الرئيسية » نقد » ادب » جاسم عاصي : رد على مقال .. البدايات والمبررات (ملف المتوالية السردية/2)

جاسم عاصي : رد على مقال .. البدايات والمبررات (ملف المتوالية السردية/2)

رد على مقال .. البدايات والمبررات
جاسم عاصي

أطّلعت على ما كتبته الدكتورة الفاضلة ( نادية هناوي ) في ثقافية (المدى) تحت عنوان (السبق النقدي في اجتراح مفهوم (المتوالية السردية) وكتّابها / العدد 3977 في 24 تموز 2017) خصّ الإشكال حوّل مصطلح (المتوالية السردية أو القصصية) والذي أكون طرفاً في حراكه عبر تاريخ القصة العراقية. كانت الدراسة تتناول اشكالية نقدية، بادرت بها الدكتورة، لتصحيح اللبس الذي خص جهدي وجُهد أقراني في استحداث هذا النمط من الكتابة في سجّل أو مدوّنة السردية العراقية .
ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر على جهدها هذا خدمة لنصاعة وجه الحقيقة. لا أدري بشكل مباشر كيف طُرح هذا المفهوم لصيغة الاشتغال، لكني عرفت أنه طُرح في مؤتمر السرد الذي أقامه اتحاد الأدباء مؤخراً. وقد عرفت ذلك من البعض ومن الدكتورة نادية حصراً والروائي (جهاد مجيد) حيث دار بيننا حوار حول تاريخية مثل هذه الصيغة في الكتابة السردية ضمن أدبنا العربي والعراقي. نستطيع تشكيل مداخلة مع ما ذكرته الدكتورة بما نمتلكه من معلومات، كان لاجتراحنا للمصطلح طرف مركزي فيه. إضافة إلى الفيض من المعلومات والرؤى النقدية التي ارتكزت عليها الناقدة.
إن روايتي (مستعمرة المياه) نص ابتدأت كتابة فصوله منذ النصف الأول من تسعينيات القرن المنصرم ونشرت أوّل نص منها في مجلة الأقلام (العدد2) عام 1996 تحت عنوان (اليقظة) ثم تلاه نص (الشروع) في العدد (5/7) المزدوج عام 1999 كما ثبّت هامشاً أسفل الصفحة الأولى من النص في المجلة احتوى العبارة التالية (هذا النص جزء من متوالية قصصية / سردية ، يكون من خلالها كل نص مكتف بذاته، ثم تجتمع النصوص في رواية ذات فصول) صدرت الرواية عام 2004 من دار الشؤون الثقافية العامة لوزارة الثقافة العراقية. وقد انتبه إليها بعض الكتاب، وأشادوا بنمط الكتابة هذه ومنهم الناقد (فاضل ثامر) وهو الخبير الفاحص لها . علماً أني كتبت مداخلات نقدية ــ سيرة كتابة ــ حوّل الموضوع في وقتها. أي كان الشروع النقدي موازياً لشروع الكتابة النصية . هذه حقائق عامة لا بد من توضيحها، وقد أشارت إليها الناقدة مشكورة .

مبررات الكتابة بهذا النمط
كان الظرف الموضوعي فيه حذر شديد . لذا كنا نلوذ بهذا أو ذاك من أجل الصيانة. ولعلّي عملت على هذه التجزئة من منطلق الانجاز وقوّل ما يمكن قوّله من خلال كل نص. هذا ما يخص البنية الموّضوعية، أما على صعيد اللبنة الفنية، فقد كانت بعض الفصول تذهب إلى ما اصطلح عليه (ميتا سرد) وكان الاشتغال ضمن كل الصياغات والتوظيفات للموروث بشكل عام، الذي وجد له متسعاً في النصوص إبّان التسعينيات . وقد درست هذا في كتابي المخطوط ( المجاورة والابتكار) ونشرت فصولاً عديدة منه . لقد استكملت الرواية بفصولها كاملة، ولم أنشر منها آنذاك سوى فصلين كما ذكرت آنفاً . لكني انتبهت وللأمانة إلى ما كتبه (إرنست همنغواي) في أول خمس وأربعين قصة تحت عنوان (In our tim) أي في عصرنا . فوجدت فيها صياغة ليست بعيدة عما اجترحته . كما وبمرور الزمن أصدرت دار الشؤون الثقافية مجموعة قصصية للأديب الأردني (أحمد عوّدة) تحت عنوان (جمجوم) ولعلها لا تبتعد كثيراً عن مثل هذه الصياغات. بعدها أصدر الروائي (جهاد مجيد) روايته (دوّمة الجندل) عن طريق الاستنساخ. وقد كتبت وقتها عن الرواية، كما وصدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة بعد صدور المستعمرة. كما وأن الروائي نشر فصلاً في العدد الخاص في القصة القصيرة العراقية من مجلة الأقلام عام 1988، ولم يعلق على طبيعة نمط معيّن. هذا ما يخص تاريخ الكتابة بهذا النمط الذي يخص الشكل، أو الإطار العام. علماً أني لا انسبه لي فقط، لكن كان لكل واحد ممن ذكرتهم ممارسته الخاصة وضرورات ومبررات الكتابة وفق هذا النمط. لكن للتأريخ كنت أول من كتب مداولة نقدية سابقة لذلك، مبشراً بأسسه . ونشرت فصلين تطبيقيين في مجلة الأقلام كما ذكرت.

