الرئيسية » ملفات » ريسان الخزعلي : ذاكرة النار في ( ازدهارات المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد (ملف/10)

ريسان الخزعلي : ذاكرة النار في ( ازدهارات المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد (ملف/10)

?

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

ذاكرة النار في ( ازدهارات المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد…

ريسان الخزعلي

1 —
في قراءة لمجموعته (علامتي الفارقة).. قلت بأنها قصائد (تشير الى الذي يحدث)، وما زال الخيط نفسه يوصل قصائد المجموعة تلك مع (ازدهارات المفعول به) المجموعة الجديدة للشاعر المبدع (سلمان داود محمد)، غير أنه أكثر توتراً، أكثر تموجاً، أكثر إختراقاً للذي حدث والذي يحدث، أنه الخيط الذي يبصر، يبصر الفتق. التوتر يكمن في البنية، التموج في سعة القول الشعري (الكمي والنوعي)، والإختراق في قلب المفهوم المستقر للمعنى المتوارث لغوياً (خروف العلة، ماراثون إنفرادي، نثرنة الصنم، أنت بكسر العين، قدم في الأعالي، إزدهارات المفعول به، طبعاً والى الأبد.)…، وأرى أن هكذا قلب يطمح بأزاحة معنى وصورة ليس على مستوى المتخيل فحسب، وإنما على مستوى الإيحاء، للمباشرة في تلقي النص. وما يفعله الشاعر (التموج، التوتر، الإزاحة)..، هو اضافة إيقاعية، ضمن توصيف (الإيقاع الجديد) في قصيدة النثر، الإيقاع الأوسع الذي يتجاوز الإيقاع العددي، ويمنح النثر طاقته الشعرية باستمرار، من دون الإكتفاء بعينات محدودة، تذكر (ببيت القصيدة) ــ المقياس السلفي لدالة المعنى والقوة الشعرية النهائية.

** رافقت قراصنة المعيشة..
من فجر الحارات حتى آخر نبض في الإشارات الضوئية
تعلمت كيف يمدون الأطفال كأسلاك موصلة للنشويات ..
أحببت كعادتي وقاحة الأمل ..
حين يسترق التجاعيد من اليائسين
بتمرير المكواة على المرايا.
وصفقتُ كثيراً لمن باع المراوح كي تطير السقوف .. **

2 – –
*(ازدهارات المفعول به).. تتقدم بقوة الشعر، وقصيدة النثر، والشعر الحر، وهكذا تكتسب توصيفها المعلن (شعر).. بعيداً عن التمويه (نص)، وقد جاء البناء الشعري بنوعية (Free Verse) و (Prose Poem) كي تكسب هذا التوصيف بأحقية فنية/جمالية مزدهرة هي الأخرى بتجربة حياتية وأخرى روحية شكلت شكلها المندفع من (الداخل) وليس الشكل المقرر من (الخارج)
وان ما أعنيه بقوة الشعر.. هو كل ما تولد من الشاعرية وإستثمر الشكل (قصيدة الشعر الحر، قصيدة النثر) مع التأكيد على سيادة الشكل الثاني، ويحصل الجمع بين الشكلين في القصيدة الواحدة كذلك. .. :

** السلحفاة أنا في ماراثونات الصكوك
أفضًلُ جبنة الغبار علامة العاصفة
وأطحنُ لؤلؤ العطايا بانقلاب الصدف
المسدس أوفر حلماً في مساءات الجميع
أعرفُ هذا..
والضحايا طرفة تؤججُ في الترسانة قهقهات
هذا صحيح..
لتلد السماء محاقاً يعبده اللصوص
ولتسع النبوءات كملقط لجمع الأضاحي .. **

ان النموذج السابق، رغم المزج الشكلي، فانه يتوافر على البناءين (قصيدة نثر، شعر حر)، ولو استعمل الشاعر علامة التوقف (.) كترميز في الجزء الأول من النموذج، لجاء البناء خارجاً عن المزج، غير أن الإسترسال المتدفق أوجد شكله الخاص، وهذه ملاحظة تصح في جميع قصائد المجموعة، والملاحظة ليست بعيدة عن مدركات الشاعر، حين يكون شكل الجزء الأول من النموذج على النحو التالي .. :
(السلحفاة أنا في ماراثونات الصكوك. أفضًل’ جبنة الغبار علامة العاصفة وأطحن’ لؤلؤ العطايا بأنقلاب الصدف). وقد جاء الجزء الثاني من النموذج مكتمل الشكل حيث الترميز (..) والعطف. إلا أن الشكل هو وليد التجربة الحياتية / الروحية التي أملت القصيدة خارج تمنيات الإنطباع الذاهب الى الشكل..
وإلا كيف نفسر الإيقاع العددي في النموذج التالي ؟:

* انتبه يا صاح مره
رقصة الفرشاة تسعى في خشوع
لحذاء تكشف الألوان سحره
فتعاني من تخطيه الشموع .. *

إن هذا النموذج قد إعتمد (البحر والتقفية) وقد جاء الإيقاع العددي من بحر الرمل (فاعلاتن فاعـلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلات، فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلات).. وأن التفسير يكمن في طبيعة التجربة الروحية وليس الشكل السابق للتوليد الشعري. وأن مثل هذا الإيقاع العددي يظهر في القصائد بتناوب مما يمنحها التموج والرنين، وبالتالي الثراء الموسيقي المتزامن مع الثراء اللغوي والصوري، وان هكذا ثراءات قد توافرت في قصائد المجموعة بدراية الشاعر/ العارف لفن الشعر.

3 – –
اللغة في (ازدهارات المفعول به).. تقوم على إعادة تشكيل، وإبتكار تركيبات جديدة، بث الروح في مفردات قد تبدو غير شعرية، توليف اليومي والشائع من اللهجة مع ما هو (لغة).. ومن كل هذه الإشتغالات تشع قصيدة الشاعر (سلمان داود محمد) بلغتها الجديدة الخاصة به وبها..
وتلك علامة بإتجاه.. إكتشاف انساق لغوية تنسجم مع مقولة تفجير اللغة واللهجة في الشعر… :
(نقتسم التركات على عجل في “التاتات” …. أعوي بالـ”رصافة”: يا “نجفي” ….، هذه علامة الهم الكترك”….، خشية أن تدهس حادلة الـ UN رغاطيط الله ….، لأمك “باتا” أزواج شفافون ….، إبتلعي قرص الـ”دش” وطيري ….، أبارز وحش الانترنت بتلفاز معطوب ….، كذلك “ماكو” حليمات في السوق، ولا رسل من نسل الـ”بيبي لاك”،.. الخ) . ان هكذا تشكيل لغوي يستثمره الشاعر بنجاح لتوليد صور شعرية بارعة، جديدة، لا تذكر بما يشبهها… :

* ما الذي سيفعله “بابا نوئيل” لصبية نضجوا
بين فرز القمامة في غرف العشاء..
والسطو على حدائق مفعمة بالسيكوتين؟!
ما من جواب غير الله
يفسر الثناء لغير الناطقين بالتضحيات
ويبدد وحشة السراج بممارسة الريح
فكم كنت أقل مما تقصده الهوامش آنذاك
يوم تولى الصيارفة كتابة الشجون
كم أغواك فستق العبيد
حتى اصبحت لاجئاً في مسقط الرأس.. *

4 – –
* قصائد.. (إزدهارات المفعول به).. قصائد مواجهة، قصائد إدانة لكل ما يسلب الإنسان هدوءه وحريته، من هنا يجيء موقعها الإنساني النبيل امتداداً لواقع الشاعر الذي أحرق روحه وأصابعه كونه (فرداً من مجتمع وليس فرداً في مجتمع).. وأن مثل هكذا تحديد يجعل الشعر حياة، والحياة شعراً، بعيداً عن التجريدات التي لا تفضي الى ملموس. و( إزدهارات المفعول به ) تفضي الى دالها ومدلولها في تشكيل لغوي/صوري متماسك، يستهدف الجهة شعرياً بذاكرة من نار وأعصاب من جمر، وأن الوعي الإنساني الذي كان وراء هذا الإستهداف هو (علامة فارقة) أخرى..، علامة في حصر (الحروب والحصارات) في مساحة ضيقة جداً، يرشقها بالكبرياء والترفع، قبل أن تسلبه الشيء الكبير، ورغم التضحيات (الجسدية) والمادية، إلا أن (الروح) هي الربح، والربح الشعري الذي سخر من الوقائع وقد حولها الشاعر الى ذاكرة مكتنزة بما هو فني، بما هو جمالي، بما هو شعري… :

* بتهمة الشجن
تأرجحت من العمود جثة المصباح
فرت الحقول نحو المدخنة
واختبأ الظلام في الرغيف وانتهى..
فهل عرفت الآن تاريخ الزنوج..؟
لا يهم..
الناسك منشغل بتجميد الحرائق
والمخاطر دامغة كالفوانيس.. *

( المصباح، الحقول، الرغيف، الزنوج، الناسك).. أوصاف الشعر والشاعر (روحاً وذاكرة..)
وهكذا تكون ( إزدهارات المفعول به ).. ازدهارات الذاكرة، ذاكرة النار، النار التي لا تأكل الحبر وروح الشعر، بل تنتجهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *