حنون مجيد: فطنة السمكة الذهبية (قصة للأطفال)

كل صباح ينهض القط السمين ويذهب لصيد الأسماك على شاطئ النهر.. هناك يجلس ويدلي في الماء طرف ذيله المغموس بالزيت.
تشم السمكة رائحة الزيت فتتقدم نحوها ..ما أن تفتح السمكة فمها وتعض قوياً على هذا الشئ الذي تظنه قطعة طعام ، حتى يسحب القط ذيله في قفزة سريعة ، لتكون السمكة المسكينة على الأرض ملقاة بين فكيه..
يمارس القط خطته هذه في أصطياد السمك وحيداً ، فلا يخبر أحداً من أقرانه من القطط الكثيرة المنتشرة في المدينة ، تبحث عن طعامها في الأزقة المظلمة والشوارع والساحات .
إن ما يحلو للقط في هذا المجال هو أن يردد الحكمة القديمة  “من يتعب يلعب” كلما أصطاد سمكة أشبعته وطردت عنه آلام الجوع .
كان هذا القط مجهولاً من أقرانه القطط الأخرى ، لعزلته عنهم ، وبعده عن مواقع عيشهم ، بل أنه كان يسخر منهم كلما رآهم يتجمعون على تل قمامة أو يتصارعون على لحمة وسخة.. أما قطط البيوت ، القطط السِمان النظيفة التي تجد طعامها موفوراً أمامها كل وجبة وكل حين فيدعوها بـ “خراف العيد”.. أي الخراف التي تقدم أضحيات أو نذوراً في الأعياد .
لم يكن هذا القط يشعر بالذنب كلما اصطاد سمكة بطريقته هذه ، بل كان يضحك عالياً، ويضرب بيده على صدره متفاخراً بلعبتهِ “المثمرة” كما يدعوها .. كذلك لم يرقَّ قلبه مرة على سمكة، صغيرةً كانت أم كبيرةً ، وكثيراً ما كان يندب حظه إن كانت السمكة المصيدة أصغر من حلمه الكبير.
صيده هذه المرة كان أصغر سمكة في حياته فتركها على الشاطئ تصارع موتها البطيء ومضى .
لم يتوقع القط أن هذه السمكة “الصغيرة جداً” ستكون آخر صيد في حياته.. لم يفكر في هذا ، لكنه حين خلفها ومضى ، فكّرَ : إنه إن عاد ووجدها أكلها ريثما يجرب حظه مع سمكة أخرى.
* *      *
كانت السمكة الذهبية ترى عدد الأسماك من أخواتها وصديقاتها يتناقص بأستمرار .. ولما كان النهر صغيراً فقد جعلت تتابع حركات أخواتها لتطّلع على مايحلّ بهن أو يتعرضنّ له على يد  “عدوٍّ مجهول” .
ذلك الصباح أقتربتْ من الشاطئ ، فسمعتْ أنّات سمكة صغيرة ملقاة على الشاطئ تنازع الموت .. أقتربت أكثر حتى صارت في موقع يسمح لها بسماع كل كلمة تقولها السمكة الصغيرة ، ذات الفم الصغير والزعانف الحمر.
قالت السمكة الصغيرة ، لقد خدعني القط حين غمس ذيله بالزيت وأدلى به في الماء.. حسبت ذلك شيئاً يؤكل فأندفعتُ نحوه أشبه بالعمياء ، فما أطبقتُ أسناني عليه حتى سحبه بسرعة وألقى بي على الشاطئ . وقف على رأسي. ولما وجدني صغيرة ندب حظه وتركني لا أدري الى اين ، لكن ربما الى بيته ليعود بذيل منقوع بالزيت يخدع به سمكة غيري .. أيتها السمكة الذهبية أعيديني الى الماء ولك ما تشاءين.
قبل أن يصل القط كانت السمكة الذهبية تفكر في الطريقة التي تنقذ بها السمكة الصغيرة وتعيدها الى النهر ، وقبل أن تصل الى طريقة محددة وسريعة ، هبت ريح قوية دحرجت السمكة الصغيرة وعادت بها الى الماء .
حسن .قالت ، السمكة الذهبية . ان الله ساعدك بعد أن خذل القط السمين . غوصي في الماء ولا تقربي الشاطيء ثانية .. واضافت : اتركي الأمر لي ، وجعلت تنسج خطتها للأقتصاص من القط.

عاد القط .. وقف على حافة النهر يبحث عن السمكة الصغيرة .. لما لم يجدها ، أدلى ذيله المغموس بالزيت في الماء وجعل ينتظر صيده الموعود !
لحظة بعد لحظة من انتظار صعب ، وقد اشتد به الجوع أحسّ حفيف فم سمكة قادمة يداعب ذيله .. ولما لم تكن السمكة جائعة جداً ، هكذا فكر القط ، فقد وجدها تلامس ذيله ثم تنسحب منه .. وعادت من جديد وداعبت الذيل ثم عضته عضةً خفيفةً تركت القط حائراً بين ان يقفز أو ينتظر عضةً أقوى . لقد انهارت قواه ، وضعف بدنه وصار الأنتظار مؤلماً حتى جاءت لحظة تقدمت فيها السمكة وفتحت فمها وأطبقت به على الذيل .
فرح القط كثيراً وقال : “لقد حانت اللحظة الحاسمة ” وجرب ان يقفز عالياً بكل قوته.
إن ما أثار دهشة القط أنه عجز عن سحب السمكة نحو الشاطيء ولو قليلاً .. بل إنه شعر ان قوته تخونه الآن ، فأن لم يسحب هذه السمكة في قفزتة التالية ، فلربما ألقت به في الماء وجعلته أضحوكة للقطط الأخرى .
غرز القط مخالبه في أرض الشاطيء وجمع قوته وقفز للأعلى .. ولشّد ما كانت خيبته حينما عاد الى موقعه ولم يتقدم خطوة واحدة .
مرة بعد مرة كان القط يحاول القفز للأعلى أو التقدم للأمام ، لكن دون جدوى .. كانت حيرته تزداد وتنغلق عليه سبل النجاة ولو بذيل مقطوع .
ان آخر ما بدأ يحلم به الان هو حريته المشدودة الى ذيل لم يعد ملكه .. اما “صيده” فقد تركه لأحلام قادمة .
وهو يشّد من عزيمته ليقفز للأعلى أو يتقدم للأمام ، شعر القط ان جسده بدأ يزحف للخلف ، وان القوة التي تسحبه اليها قوة عظيمة ، لم يعد يقوى على مقاومتها ، وها هو شيئاً فشيئأً يغوص في الماء ..
لم يدرك القط ان خدعه لن تستمر طويلاً ولن تنطلي على الأسماك الى الأبد ، وان السمكة الذهبية لما سمعت قصة أختها السمكة الصغيرة أستعانت بأكبر سمكة في النهر .. تلك السمكة التي كانت من الثقل بحيث عجز القط عن سحبها الى الشاطيء..بل جاء معها الى اعماق النهر ، لينال جزاءه العادل هناك .
5/3/2009

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.