التباين والاختلاف
في مثل هذا لابد من طرح وجهة النظر النقدية حوّل طبيعة كتابة هذا النمط، للأمانة النقدية والتاريخية. إن الفرق بين كل هذه الكتابات نطرحه كالآتي : كان (همنغواي) قد طرح نموذجه في النصوص منذ قصته الأولى تحت عنوان (المخيّم الهندي) وقد ترجمت وقتها ونشرت في الصحف. كان نموذجها (نك آدمز) الذي يتطور عمرياً خلال النصوص حتى يبلغ سن الشباب. هذا النموذج كان يمثل السيرة الذاتية للكاتب، فهو من أب طبيب وأم كاثوليكية. و(نك) يجد ــ كما في النص ــ زوج المرأة التي كان أبوه يجري لها عملية قيصرية يحاول قطع شريان رقبته بموس الحلاقة. يعرض الرجل عن الانتحار وهو يصغي لألم زوجته أثناء العملية، ويهرب (نك) وهذا ما لاحق (همنغواي) وتدرجه في المشاركة في الحروب حتى لحظة انتحاره . لقد كان مبرر كتابة فصول هذه القصص وفق متوالية سردية، هو تقديم سيرة (نك) قناعاً للكاتب . أما القاص (أحمد عوّدة) فقد مارس نفس الفعل في كتابة سيرة نموذجه، نموذج الريفي الذي عانى وترعرع ودخل المدينة وتعلم . في كتاب (جهاد مجيد) كان النسق يسير في متوالية تدوين سيرة النموذج وهو يبحث عن مدينة (دومة الجندل) موّطن الأجداد . وفي الفصول يطرح صوّر المفارقة في ما يرى نموذجه عبر التاريخ المعمد بالدم . أي أن صيرورة النصوص هي فعل البحث، سواء كان فلسفياً أو تاريخياً أو أسطورياً . أما في (مستعمرة المياه) التي كانت أيضاً تتابع عبر فصولها النموذج (مردان) وهو يعود للبحث عن (حفيظ) المكان الوهمي لأسطورة الجنوب عبر مياه الأهوار . ومن ثم يأتي ولده (سامح) لاستكمال البحث . وللعلم أني بدأت منذ فترة طويلة ـ تدوين سيرة (سامح) وهو يهم الدخول إلى سحر وغموض (حفيظ) لتعميق دلالة أسطورته فلسفياً كما أراه، وهو جزء من الحراك الذهني الذي أتواصل معه في استيعاب الوجود بوجهييه الواقعي والأسطوري. إن النصوص تلاحق مثابة، وذات نمط أسطوري خالص . أي أني استحدث مدارات جديدة لأسطورة الجنوب التي لم يتناولها أقراني، وضمنهم (فهد الأسدي ، شوقي كريم) في نصين لهما الأول في كتابه القصصي (عدن مضاع) والثاني في نص (حمامات حفيظ). كذلك تطرق إليه القاص (جمعة اللامي) في (اليشن) وجميعهم كان قد سحرته دهشة (حفيظ) وهو يوّزع نافورة ضوّئه على سطوح المياه ، لمسافات بعيدة . كان بديلاً عن غياب القمر . انشغلوا في صورته ، وانشغلت أنا أيضاً ، ولكل منا وقع وتأثير الدهشة على ملكته الإبداعية .هذا ما خص نوع الممارسة في الكتابة، التي تعتمد رؤى ذاتية خالصة .
يبقى أمامنا طرح ملخص لما ذكرنا. وهذا يكون حصراً في كوّن كتابات هؤلاء مهما اختلفت نشأتهم؛ كانت لهم مبررات موضوعية ذاتية ــ دفعتهم لاختيار صيغة للكتابة بهذا النمط . وهي أيضاً تحتاج وقفة نقدية مركزة لبلورة النمط باتجاه مصطلح يلم مثل هذه التجارب في الكتابة ، كي لا تضيع شأنها شأن ضياع طبيعة فعل التناص في النص العراقي (قصة ورواية) حيث ندّعي أننا أنجزنا كتاباً يتناول هذا النمط من التوظيف الأسطوري للمعرفة. ومنها الأسطوري والحكائي والتاريخي تحت عنوان (المجاورة والابتكار). درسنا كل النصوص العراقية التي اشتغلت على توظيف الموروث، خاصة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي وما قبلها
ملاحظة (نشر المقال في جريدة المدى)

تعليق واحد

  1. إشبيليا الجبوري

    الاستاذ د. حسين سرمك المحترم
    اعضاء فريق عمل الموقع المحترمون

    إلى صاحب الرأي والمقال المحترم
    دفاعا عن المتواليات الاستراتيجية وخياراتها٬
    اما بعد:
    لا يوجد مثل هذه الادعاءات من صحة لوجود كتابات ” متواليات سردية عراقية أو عربية”٬ ولا حتى كتابات “نقدية سردية” لا عراقيا ولا عربيا. لسبب بسيط٬ لانها مبنية على صناعة القرار وتغذيته بالسيناريوهات التي تمجد شخصه الحاكم الاعتباري للسلطة٬ والمتواليات السردية تتطلبها الخيارات الاستراتيجية للسياسات العامة في التنفيذ٬ وتتحكم مدها بسند ثقافي عقائدي للخيارات المتاحة للتغير والتحول والانتقال٬ أي نظام بناء تطورها مرتبط بالسوق العالمي الحر٬ الليبرالية والديمقراطية المركزية…. أين الواقع العراقي والعربي من تأثير “المتواليات السردية أو النقدية” …. هذه ما هي ٬ الا إدعاءات دوما تؤدي بمدعي الكتابة السردية أو من ينقدها كحضور٬ ما هي إلا وهم وفوضي مرضية يعبث العجز به عن جديد بمواجهة افلاس الابداع لدى المثقف في العراق أو العالم العربي٬ (تحت مفهوم الابداع في ملكية الاستيلاء والغنيمة ….). ودمتم.
    وسنكتب عننها للتوضيح أكثر٬ مستقبلا.
    مع بالغ الاحترام

    إشبيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *