الرئيسية » ملفات » د. نادية هناوي : ملمحية القصة القصيرة الراهنة في العراق (ملف المتوالية السردية/4)

د. نادية هناوي : ملمحية القصة القصيرة الراهنة في العراق (ملف المتوالية السردية/4)

ملمحية القصة القصيرة الراهنة في العراق
د. نادية هناوي
اعتادت القصة القصيرة الراهنة في العراق أن تعنى بالمغمور من الذوات والفقير من الشخصيات غير الطبيعية والحساسة ذات التخلخلات الفكرية والروحية، ليبدو التأسلب بجانبيه المتخيل والواقعي متضحا في التفردن والتأني والاستقصاء والرومانسية مع استثمار اللحظة التي تجهز على لحظات سواها، وفي الآن نفسه تولد لحظات أخرى أكثر تلاعبا بالزمن جيئة وذهابا غدوا ورواحا.
وقد تنضبط انطولوجية القصة القصيرة المنضوية ضمن حقبة ما بعد الحداثة بمتوالية ذاتية إجمالية تتراوح ما بين داخل الشخصية وخارجها لا بمفهوم (كانت) للذات أو مفهوم (ديكارت) للكوجيتو، ولكن بانطولوجيا الوجود الموضوعي وفسيولوجية الجسد الإنساني وتجريدية البعد الوجودي مما يؤدي إلى أن تتذوتن الشخصية بمعنى أن تكون لها هويتها السردية الخاصة.
وكان الفيلسوف الألماني( هيدجر) قد أولى مبدأ الهوية أهمية خاصة بسبب أولوية مبدأ الذات على الموضوع وميله الميتافيزيقي للوجود، وبحسب هذا الفيلسوف فإن لكل ذات هويتها وهذه الهوية تتغير مع تغير الزمن وتبدل المكان وأن كل موجود بالطبع هو ذاته بالنسبة لذاته نفس الشيء، وهذا ما يجعل رؤيا العالم بمثابة غلالة رقيقة أو قشرة غير محسوسة يتلفع بها المسرود بوصفه الرائي الذي الذي يستطيع الغور الى أعماق الوجود.
وعادة ما يكون التعبير عن رؤيا العالم في القصة القصيرة، صمتا تصويريا فيه الظاهر نسبي والمضمر إطلاقي حيث الظاهر يأتي من خارج الذات، والمضمر يُدلل عليه من داخل الذات أما الآخر فمعزول ومحذوف ومتلاش.
وليست الذات في القصة القصيرة هي الشخصية الموصوفة بالتأزم فحسب، بل هي الكائن المغمور والمذعور والتائه وهي الكينونة المؤسلبة بالضد والتهميش واللااستواء وهذا ما يجعلها تفترق عن كينونة الشخصية في الرواية التي تنماز بالتمركز والاعتداد.

ولهذا صارت الذات تصارع نفسها، وقد تكرر نفسها في صور شتى تبعا لطبيعة الأنا وقد تتحول من التحبيك القصصي إلى التوالي الحكائي الذي ينبع من تسلسل غير مشروط التتابع ولا مسلم للمنوال، لكنه يتوالى تقاطعا وازدواجا في نظام داخلي سردي وهذا هو اللغز الذي يفرض على القارئ حلَّه بواقعية المثال المصور تجريبيا وتضاديته ما بين مزدوجات الأشياء والرموز / الحضور والغياب / الماهية والكينونة.
وليس غريبا أن تغدو الذات في القصة القصيرة معولمة في هويتها وهذا هو سر مأزقها وعوقها والمشكلة ليست في العولمة ولكن في عولمة الذات لنفسها ووجودها وهذا ما تطلب إنتاج مظهرية جديدة لهوية هذه الذات.
وقد انحازت القصة القصيرة في العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين الى جعل التأزم الفردي للذات غيريا منطبعا بسمة الواقعية الثورية والاشتراكية والتعبوية والفنتازية مع توكيد مركزية الصوت ورفض الاستلاب أو العائدية والاهتمام بإثبات الوجود الذاتي جنبا إلى جنب التفاعل الاجتماعي.
وبعبارة أكثر اختزالا فإن الذات إذا كانت في القصة القصيرة المعاصرة تحاول أن تبدو مقنعة بواقعيتها فإنها في المرحلة الراهنية بدت تنفر من واقعيتها مؤسلبة بالزيف. وليس في هذا اشتطاط، بل هو انكفاء قد يبدو طبيعيا لمرحلة كانت قد عرفتها القصة القصيرة في نشوئها العالمي الأول على يد كبار كتّابها ومنهم تشيخوف الذي وظّف زيف الشخصية أو الشخصية المزيفة في أعماله.
ومن ملابسات هذا التموضع للذات المأزومة في القصة القصيرة أنْ غدت الأنا أحادية، لا يشاطرها في هذا التأزم أي آخر مماثل يوازيها أو تكون له كفة تعادل كفتها في الغمر واللااستواء. وهذا ما يجعل التحدي في كتابة القصة القصيرة أكثر منه في كتابة الرواية التي لا يحتاج صنع شخصياتها سوى مضاهاة الذات بالآخر ساردا أو مسرودا كأن يشاطرها المعاناة أو يسهم معها في التصعيد الدراماتيكي فترتفع الحبكة بلا ضغط أو تحد أو إرغام.
وهذا ما جعل فرانك اكونور ينفي صفة البطولة عن الشخصية في القصة القصيرة لا بسبب تأزمها الفرداني وإنما بسبب هامشيتها على أرض الواقع لتغدو ذاتا لا تتحمل أن تتحلى بالنضالية والطموح والفاعلية .
وعرَّف فلاديمير بروب البطل المزيف بأنه الشخصية التي تعوزها الطاقة …والشخصية المزيفة لا مركزية وهي نقيض الشخصية المثالية كما أنها كينونة واهية لا متعالية ومأزومة لا منفرجة وبسيطة مكررة لا معقدة أو تركيبية
وتكون البطولة الوهمية والصدمة اللاذعة والإحساس السيكولوجي المثقل بالوهم والهيام هي علامات بها تتذوتن الشخصية في إطار مؤسلب انهزامي لا يواجه الواقع بل يعتزله، وهذا دليل تطور لا نكوص إذ لا يمكن لهذا الجنس الفني أن يستقر على ملامح بعينها لا يغادرها فمنطق الأشياء هو التجدد والتغاير بشاقولية ترفض الاعتياد الأفقي وتقليدية المحاكاة وكان هيراقليطس قد قال:( لا يمكن للإنسان أن ينزل في النهر الواحد مرتين) فالتغيير يشهر معوله في كل لحظة معلنا تحديه للثبات ..وإذا تأملنا الواقع فسوف نجد أنه لا يوجد شيء واحد بمنأى عن التغير
وهذه الخصيصة في التغير والتمايز المرحلي واضحة في كتابة القصة القصيرة في العراق وعلى طول مراحلها، ولان سطح القصة القصيرة كالاسفنجة تلتصق به مئات من الانطباعات التي لا صلة لها على الإطلاق بالأحدوثة كما يقول فرانك اكونور لذلك يتحقق استلهام القصة القصيرة لأقصى تفاصيل اللحظة المعاشة كأمر لا مناص منه كي تندمج الأزمنة في التعبير عنها وتصوير توابعها النفسية والفكرية.
ولهذا كله انطبعت واقعية الذات في القصة القصيرة الراهنة بالذوتنة كمفهوم ذهني يتكور حول الانوية والفردانية حيث الإدراك واللاادراك يتذوتنان، موضوعيا ورمزيا، ليغدو البوح في الصمت والتواري في الإعلان والرعب في المجابهة.. إلى غير ذلك من التضادات التي تجعل الشخصية المذوتنة، بوابة مهمة من بوابات الانعتاق من التأزم الذي تعانيه لعلها تظفر بكينونتها الخاصة والمميزة.
وبالتمرأي الفني تتمم الشخصية شرخها الواقعي متفادية اصطداما غير محسوب النتائج ومتمظهرة في أقنعة من التفتت والتشظي والتلاشي، تتحصن وراءها متحلية بالاستقرار والتصالح النفسي الداخلي مع الواقع الخارجي.
وتعد الفردانية بعدا آخر به تقطع الذات السردية كل صلاتها مع المحيطين المؤنسن والمتشيء، فضلا عن أبعاد الانعزال والكتمان والتشظي وغيرها من الملمحيات المؤسلبة التي بها تخرج الكتابة القصصية من مرحلتها الحداثية لتلقي بنفسها في كنف مرحلة جديدة توسم بأنها ما بعد حداثية.
ولعل اجناسية القصة القصيرة هي الأنسب في توظيف هذا التعاطي المخاتل مع الشخصية والسبب هو قالبها الفني المتكاثف الذي يستطيع استيعاب المحتوى الجمالي من ناحية وتقدير هذا النوع من التعاطي الشخصاني المذوتن من ناحية أخرى، وليس الأمر هنا متروكا على الغارب بل هو محسوب بسمات يعرفها الكتّاب المتمرسون ويطبقونها بقصدية عالية ودراية وافية بمتطلبات كتابة القصة القصيرة ما بعد الحداثية مع إخلاص عميق لمعايير الكتابة المذوتنة للشخصية بوصفها ذاتا عيانية وأنا كوجيتوية وهوية سردية وكينونة تامة قائمة بنفسها.
ولا تخرج القصة القصيرة في مرحلة ما بعد الحداثة في العراق عن مثيلاتها من القصص القصيرة التي كتبت في المرحلتين الكلاسية والحداثية، فهي تظل موصوفة بأنها الحلية أو النوفل لكنها إلى جانب ذلك تنفرد بمعايير بعينها وتتشخصن بملمحيات تميز كتّابها وتجعلهم يتخلصون من مألوفية التقييد والتضييق والدغمطة وغيرها ..
ملاحظة (نشر المقال في جريدة المدى)

تعليق واحد

  1. إشبيليا الجبوري

    الاستاذ د. حسين سرمك المحترم
    اعضاء فريق عمل الموقع المحترمون
    إلى/
    الاستاذة د. صاحبة الرأي والمقال المحترمة
    وبعد:
    سؤالي متعدد ربما٬ باستفسارات متعلقة في طبيعة فاعلية الاصطلاحات وتماثل مجالها الحيوي٬ عن تحليلها للواقع٬ التي اسندتها في المقدمة فقط٬ (كي لا ادخل في ملحقات آخر ٬ مزيدة حفر أعمق في المتن)٬ او٬ التي ذكرتها الدكتورة المحترمة بمفاتيح محتلفة٬ وعليه فـ:

    السؤال: كيف تم قياسها وماهو التحليل الكمي وتواصله لنوعي للمتواليات الذاتية والإجمالية من حيث كل من = الحجم٬ الزمن/الثواني٬ الكثافة /التراكم٬ مفدار الطاقة المتبلورة٬ سعة المجال التفاعلي والبعد التأريخي لكل وحدة من وحدات التاريخ) وما هو معيار الميل التاريخي القيمي في الصياغة الاستراتيجية والاختيار الاستراتيجي٬ والتنفيذ في تأين (آيونات) المتراكمة و مقدار سرعة “تلاعبا بالزمن في المجيء والذهاب”. وما القيمة المضافة بمجيئها للمعرفة التحليليلة٬ ومخاطر نتائج معطياتها التجريبية من حقيقة”جوهر منهجية المتواليات السردية/النقدية كميزة تنافسية٬ منفعة وموضعا؟

    كي تغدق علينا بنعيم مختصر ملاحظات الاجابة٫ والفائدة العامة للقاريء المتخصص وغير المتخصص٬ ربما٬ في مهام اعمالنا المختبرية العلمية والحياتية.
    مع خالص التقدير

    إشبيليا ـ لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *