تابعنا على فيسبوك وتويتر

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

 الجدة ماري

   على عادتها كلّ يوم ، تحاملت الجدة ماري على نفسها ، وارتدت ملابسها السوداء ، التي ظلتْ ترتديها ، منذ أن رحل زوجها سليم ، قبل خمس وعشرين سنة .

وخرجتْ من البيت ، بعد أن سحبتْ بابه الخشبيّ الثقيل ، لم تغلقه بالمفتاح ، فمن سيسرقها ؟ وماذا لديها في البيت يمكن أن يُسرق ؟

ومضتْ بخطواتها الثقيلة الشائخة نحو الكنيسة ، إنها تمضي في هذا الطريق منذ سنين طويلة ، طويلة جداً ، منذ أن وعتْ على الدنيا ، وكانتْ أمها تقول لها : ماري ، اركعي أمام الرب يسوع ، واطلبي ما تشائين ، وسيعطيكِ كلّ شيء ، إنه الرب .

وفي حياتها الطويلة ، طلبتْ الكثير من الرب ، وأعطاها كلّ ما طلبتْ ، طلبت أن يبقى أبوها وأمها ، وقد بقيا حتى شاخا ، وطلبت أن تتزوج ابنتها جمبد ، وقد تزوجت ، وأنجبت تسع بنات ، وصبي رقيق جميل كالبنات أسمته يوحنا .   

وطلبتْ من الرب ، وألحتْ في طلبها ، بل نذرت له خمس شمعات طويلات ، أن يهدي ابنها ياقو ، ويقنعه بعدم الهجرة إلى أمريكا ، فأمريكا ليست أفضل من بغديدا ، وبناتها لا البيضاوات ولا السوداوات أجمل من بنات بغديدا .. لكن الرب ، لسبب لا تدريه ، لم يستجب إلى دعائها ، وهاجر ياقو إلى أمريكا .

ومرتْ الجدة ماري ، وهي تسير متثاقلة ، متوكئة على شيخوختها ، بثلاث رجال ملتحين ، يرتدون الملابس السوداء ، ويحملون الرشاشات على أكتافهم ، فتوقفوا حين رأوها ، وراحوا يتابعونها بنظراتهم الغاضبة ، وبدا أنها لم تلاحظهم على الإطلاق  .

فقال الأول : الجميع غادروا المدينة ، حال دخولنا لها ، إلا هذه العجوز الخرفة .

قال الثاني : إنها ترفض المغادرة ، رغم تهديدنا لها ، وهي تعيش وحدها في البيت .

وقال الأول : إنها ليست وحدها ..

ونظر إليه الثالث ، فتابع قائلاً : إنها مع أمها وأبيها وابنها وابنتها ، التي لها تسع بنات وولد واحد ، هذا ما تقوله العجوز .  

وشدّ الثالث رشاشته على كتفه ، وقال وهو يسير مبتعداً : لقد صبرنا عليها مدة طويلة ، خذوها ليلاً ، والقوها على مشارف أربيل .

وعند منتصف الليل ، جاء مسلحون بثيابهم السوداء ، ولحاهم الكثة المغبرة ، وأسلحتهم الرشاشة ، وأخذوا الجدة ماري قسراً ، من بيتها الذي عاشت فيه عمرها كله ، وألقوها على مشارف أربيل .

وبعد أكثر من ثلاث سنوات ، عادت الجدة ماري إلى بيتها القديم في بغديدا ، وقد عانت طويلاً من الفاقة والشيخوخة والوحدة ، ونامت تلك الليلة مرتاحة في غرفتها العارية ، فقد كان حولها زوجها وابنها ياقو وابنتها ، ومعها بناتها التسع ، وابنها يوحنا ، الجميل والرقيق كالبنات .

 

  شيته

   على عجل ، ألقيتُ عباءتي السوداء ، على ملابسي السوداء الخلقة ، وانتعلت ” بابوجي ” ، وخرجتُ بسرعة من الغرفة ، وفي الحوش ، رأتني زوجة ابني ، وزجرتني قائلة : خيراً ، إلى أين ؟

وأجبتها دون أن أتوقف : شوهد الحجي في بابا الطوب ، سأذهب إلى هناك ، لعلي أعثر عليه .

ورغم طرشي ، سمعتها تدمدم : ابتليتُ بالخرفين .

فتحت الباب الخارجي ، وانطلقتُ بسرعة نحو باب الطوب ، لقد خرج زوجي الحجي من البيت ، بملابسه الخفيفة ، رغم أننا في شباط ، وشباط الموصل شباط ، ولم يعد ، وها قد مرّ يومان وربما أكثر ، ولم يتناول دواءه ، آه لقد خرف تماماً .

ها هو باب الطوب ، وتوقفتُ في الساحة المكتظة متلفتة ، لقد درتُ في جنباته مرات ومرات ، حتى كلًت قدماي الشائختان ، ولا أثر له في أي مكان ، ترى أين هو ؟ لا عشتُ عليه .

ومالت الشمس للغروب ، سيحلّ الليل قريباً ، فنحن في الشتاء ، وقد أتيه أنا أيضاً ، وهممتُ أن أقفل عائدة إلى البيت ، حين رجّني صوت خشن : حجية ، أين تظننين نفسكِ ؟ في باريس الكفار ؟

فأجبته ، وأنا أحدق في ملابسه السوداء ، ولحيته الكثة السوداء : لا يا ابني ، أنا في الموصل .

واقترب مني ، وقال : لو رآكِ غيري ، لأخذك إلى الحسبة ، ولجلدتِ عشرين جلدة .

وركضتُ متعثرة ، مبتعدة عن اللحية السوداء ، وأنا أقول مولولة : يا ويلي ، لن أحتمل خمس جلدات .

ولاحقني صوته الأجش آمراً : غطي وجهكِ ، الذي سيكوى بالنار في الآخرة ، أنتِ عورة .

آه ، يا لحمقي ، لقد نسيت غطاء الوجه في البيت ، وزوجة ابني لم تنبهني إلى ذلك ، لابد أنها متعمدة ، تريدهم أن يجلدوني ، لأموت وتتخلص مني ، لقد طردتني قبل أيام ، والمطر يهطل بشدة ، فأوتني امرأة طيبة في بيتها عدة أيام ، فلأسرع إلى البيت ، وإلا رآني أحد هؤلاء الملتحين ، وأمر بجلدي .   

عند الباب ، وقد حلّ الليل ، رأتني زوجة ابني قادمة ، فصاحت بي : أيتها الخرفة ، أين كنتِ ؟

فدلفتُ إلى الفناء ، وأنا أقول : بحثتُ عنه في باب الطوب ، لكني لم أعثر له على أثر .

فأغلقت الباب بعنف ، وقالت : لقد عثروا عليه .

توقفت متسائلة : أين ؟ أين هو ؟

فقالت بلامبالاة : في الطب العدلي .  

الفهرس
ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ الشمعة ، الظلام ، الباب ، دموع الفرح 2
2 ـ الفرح ، مريم ، حواء ، منارة الحدباء 3
3 ـ ابليس ، الجني ، الأفق البعيد ، تراث 4
4 ـ قنبلة ، شجيرة ، إجازة 5
5 ـ هو ، الشعلة القتيلة ، زهرة بابنج 6
6 ـ جمبد ، البرد 7
7 ـ العاصفة ، الوعل ، ولاذوا بالصمت 8
8 ـ لماذا انقرضت الديناصورات ؟ بندقية 9
9 ـ اينانا ، اللعبة ، برتقالة 10
10 ـ المقعد الخالي ، النهار 11
11 ـ اللعبة ، الذئب 12
12 ـ جسور ، الراء ، نخلة 13
13 ـ الجسر الحديد ، ما العمل ؟ 14
14 ـ الموعد ، الاطلاقة 15
15 ـ الكهف ، السمكة الملائكية 16
16 ـ العاصفة الثلجية 17
17 ـ الشجرة الملعونة ، الدراجة الهوائية 18
18 ـ الوهم 19
19 ـ كتب الطين ، جامعة الموصل ، طفل 21
20 ـ النيران 22
21 ـ تموز ، كلهم أولادي 23
22 ـ متحف التاريخ الطبيعي ، المطر الأسود24
23 ـ رجل من الموصل ، يد بيضاء 25
24 ـ رفض ، جندي ، الحارس العجوز 26
25 ـ الحرب الدائمة 27
26 ـ مدينة الألعاب ، بابا نويل 28
27 ـ السيف والنغم ، منارة الحدباء ، الحمامة29
28 ، من الأهوار ، دجلة يجري حزيناّ 30
29 ـ لمن تقرع الأجراس ؟ 31
30 ـ فارس 32
31 ـ حمام العليل 33
32 ـ الكناري ، حيرة قنبلة ، طائرة حربي 34
33 ـ ىساحوني ، عد الينا يا بابا 35
34 ـ أم جريح ، حزن 36
35 ـ اهجم ، رصاصة 37
36 ـ الخاتم ، الحمام 38
37 ـ عصفورة ، جامع النفايات 39
38 ـ بائع الكاز الصغير 40
39 ـ استجداء باللغة الكردية ، مخيم 41
40 ـ مظاهرة 42
41 ـ الانفجار 43
42 ـ العلم 44
43 ـ حوار في الظلام 45
44 ـ الحوت 46
45 ـ لا أنام 47
46 ـ اوتونبشتم 48
47 ـ الحياة لليث 49
48 ـ محمود والصاروخ 50
49 ـ أنا أعرف 51
50 ـ التغزة 52
51 ـ صداع 53
52 ـ البحث عن عمل 54
53 ـ في انتظار كودو ، إلى أين ؟ 56
54 ـ أبو فارس 47
55 ـ رائد 59
56 ـ عبد يابا 60
57 ـ الطفل 63
58 ـ البومة 65
59 ـ الفاختة 66
60 ـ القناص 67
61 ـ المعجزة 69
62 ـ أم ايزيدية 70
63 ـ البيت القبر 71
64 ـ الهر العجوز 73
65 ـ الطفل 74
66 ـ الطفلة الضالة 76
67 ـ رجل من الماضي 78
68 ـ الجرو الصغير 80
69 ـ الجدة ماري 82
70 ـ شيته 84

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"