظر إليها صامتاً ” ….

صباح : أرادني ..

سالم : وعد الله !

صباح : رأى الطريق أمامه مفتوحاً ، فأنت .. في 

  بلغاريا ، وتزوجت هناك ، تزوجت من 

  فتاة بلغارية .

سالم : لم أكن أعرف هذا .

صباح : الآن عرفت .  

سالم : أنا الآن ليس في بلغاريا ، يا صباح ..

صباح : ” تنظر إليه ” ….

سالم : ولم أعد متزوجاً ..

صباح : سالم ..

سالم : رافقيني ..

صباح : ” تنظر إليه صامتة ” ….

سالم : ” يمد يده ، ويمسك يدها ” طالما كنت 

  بحاجة إليك ..

صباح : ” تطرق رأسها ” ….

سالم : صباح ..

صباح : ” تهز رأسها ” فات الأوان .

سالم : الأوان لم يفت ، ولن يفوت ، ما كان 

  بيننا يربطنا معاً حتى النهاية .

صباح : لنترك هذا إلى وقت آخر ، يا سالم ، 

  اذهب إلى موعدك ، أخشى أن يكون وعد 

  الله في ينتظرك الآن في البيت .

 

                        يتأملها لحظة ، ثم يتجه 

                          مقطباً إلى الخارج 

 

سالمة : ” تلحق به ” استقل تكسي ، وكن حذراً 

  ، يا سالم .

سالم : تحياتي إلى خالتي .

سالمة : رافقتك السلامة .

سالم : أشكرك .

صباح : اتصل بي ، وطمئني حالما تصل 

  بالسلامة إلي البيت .

سالم : ” وهو يخرج ” إن شاء الله . 

 

                          صباح تغلق الباب ، وتقف 

                          دامعة العينين ، تدخل الأم

 

الأم : يبدو أن سالم قد ذهب .

صباح : نعم ، ذهب ، وقد سلم عليكِ .

الأم ” تصمت ” ….

صباح : اتصل به وعد الله لأمر هام ، فذهب 

  على عجل .

 الأم : صباح ..

صباح : ” تنظر إليها صامتة ” ….

الأم : سمعت ، وأنا في غرفتي ، ما دار بينكما 

  من حديث .

 صباح : هذا يغنيني عن الحديث عما دار بيننا ، 

  مادمتِ قد سمعته .

الأم : سمعت أنكِ وعدتِ أن تجيبيه على ما 

  طلبه ، فيما بعد .

صباح : نعم ، لقد وعدته .

الأم : كنت أتمنى لو تجيبيه مباشرة .

صباح : ماما ، أنتِ ..

الأم : ” تقاطعها ” لا تتحججي بي ، أمي 

  مريضة ، وهي بحاجة إليّ ، لو كنت 

  مكانك ، لتركت كلّ شيء ورائي ، 

  ولحقت بمستقبلي .

صباح : ” تنظر إليها ” ….

الأم : اذهبي ، وعيشي حياتكِ .

صباح : لقد عشت حياتي .

الأم : لم تعيشيها ، ولن تعيشينها ، مادمتِ 

  بعيدة عن سالم ، سالم كان وسيبقى حياتكِ 

  ، التي يجب أن تعيشيها  .

صباح : ” تجلس ، وتضع وجهها بين كفيها ” 

  ….

الأم : هذه فرصتكِ الأخيرة ، فلا تفرطي فيها 

  ، يا ابنتي .

صباح : ” لا ترد ” ….

الأم : فكري ، يا صباح  ” تتجه إلى الداخل 

  ببطء ” فكري جيداً ، لقد عشتُ أنا حياتي 

  ، بحلوها ومرها ، فلا تدعي حياتكِ أنتِ 

  تفلت من بين يديك ، فالإنسان لا يحيا إلا 

  مرة واحدة .  

 

                                 إظلام 

 

   الفصل الثالث

 

                            مشهد الفصل الأول ، يدق

                        التلفون ، تدخل سالمة مسرعة

 

سالمة : ألو ، أهلاً صباح ، الحمد لله ، خالي 

  سالم ؟ لم يأتِ بعد ، حسناً ، سأتصل بكِ 

  حالما يأتي ، اطمئني ” تدخل الأم ” أرجو 

  أن لا يكون هناك أمر ذا بال ، حمداً لله ، 

  سأتصل بك ، مع السلامة .

الأم : من كان على التلفون ؟

سالمة : ” تضع سماعة التلفون ” ابنة خالتي ، 

  صباح .

الأم : صباح ، يبدو أنها كانت تسأل عن خالك 

  سالم .

سالمة : نعم .

الأم : كان عندهم هذا المساء ، أخشى أن يكون 

  قد جرى ، ما يدعوها للسؤال عنه ، إن 

  الظروف لا تبشر بخير .

سالمة : لا تقلقي ، يا ماما ، سيصل خالي بعد 

  قليل ، ونطمئن عليه .

 

                              يدق جرس التلفون ، 

                             سالمة ترفع السماعة

 

الأم : ” قلقة ” انظري من يكون ، آه يا سالم ، 

  طول عمرك قلق وتثير القلق .

سالمة : لحظة ، يا ماما ” في التلفون ” ألو ، 

  أهلاً أستاذ وعد الله ، كان خالي في بيت 

  خالتي أم صباح ، وهو الآن في الطريق 

  إلى بيتنا ، ولابدّ أنه سيصل قريباً ، أهلاً 

  ومرحباً ، مع السلامة .

الأم : لابدّ أن الأمر خطير ..

صباح : ” تضع سماعة التلفون ” ماما ..

الأم : صباح تتصل لتطمئن على وصوله ، 

  ووعد الله أيضاً يتصل ، آه سالم .

 

                              يدق جرس الباب ،

                          سالمة تسرع إلى الخارج

 

سالمة : لابد أن خالي وصل  ..

الأم : بالسلامة إن شاء الله ، أسرعي .. 

  أسرعي .. يا سالمة .

سالمة : ” تخرج مسرعة ” ….

الأم : أخي سالم هذا كتب عليه الشقاء ، ويبدو 

  أنه لن يرتاح أبداً .

 

                            يدخل سالم ، ومن 

                           ورائه تدخل سالمة

 

الأم : ” تسرع إليه ، وتعانقه ” سالم ، عزيزي 

  ، حمداً لله .

سالم : ” يضحك ” أم سالمة ، لم أكن في 

  الجبهة ، لقد انتهت الحرب .

الأم : لم تنتهِ الحرب ، ولن تنتهي ، حروب 

  العراق دائمة .

سالم : ” يتملص منها ” حربنا انتهت ، اطمئني 

  ، يا أم سالمة .

الأم : آه ..

سالمة : خالي ..

سالم : ” يلتفت إليها ” نعم ، سالمة .

سالمة : اتصلت صباح قبل قليل ، وسألت إذا 

  كنت قد وصلت إلى البيت .

سالم : ” يلتفت إلى الأم مبتسما ” ها أنا هنا ، 

  ماذا تقولين ؟

الأم : أقول ليحفظك الله من كل مكروه ، لكن 

  لن أطمئن عليك ، لن أطمئن .

سالم : أشكرك ، اطمئني .

الأم : لن أطمئن عليك ، لن أطمئن .

سالم : ” يضحك ” أمي الثانية .

الأم : آه منكَ . 

سالم : ” يلتفت إلى سالمة ” سالمة ..

سالمة : نعم خالي .

سالم : اتصلي بصباح ، وقولي لها ، إنني 

  وصلت .

سالمة : حالاً ، يا خالي ” تتجه نحو التلفون ” 

  سأتصل بها ، وأطمئنها .

الأم : أنتم تقلقونني ، يبدو أنني كالأطرش في 

  الزفة ، لا أدري ماذا يجري .

سالم : اطمئني ، يا أم سالمة ، ليس هناك ما 

  يدعو إلى القلق .

سالمة : ” في التلفون ” صباح ، مرحباً ، خالي 

  وصل قبل قليل ، اطمئني ، إنه بخير طبعاً 

  ، تحياتي إلى خالتي ، شكراً ، مع السلامة 

  ” تضع سماعة التلفون ” .

الأم : ” تنظر إلى سالم ” هذه صباح ..

 سالمة : نعم ، يا ماما ، وهي تسلم عليكِ .

الأم : ليسلمها الله ، بنت مثل الوردة ، لكن .. 

  آه من لكن ” لسالم ” اجلس ، يا سالم ، 

  اجلس .

سالم : ” يجلس ” اجلسي أنتِ أيضاً .

الأم : ” تجلس إلى جانبه ” سالم ..

سالمة : نعم ، ماما .

الأم : هاتي قدح ماء لخالكِ .

سالمة : ” تتجه إلى الخارج ” نعم ، ماما .

سالم : ” مازحاً ” وعزمي عليه .

سالمة : ” تخرج مبتسمة ” ….

الأم : نعم ، لتعزم عليه ، لعل الله يهديكَ .

سالم : أمي  ..

الأم : إذا لم أقلق أنا عليكَ ، فمن يقلق ؟ نحن 

  لا نعرف ما يخبىء لنا القدر ، في هذه 

  الأيام السوداء .

سالم : اقلقي ، يا أم سالمة ، إذا كان هناك داع ٍ 

  للقلق .

سالمة : ” تدخل حاملة كوب ماء ” تفضل ، يا 

  خالي .

الأم : اشرب .

سالم : ” يأخذ كوب الماء مبتسماً ” أرجو أن 

  تكوني قد عزمّمتِ عليه .

سالمة : ” مبتسمة ” اشرب ، يا خالي ، هذه 

  أوامر ماما .

سالم : سأشرب وأمري إلى الله ، رغم أنني 

  لست عطشاناً ، ارضاء لأمكِ ، أمي 

  التي تطاردني دائماً .

الأم : والآن ، حدثني ، يا سالم ، قل لي 

  الحقيقة ، ماذا يجري ؟

سالم : علمي علمكِ ” يدق جرس الباب ” ، 

  وهذا الجرس شاهد .

سالمة : ” تتجه إلى الخارج ” سأفتح الباب .

الأم : يبدو أنه الشاهد فعلاً ، آه منك ، تمنيت 

  أن تأتي لأراك ، وأطمئن عليك ، والآن لا 

  أدري .. لا أدري ماذا يجري .

 

                                 يدخل وعد الله ، 

                              ووراءه تدخل سالمة

 

الأم : ” تنهض ” أهلاً ابني وعد الله .

وعد الله : أهلاً بكِ ، يا خالة .

سالم : ” ينهض باشاً ” مرحباً ” يصافحه 

  بحرارة ” اتصلت بي ، وأنا عند خالتي أم 

  صباح .

وعد الله : أريد أن أراك ، وأشبع منك ” لأم سالمة 

  ” أشتهي فنجان قهوة .

الأم : من عيني ” لسالمة ” أعدي لنا قهوة 

  للجميع .

وعد الله : لا ، يا خالة ، أريد فنجان القهوة  من 

  يدكِ أنتِ .

الأم : حيلة مكشوفة .

وعد الله : ” يبتسم ” ….

الأم : قل إنك تريد أن تختلي بسالم ، وتتبشبش 

  معه .

وعد الله : أريد أن أختلي به ، وآكله ، لعلي أشبع 

  منه .

الأم : ” تدفع سالمة أمامها ” هيا تعالي ، 

  وليختلِ به كما يشاء ” تتوقف عند الباب ” 

  وعد الله ..

وعد الله : اطمئني ، القهوة .

الأم : آه منكَ ، ستأتيك القهوة حالاً .

 

                         تخرج الأم وسالمة ، يبقى

                          سالم وعد الله وحدهما

 

سالم : ما الأمر ، يا وعد الله ؟ يبدو أن الأمر 

  جاد .

وعد الله : عليك أن تغادر الموصل ، يا سالم 

  ، وبأسرع وقت ممكن .

سالم : مهلاً ، مهلاً ، يا وعد الله ، الأمر 

  خطير على ما يبدو .

وعد الله : أخطر مما يمكن أن تتصور .

سالم : قل لي الحقيقة إذن ، فكل شيء متوقع 

  في هذه الظروف .

وعد الله : مجموعة اسلامية متشددة جداً ، علمت 

  بوجودك ، وأخشى أنهم يبيتون لك أمراً 

  خطيراً .

سالم : ” يلوذ بالصمت ” ….

وعد الله : خلال هذه الفترة ، إذا كنت لا تعلم ، 

  قامت المجاميع الاسلامية ، باغتيال عدة 

  أشخاص من جماعتكم وغير جماعتكم ، 

  من بينهم المسؤول الأول للحزب في 

  المدينة ، وشخص آخر أيضاً هو وزوجته 

  ، وبلغت بهم الجرأة حدّ ، أن يقتحموا بيت 

  الضحية ، وينتزعوه من وسط أهله ، 

  ويقتادونه إلى الشارع ، وينفذون فيه حكم 

  الاعدام علناً أمام الناس .

سالم : هذا ما سمعته ، من بعض الرفاق ، وأنا 

  في بلغاريا .

وعد الله : لم يعد لك مكان هنا ، يا أخي سالم ، وقد 

  عملت على تأمين خروجك من الموصل 

  هذه الليلة .

سالم : مادام هذا رأيك ، يا وعد الله ، فليكن 

  ما تراه ، أشكرك .

وعد الله : اتفقتُ مع سائق موثوق ، سيأتي إليكَ في 

  غضون ساعة ، ويأخذك إلى أربيل ، ومن 

  هناك ، أنصحك ، أن تطير إلى بلغاريا ، 

  في أسرع وقت ممكن .

سالم : أشكرك ، يا أخي .

وعد الله : أنت أخي ، يا سالم ، ولن أرتاح إلا 

  بوصولك إلى بيتك في بلغاريا ، وتكون 

  مع ابنتك ورفاقك .

سالم : لقد أنقذتني في أواخر السبعينيات ، وها 

  أنت تنقذني الآن أيضاً .

وعد الله : إذا وصلت الليلة إلى أربيل ، سأقول 

  إنني أنقذتك .

 

                            تدخل أم سالمة ،

                         وتحمل فنجاني قهوة

 

الأم : انتظرت أن ينتهي كلامكما ، لآتيكما 

  بالقهوة ، لكن كلامكما على ما يبدو لن 

  ينتهي ” تقدم فنجان قهوة لوعد الله ” 

  تفضل قهوتك .

وعد الله : ” يبتسم لها ” أشكركِ .

الأم : ” تقدم الفنجان الآخر لسالم ” تفضل .

سالم : أشكرك ، يا أم سالمة .

الأم : ” وعد الله ” أرجو أن تكونا قد 

  انتهيتما من أسراركما ، التي لا يبدو أنها 

  لا تنهي  .

وعد الله : ” يشرب قهوته ” فليحدثك سالم عنها ، 

  وأرجو أن تساعديه .

الأم : ” تحدق في وعد الله ” ….

وعد الله : ” يعيد لها فنجان القهوة ” عاشت يدك ، 

  يا أم سالمة .

الأم : بالعافية .

وعد الله : سالم ، أخي العزيز ” يعانقه بحرارة ” ، 

  اتصل بي عندما تصل أربيل ، حتى لو 

  كان ذلك بعد منتصف الليل ، لن أنام حتى 

  أطمئن عليك .

سالم : إنني أنتظر السيارة ، أشكرك ، أشكرك 

  جداً ، يا عبد المنعم .

وعد الله : لا شكر على واجب ” يمازحه ” ترجلوا 

  عن الدبابة الامريكية .

سالم : ” يمازحه ” إياكم أن تعودوا في قطار 

  أمريكي مرة ثانية ، فهذا القطار لا يؤتمن 

  ، يا عبد المنعم .

وعد الله : ” يضحك ” ….

 

                           يخرج وعد الله ، 

                         الأم وسالم وحدهما

 

الأم : ” تحدق فيه متأثرة ” سالم ..

سالم : لا تقلقي ، يا أم سالمة .

الأم : هذا يقلقني أكثر .

سالم : يبدو أنني جئتُ إلى الموصل في وقتٍ 

  غير ملائم .

الأم : ومتى كان الوقت ملائماً في الموصل ؟ 

  إنها الجحيم منذ عقود .

سالم : ستأتي سيارة ، هيأها لي وعد الله ، 

  وستأخذني إلى أربيل .

الأم : ” بصوت دامع ” سالم .. أخي .. ابن 

  أمي وأبي ..

سالم : جئت على أمل أن أقضي بعض الوقت 

  معكم ، و .. ” يهز رأسه ” لكن كما ترين 

  ، إن الظروف قاتلة .

الأم : ” تمدّ يديها وتعانقه ” قد لا أراك ثانية ، 

  أنت لا تغيب عني .

سالم : أنتم دائماً معي ، أنتِ .. وسالمة .. 

  وخالتي و .. لنأمل خيراً ..

الأم : ” تجهش باكية ” سالم .. سالم .. 

سالمة : ” تدخل وتقف دامعة العينين ” ماما ..

سالم : ” يحاول أن يتملص منها ” كفى يا أم 

  سالمة  ” لسالمة ” أمي الثانية ، هكذا 

  كانت ، عيناها تمطران لأدنى سبب ” للأم 

  ” كفى يا عزيزتي ، كفى .

الأم : ” تكفكف دموعها ” سالم ..

سالم : بخصوص البيت ..

الأم : أي بيت ؟

سالم : هذا البيت .

الأم : هذا البيت ، وما فيه ، فداء لك .

سالم : سأكلف وعد الله ، ليحول البيت كله 

                  باسمك .. 

الأم : سالم ..

سالم : وإذا احتجتِ إلى أي شيء ، مهما كان ، 

  اتصلي بي في بلغاريا .

 

                          يدق جرس التلفون ،

                           سالمة تسرع إليه

 

 سالمة : ” ترفع السماعة ” ألو ، من ؟ صباح ! 

  ” تنظر إلى سالم ” ..

سالم : ” يهمس لها ” قولي لها غير موجود ، 

  وسيتصل بكِ قريباً .

الأم : ” تنظر إليه متأثرة ” سالم ..

سالم : ” لا يردّ عليها ” ….

سالمة : ” في التلفون ” صباح ، عزيزتي ، 

  خالي غير موجود الآن ، سيتصل بك 

  قريباً ، مع السلامة ” تضع سماعة التلفون 

  حزينة ” .

 

صوت منبه السيارة ، 

                          يأتي من قرب الباب

 

الأم : سالم ، السيارة .

سالم : نعم ، لابدّ أنها هي . 

الأم : ” تعانقه باكية ” سالم .. سالم ..

سالم : آه يا أم سلمى ، يا حبيبتي ، ليتكِ 

  تودعيني بدون دموع .

الأم : ” وهي تبكي ” قد لا أراك مرة ثانية ..

سالم : سأكون على اتصال بكم دائماً ” يمازحها 

  ” صورة وصوت ، وأيضاً سأرى 

  دموعكِ .

سالمة : ” بصوت دامع ” خالي ..

سالم : ” يمديديه نحوها ” عانقيني بدون دموع 

  ، هيا لا دموع .

سالمة : ” تعانقه ” أراك سالماً على الدوام “” 

  يرتفع منبه السيارة ثانية ” .

سالم : ” يتملص من بين يدي سالمة ” السيارة 

  ، يجب أن أذهب .

الأم : مع السلامة ، يا أخي ، مع السلامة .

سالمة : رافقتك السلامة ، يا خالي ، رافقتك 

  السلامة .

سالم : ” يتجه نحو الخارج ” تحياتي لأبي 

  سالمة ، وداعاً ” يتوقف عند الباب ” أم 

  سالمة ..

الأم : عيون أم سالمة .

سالم : صباح ، ابنة خالتي ، ابنتك الثانية ، 

  أريدها أن تكوني معك دائماً ، وإذا 

  احتاجت إلى أي شيء ، اتصلي بي .

الأم : ” تهز رأسها ، ودموعها تسيل على 

  خديها ” ….

 

                         سالم يخرج ، تبقى 

                        الأم وسالمة وحدهما 

                                إظلام

                                 ستار

 

                                       25 / 12 / 2018

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| مصطفى محمد غريب : تداعيات مأزق المسرح المغلق* .

المقطع الرابع افاق موسى الساعة السادسة صباحا مثقلاً بكآبة مزدوجة ما بين الكوابيس وحالة التشرد …

| د. ميسون حنا : وكر الأفاعي.

مسرحية شخصيات المسرحية حسب الظهور على المسرح المغامر الثعبان، هو نفسه الزعيم الثعبان الثاني ثعابين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *