تابعنا على فيسبوك وتويتر

النكبة النفسية في رواية “ما بعد الجحيم” لحسين سرمك حسن
غياث منهل
كاتب وأكاديمي من العراق

في تسعينيات القرن المنصرم، إزدهر في الأكاديمية الغربية -الأمريكية خصوصاً- حقلٌ معرفي تفاقم حوله الجدل وأثيرت حوله الكثير من النقاشات فيما لم تنل مكتبتنا العربية منه إلا القليل، ذلكم هو ما أسميه دراسات النكبة trauma studies وسأفصّل في سبب اختياري مفردة “نكبة” بدلا من الترجمة الشائعة للمصطلح “الصدمة” فيما بعد. ويمكن تعريف النكبة، أو الصدمة النفسية إجرائيا بأنها تَعرّضُ الجهاز النفسي للإنسان إلى ظرفٍ أو مؤثرٍ قاهر وخارج عن المتوقع في مستوى تأثيره، مما يشلّ قدرة المرء على تمثّل الحدث والتعامل معه طبيعيا، وبسبب الطبيعة القاهرة للحدث تتمثل ردود الفعل المباشرة باللجوء إلى ما يسمى الهروب من الواقع dissociation، أو الإنكار denial، ومحاولة تناسي ما حدث لاحقاً عبر إدمان المسكرات وغيرها من وسائل الهروب من الواقع.
أكاديميا يمكن تصنيف هذا الفرع من الدراسات الأنسانية ضمن دراسات علم التحليل النفسي الأدبي أو النقدي. كان كتاب الباحثة الأمريكية كاثي كاروث Unclaimed Experience (التجربة المُنكَرة أوغير المدّعاة) الذي صدر عن مطبعة جامعة جون هوبكنز في 1996 هو النص الأكاديمي المؤسس للحقل المعرفي الذي شغلته نظرية “الصدمة” الثقافية أو دراسات “الصدمة”. أستندت كاروث في تنظيرها الى أفكار وتحليلات سيكموند فرويد الذي ناقش دافع الموت Thanatos لتفسير رغبة الأشخاص المنكوبين بالتخلص من حياتهم بالانتحار أو بعدم الاكتراث لخطر الموت المحيط بهم. يرى فرويد أن الشخص المنكوب نفسيا يتعامل مع نكبته بطريقة التخلي فالاستعادة (fo-da)، بالتخلي (أو محاولة النسيان) يؤمّن الضحية نفسه من ألم الفقد، الخسارة، أو أثرالفعل القاسي المسبب للنكبة، أما الاستعادة فهي محاولته استعادة السيطرة عبر استرجاع تفاصيل الحدث الصادم لغرض التعامل معه وتجاوزه بعد أن يتم تحييده واستبعاده من الذاكرة طويلاّ. زعمت كاروث أن التجارب النفسية الصادمة، كمشاهد العنف، الاعتداء الجنسي، الحرب والتهجير هي تجارب مُتَنكَر لها أو غير مدعاة في وعي “الضحايا”، بمعنى أنها تجارب لا يمكن التعبيرعنها باللغة ووسائل التعبيرالأخرى لتعذّر استعادتها من جانب وللآثار التي تخلفها من جانب آخر. واقترحت أن اللغة الأدبية (والفنية) للنصوص الإبداعية هي الأقدر على الأقتراب من جوهر التجربة وتمثلها، وبالتالي فهي أدوات ناجعة للعلاج والتخلص من الآثار السيئة التي يعيشها ضحايا النكبات/الصدمات النفسية. من الجانب النقدي لدراسة نصوص تَمَثّل الصدمة، دعت كاروث إلى تتبع آثارها النفسية في فراغات النص والمسكوت عنه فيه، لتصبح وظيفة النقد الثقافي/ الأدبي ردم هذه الفجوات واستنطاق المسكوت عنه في نصوص المصابين بالصدمة. ناقشت كاروث في استخدام فرويد الموسع لمفهوم التخلي والاستعادة في تفسير تكوّن الهوية اليهودية التي ناقشها في كتابه الشهير موسى والتوحيد و خلصت إلى إن الأخير عبّر في كتابه هذا عن صدمة تهجيره القسري من النمسا وما تعرض له مع يهود آخرين إبان الحكم النازي، مستنتجة أن ما سكت عنه فرويد في سيرته الذاتية وجد طريقه إلى تحليلاته لنكبة اليهود التاريخية وتشكّل هويتهم. بنت كاروث رؤيتها للممكنات النظرية لفرضيتها على هذا التحليل الذي يربط النكبة الشخصية للفرد بمثيلتها الجماعية، وحاولت عبر الاستفادة من مناهج التفكيك والنقد ما بعد البنيوي التأصيل لمنهج نقد ثقافي نفسي يعيد لهذه المناهج النظرية المجردة تماسّها مع الواقع عبر التعاشق بين جوانبها النظرية والأبعاد النفسية والثقافية في النص الإبداعي.
نمى الحقل المعرفي لدراسات الصدمة النفسية-الثقافية مستفيداً من تزايد أعداد ضحايا الحروب والمآسي خصوصاً بعد تبني النشرة الرسمية للجمعية الأمريكية لعلم النفس لمصطلح Post-traumatic Stress Disorder والذي تتم ترجمته عادة إلى مصطلح “إضطراب(كرب) ماوراء الصدمة” كتشخيص علمي لمجموعة من الأعراض التي كانت تسمى سابقا ب”صدمة” أو “اضطراب مابعد التعرض للقصف” بالنسبة للمحاربين. عارض “علمّية” هذا المصطلح العديد من المتخصصين وأشار العديد منهم إلى إن تبنيه هو استجابة لضغوط سياسية متأثرة بلوبيّات المحاربين العائدين من فيتنام أكثر منه تشخيصا علميّاً لحالة متفق عليها. كما أثار كتاب كاثي كاروث المذكور أعلاه ضجة في الأوساط الأكاديمية وأسس لجدل كبير إنتهى إلى رفض الأسس العلمية لادعاءات امتناع الصدمة عن التذكر والتمثل في وعي الضحايا. لم تصمد فرضية كون النكبة تجربة متنكر لها كما ادعت كاروث، بل توالت الأدلة “العلمية” من قبل المتخصصين على قدرة الضحايا على تذكر وتمثل النكبات والصدمات التي يتعرضون لها. في دراسة رائدة في المجال لأستاذ الدراسات النفسية في جامعة هارفرد رجارد ماكنيللي بعنوان (تذكّر الصدمة) خلص إلى عدم علمية إدعائات أن الصدمة النفسية تتعذر على التسجيل او التذكر. لخّص ماكنيللي في كتابه عشرات الدراسات التي قام بها هو وآخرون والتي تجمع على أن فقدان الذاكرة الذي تتسبب به الصدمة النفسية محض أسطورة، وأن هناك فرقا بين عدم قدرة الضحية على التذكر وبين عدم رغبتها بذلك.
من المآخذ على النظرية هو ترسيخها فردية تجربة النكبة وتذويب الحدود بين “الضحية” وبين ما أصبح يعرف ب”ضحية النكبة”، فالجندي مثلا يصبح هو “الضحية” لنكبة الحرب التي يخوضها رغم إنه جزءٌ من جهاز قمعي يسبب نكبات لآخرين بدوره، وبغياب العدالة في تمثيل الضحايا تُهمل نكبات وتحتفى بنكبات وتجارب أخرى، كما في الاهتمام الأكاديمي الكبير بمحرقة اليهود وأهمال نكبات أخرى كنكبة الشعب الفلسطيني مثلاً. هذا التناقض جعل من أغلب دراسات النكبة في الولايات المتحدة وغيرها تنطلق من كون جنودها “ضحايا نكبة” traumatized رغم كم النكبات والمآسي التي يفرضونها على الأفراد والشعوب التي يحاربونها. هذا المجال الضيق للنظرية الثقافية للنكبة النفسية والمستند إلى التراث الثقافي ل”علم” التحليل النفسي الأوربي واقتصار الأمثلة والتطبيقات الثقافية للنظرية على تجارب غربية وأوربية تحديدا دعى العديد من الباحثين إلى توسعة مجال البحث في تمثلات النكبات النفسية في نصوص أدبية وثقافية خارج نطاق المركزية الغربية. ومن هنا كان هدف الدراسة التي يأتي هذا المقال في سياقها عن نكبات الحرب في التجربة العراقية وتمثلاتها الأدبية.
في محاولتي للبحث عن ترجمة مصطلح trauma للغة العربية والتعرف على ما كتب عنه في المحتوى الإلكتروني العربي كان في مقدمة ما لفت انتباهي هو ما كتبه الطبيب النفسي والناقد الأدبي الدكتور حسين سرمك حسن في موقع الناقد العراقي، إذ ناقش فيه تجليات تجربة النكبة في نصوص ما يسمى بأدب الحرب العراقي أو “أدب المحنة” العراقية كما يطلق عليه، ولام الكتاب و”المبدعين العراقيين” على تقصيرهم في إغناء هذا الجانب المهم من تجربة الحرب في كتاباتهم. والملفت في كتابات الدكتور حسين سرمك حسن عن الموضوع هو ترجمته الشعرية لمصطلح trauma وهو الطبيب النفسي أولاً والكاتب الناقد ثانياً، إذْ يصرّ على إطلاق تسميته الشعرية المميزة على الظاهرة “عقبى الشدائد الفاجعة” والتي لا أتفق معها لأسباب اقتصاد-لغوية. لا تكمن صعوبة المصطلح في شاعريته فقط فكثير من الكلمات والاصطلاحات التحقت بالمعجم بعد أن كانت مجازات وصور بلاغية جمعتها مخيلات الشعراء وأقوالهم، لكن لأنها صعبة إلى حد ما في الاستخدام اليومي الذي يميل للسهولة واستخدام المألوف مع إضافة القليل تدريجيا إلى المعجم اللغوي. يترجم الكثيرون النكبة أو trauma بالصدمة واضطراب النكبة النفسية باضطراب ما بعد الصدمة. ومشكلتي مع هذه الترجمة الأكثر حرفيةً هي إنها، أي مفردة الصدمة، لا تنقل إلّا المرحلة الأولى مما أسميه بالنكبة، فالنكبة النفسية هي الصدمة أولا، الجرح النفسي إن شِئتْ، وما بعدها من معاناة واجترار لآثارها. يعرّف معجم المعاني في شبكة الإنترنت الصدمة وهي الأقرب لمفردة shock الإنجليزية بأنها “ارتطام، إرتجاجٌ، إشتباك، إهتزاز” وغيرها من المفردات التي تصفُ فعلاً يحدث وينتهي، بينما يعرّف ذات المعجم كلمة “النكبة” بأنها “اسم مرّةٍ من نَكَبَ، وهي مصيبة توجع الإنسان بما يعزّ عليه.” وهي بذلك الأقرب، بتصوري إلى نقل معنى المفردة اللاتينية التي انتقلت إلى الإنجليزية الحديثة لتعني الجرح الذي يحدث لنفس الإنسان وتبقى آثاره معه. النكبة صدمة يعانيها المرء ويستعيدها مع كل حافزأو مؤثرٍ خارجي يذكره بها أو بظروف مشابهة لظروف حدوثها. هي تجربة متكاملة يتعايش معها جهاز الإنسان النفسي وليست الصدمة إلا جزئها الأولي. ونظرا لرسوخ مفردة “النكبة” في المعجم اللغوي العربي المعاصر وتعلقها بالنكبة التاريخية للشعب الفلسطيني، فإن استخدام المصطلح لترجمة trauma يرسخ المعنى التاريخي الثقافي المركزي لهذه النكبة في ثقافتنا وحياتنا السياسية المعاصرة ببعديه النفسي-الفردي والثقافي-الجمعي.
رواية ما بعد الجحيم
فضلا عن دعوته الكتّاب لإغناء موضوع النكبة النفسية وتمثّله في كتاباتهم، وجدت إن للكاتب رواية من روايات الحرب تتناول الموضوع من زاوية مهمة لم يُلتفت لها كفاية في أدب الحرب العراقي هي التجربة النفسية لمقاتل عراقي يعيش نكبة الحرب النفسية بكل آلامها وتفاصيلها. تمثل رواية ما بعد الجحيم إضافة مهمة لهذا الجانب من أدب الحرب العراقي الذي عادة ما يقرأ الحرب كتجربة خارجية أو يناقش أبعادها الاجتماعية، السياسية أو الثقافية وهي زوايا مهمة لكنها تهمل الجانب النفسي لتجربة الفرد المقاتل بسبب ما يعيشه من ظروف قاسية وما يشاهده ويتعرض له من أهوال، وحتى في النصوص التي تتناول جوانب نفسية في تجارب أشخاصها، فإنها نادرا ما تنبني كليا على ثيمة النكبة النفسية تحديدا كما تفعله هذه الرواية.
بالعودة إلى الماضي تحاول الرواية التعليق على حروب الحاضر وصراعاته، فالحروب تتناسل من بعضها و الأبناء يرثون حروب آبائهم كما ورث أحمد دور أبيه في الرواية وارتدى بزة عسكرية تشبه بزته ولقي مصيرا يشبه مصيره‎. يهدي الكاتب الرواية إلى “مقاتلي ملحمة أم قصر الخالدة” كما يسميها، في إشارة إلى المعركة الأولى، والمنسية عادة، في حرب 2003. يدل إهداء الرواية على دورها بالتعليق بلاغياً على حاضر العراق وحروبه المستمرة رغم تعلق متنها بحربٍ من زمنٍ ماض. رغم إن استقطاع جملة من سياقها قد لا يؤدي بالضرورة إلى دلالتها الاصلية، إلا إن المرء لا يستطيع تجاهل دلالة هذه الجملة التي يطلقها تعليقاً على رؤية كلب أسود ينهش جثة صديقه سلام، الجثة التي يمكن قرائتها كرمز للوطن الذي تناوشته كلاب الحاضر: “الكلب أقوى من الإنسان. الكلاب هي التي تتحكم بمصائرنا الآن” (53). إن معالجة الرواية لمعركة الماضي هي محاولة من الكاتب التعليق على الحرب الأخيرة التي كان مثل غيره من العراقيين ضحيةً لا طرفاً فيها، فكان منه العودة إلى تجربة أكثر وضوحاً وترسخا لديه بعد مرور عقدين من السنين على انقضائها. امتازت حرب ٢٠٠٣ التي تحاول الرواية استحضارها بصورة غير مباشرة بسرعتها الخاطفة مقارنة بالحرب مع إيران التي تجري الرواية في أجواءها. فحجم الرعب والتدمير والقوة المفرطة غير المتناظرة لأطرافها بشكل غير مسبوق لم يترك فرصة للطرف المهزوم فيها-العراقيين- لتذكر الحرب أو عيشها كتجربة حربية تقليدية يمكن التعلم منها وتمّثلها وجودياً أو فلسفياً.
في كتابه الشهير حرب الخليج لم تحدث يعلق المفكر الفرنسي جين بودريلارد على الطبيعة الساحقة لحرب الخليج لسنة ١٩٩١م، الحرب التي لم يكن فيها العراقيون إلا متفرجين على آلة حربية هائلة تحطم بلدهم وتقضي على كل شيء في طريقها. لم يشاهدوا عدواً يقاتلوه، ولم يتح لهم المشاركة الفعلية في تلك الحرب لأنها كانت قد حسمت قبل أن تبدأ. من الجانب الآخر فإن الحرب كانت افتراضيةً بالنسبة للجنود والضباط الأمريكيين الذين خاضوها من وراء شاشاتهم، راداراتهم، صواريخهم بعيدة المدى وخرائطهم العسكرية أكثر مماهي مواجهة بين جيشين. هذه الطبيعة الغامرة لحروب ما بعد الحداثة هي التي جعلته يقول إن الحرب لم تحدث، طبعا هذا لا يعني إن آثار الحرب الكارثية لم تحدث، خصوصاً بالنسبة لضحاياها المباشرين-العراقيين جميعاً تقريبا- ولكن ما أراد بودريلارد قوله هو إن الاستخدام غير المتكافيء للقوة المفرطة من الجانب الأمريكي وحلفاؤه حرم العراقيين من تجربة الحرب وجوديا أو خوضها بصورة متكافئة. بالإضافة إلى هذا، فإن بودريلارد يؤكد على إن الحرب لم تحدث للأمريكيين كشعب وسواهم ممن “شاهد” الحرب، فهي بالنسبة لهؤلاء واقعة افتراضية، حدث خبري قد يكون(أو لايكون) وقع فعلاً مثلها مثل سواها من الأخبار التي تحتمل التلفيق والتأطير، وهذا ما ساهم في تنقية الحرب، تعليبها دعائياً والتخفيف من آثارها على المشاهد الأمريكي والعالمي البعيد، المهم في كل هذا إنّ الحرب الأخيرة في 2003، لم تكن هي الأخرى حرباً بمعنى الكلمة لكثير من العراقيين، رغم إنها كانت أكثر واقعية من حرب 1991 التي كانت حملة جوية وصاروخية أكثر من كونها معركةً فعلية، لكنّ سرعة الحرب، ونتائجها المحسومة مسبقاً جعلت خوضها مسألة وقت، لذا، فإن معظم الروايات التي تناولة ثيمة الحرب في العراق اتجهت لتجربة سنوات الحرب العراقية الإيرانية الأكثرغنىً ووضوحاً.
في الحرب مع إيران التي امتدت لسنوات ثمان(1980-1988) والتي تتناولها الرواية، عاش مقاتلوا الطرفين حياة خنادق طويلة، تتخللها هجمات وأوقات هدوء تطول وتقصر بحسب الظرف العسكري. كان الموضع العسكري مكان السرد الأليف، ومصطلحات “الأرض الحرام، الهجوم، القصف، سر الليل، السلاح الأبيض” وغيرها من مفردات الحرب التقليدية هي السائدة. كان المقاتلون يعودون دورياً بإجازات لمنازلهم، ماجعل الحرب طقساً يومياً في حياة الملايين، انعكست على علاقاتهم الزوجية، أوضاعهم المعاشية، تربية أبنائهم وغيرها من نشاطات الحياة المختلفة. هذا التغلغل لحرب طويلة في الحياة العادية جعلها موضوعة مثلى لآلاف السرديات التي تناولت ومازالت تتناول تفاصيل مهملة وزوايا وجودية وحياتية مختلفة للحرب والحياة تحت ظلها. كل هذا لم يوجد في حرب ٢٠٠٣ الخاطفة، فكان أن عادت معظم روايات الحرب لما بعد 2003 إلى هذه التجربة المهمة لإشباعها سردا وكتابة إبداعية. و بالعودة للرواية، فإن الكاتب إذْ يعتذر من ضحايا حرب 2003 بتساؤله عند الإهداء فيما إذا كانت “التأملات تمارس خيانةً عظمى بحق الدم النازف” فهو يحاول الإسهام ثقافيا وسرديا في حفظ تضحياتهم وتضحيات زملائهم من ضحايا حروب العراق المتناسلة عبر تمثّل تجربة من تجاربهم فنياً.
تتناول الرواية نكبة الحرب بموقف آيديولوجي يمكن وصفه بالمحايد، عكس الكثير من الكتابات التي سبقت سقوط النظام البائد أو تلته، والتي انقسمت بدورها إلى فئة دعائية تمجّد النظام وآيديولوجيته السلطوية وأخرى معارضة تزدري وتناهض سياسات الحرب والقمع التي مارسها النظام لأكثر من ثلاثة عقود بحق العراقيين والشعوب المجاورة. ورغم أهمية ما قامت وتقوم به الفئة الأخيرة من تعرية للماضي السلطوي لدولة القمع البعثية، فأنها بالضرورة، وبلا قصد ربما، تدعم وتشرعنْ لإيديولوجيا نظام الأقطاعيات السياسية الطائفية الذي جاء به الاحتلال الأمريكي بعد ٢٠٠٣. نجحت رواية ما بعد الجحيم في تجنب‎ هذا الفخ الإيديولوجي بإمساكها العصا من الوسط، فهي رغم احتفائها بالوطن وقيم الوطنية والدفاع عن تاريخ وحضارات وأرض العراق، لم تمجّد النظام السابق ولم تجمّل مؤسساته القمعية. الأكثر من ذلك، فقد تضمنت الرواية إشارات “بسيطة” ولكنها واقعية إلى استشراء الفساد واضطهاد مؤسسات الحرب للأفراد ومن أمثلة هذا الاضطهاد لفردية الإنسان هو ما يكرره الضباط على جنودهم بأن عقل الجندي غير مستعمل وينبغي أن يظل كذلك (47) وكذلك الإشارة إلى تغلغل حزب السلطة في مؤسسة الجيش واستحواذها على كل شيء. في الحرب تصبح مهمة المؤسسات تكتيكية لإنفاذ أهداف الحرب الستراتيجية لاغير فمسؤولية الطبابة مثلاً هي “نقل الجرحى لإنقاذ حياتهم وتهيئتهم لمحرقة جديدة، أما الشهداء فهم من مسؤولية الله أو كلاب الميدان” (39). يتعامل شامل، بطل الرواية، ببراغماتية مع قمع السلطة واستحواذها على كل شيء على إنه واقع يتقبله ويتعايش معه. وهذا الموقف الحيادي من تغوّل المؤسسات وسحقها للفرد هو ما يرفضه صديقه سلام، الشاعر المقاتل و نموذج الفرد المتميز المعتز بقيم وطنيته وكرامته والرافض في الوقت ذاته لإلغاء فرديته. يرفض سلام الإنتماء القسري للحزب، وينجح بطريقة لا تخبرنا الرواية عنها شيئاً بإقناع آمره بترك الموضوع نهائياً.
اتسمت رواية ما بعد الجحيم من الناحية الفنية بالحريّة السردية التي تحرّك من خلالها الكاتب عبر فضاءات سردية توزّعت على مسار حكائي أساسي، تتخلله تداخلات نصية شبه مستقلة تنتمي لما يسمى بالنص داخل النص، أو السرد المتعدد الطبقات. يدور مسار الرواية الرئيسي حول حكاية بطلها شامل المقاتل في الحرب العراقية الإيرانية، وحياته الموزعة بين الموضع العسكري في الجبهة وبين زياراته الدورية لمنزله والتي يعكرها اضطرابه النفسي وتدهور حالته الذهنية بعد حادثة موت صديقه المقرب ومثله الأعلى سلام ومشاهدته لجثته الممزقة وهي تُلتهم من قبل كلبٍ أسود(53). شكّل هذا الحدث النكبة الأساسية في الرواية، واستمرت آثاره وتفاعلاته على شخصية شامل الذي عانى لما تبقى من الرواية مما يسمى إثم النجاة survival guilt وهو شعور يعرّفه الدكتور حسين سرمك حسن في مقال له عن القاصة العراقية إرادة الجبوري بأنه “جحيم حقيقي يكتوي به من يخرج ناجياً من كارثة رهيبة تمحق حيوات من يرتبط بهم ويعيش معهم. يبدأ الفرد بالتساؤل : لماذا ماتوا وبقيت حيّا؟” يفكر شامل بالانتحار بعد أن تفقد حياته معناها (78) ويهجر منزله وعائلته ليقضي إجازاته في منزل صديقٍ سكير في البصرة (132).
التداخلات النصية التي تخللت متن القصة الرئيسية هي فضاءات سردية مكثفة المعنى أتاحت للكاتب الخروج على متن الحكاية عبر استخدام رمزي كما في قصة الطائرالعجيب الذي يبقى في “الأرض الحرام” ملازما لعشّه رغم شدة القصف، أو إقحام فكرة فلسفية ما كما في المقالة النقدية المتداخلة في نص الرواية. توزعت هذه النصوص على “قصة قصيرة” بقلم بطل الرواية (59) و أخرى بقلم ولده أحمد (145) وكلا القصتين يسهم سلام في نشرهما كما نقرأ، وهما تعليق غير مباشر على مسار الرواية الرئيسي- قصة البطل ونكبته. بالإضافة إلى القصتين، فإننا نقرأ في صفحة (65) مقالاً نقدياً بعنوان “سوريالية عراقية” لسلام، الذي يعرّفه النص بأنه “شاعر عراقي احتياط ” بمزج مخاتل بين دلالة شخصيته الثقافية، إعتداده بحريته وكرامته من جهة وبين دوره التعبوي شاعراً في ماكنة الحرب العسكرية. و المقالة هي الفرصة الوحيدة التي نسمع فيها صوته السردي بصورة مباشرة، وإنْ تكن بما لا يتعلق بمسار الأحداث ودوره فيها، الأمر الذي ترك مسحة الغموض على شخصيته التي لم تكتمل ملامحها حتى نهاية الرواية. تحاول المقالة فلسفة الحرب، والتنظير لمعنى “الواقع” الذي تخلقه مآسي الحرب وأهوالها، فالحرب تحطّمُ “استجابات نفسية مؤسسة” وتقيم “ردود أفعال وإدراكات ل(حقائق) متوحشة يصعب الإمساك بها من قبل مجسّات العقل.” في الحرب تطرح هلوسة المنكوبين “الواقع النفسي الذي هو أكثر واقعية من الواقع نفسه” (66). من مزايا الرواية من الناحية الفنية، إلى جانب تلك التداخلات النصية هو السماح بالتحرك السردي بين صوتي البطل شامل وزوجته صدّيقة. أضاف هذا التنقل بين الأصوات مسحة من التنوع الضروري سمحت بكشف شخصيتيهما من منظورين مختلفين إلى حد ما. أتاح تعدد الأصوات السردية في النصف الثاني من الكتاب رؤية محنة شامل من زاوية مختلفة وعبّر عن احتفاء الكاتب البلاغي بصدّيقة كزوجة وأم، وبالمرأة ودورها في تحمل نكبات الحروب وآثارها عبر كشف معاناة صدّيقة مع المرض الذي تخفيه عن زوجها، وبرغم هذا الاحتفاء البلاغي بالمرأة التي تقارن تقليدياً بالوطن والأرض، إلا إن محنة صدّيقة بقيت تابعة لمحنة البطل ونكبته الأكثر أهمية، لم تتغير شخصيتها أو تنضج كفاية لتقترب أكثر من الواقع أو تعبر عن محنتها بمعزل عن محنة زوجها وابنها.
بالعودة إلى معالجة الرواية لموضوعة النكبة فيمكن اعتبار النكبة الفردية التي تتمثلها الرواية نموذجا لنكبة الوطن الجماعية كما تصرّح الرواية في أكثر من موضع بتداخل الهمّين الوطني والشخصي لدى شخوصها. يمثّل الأفراد في نص الرواية، مثلها مثل العديد من نصوص المحنة العراقية عيّنات لشعبهم. هذا التمثل المتكرر للإلكوريا الوطنية national allegory هو النسق السائد في أدب “العالم الثالث” كما يزعم الناقد الأمريكي المعروف فردريك جيمسُن. وهو ما يجعل من حكايات الأفراد مجازات وكنايات عن حكايات الأوطان وما تمر به أو تصبو إليه. ويفضي هذا التداخل إلى إلغاء فردية الأشخاص وتهميش همومهم وتطلعاتهم الفردية لصالح قصص الوطن ومشاريعه الكبرى.
من أعراض معاناة شامل للنكبة النفسية trauma هو شعوره ب”إثم البقاء” و “رفض الواقع.” يفكّر كثيرا بموت صديقه سلام وما شاهده من افتضاض جسده من قبل كلب يسحل مصرانه. يستحضر مشهد النكبة هذا أثناء تقطيع القصاب لخروف اشتراه لإيفاء نذر زوجته بمناسبة عودته سالما من الجبهة. تثير ورؤية كلبٍ يلتهم مصران الخروف مشاعره المكبوته فينفجر ويطرد القصاب وسط دهشة الجميع وحيرتهم(95). يفشل شامل في تناسي النكبة وسببها، وعكس ما تفترضه نظرية كاروث فإن ذكرى ما حصل تتجسّد لشامل في كل شيء حوله، يهرب إلى الخمر(29) الذي لا يساعده في تناسي نكبته ولا يؤدي إلا إلى المزيد من العزلة والاضطراب. ينهي شامل إجازة من إجازاته بزيارته لطبيب نفسي يشخّص حالته بأنها “اضطرابٌ نفسي معروف يحصل في كل الحروب ويصطلح عليه الآن ب’عقبى الشدائد الفاجعة‘ “(100). يخبره الطبيب أنّ أولى خطوات العلاج هو الإبتعاد عن سبب الاضطراب الأول-الحرب، يعلم الإثنان استحالة الحل نظرا لظروف الحرب، لكنه يخرج من العيادة سعيداً وكأن كل مشاكله تم حلها بمجرد الحديث عنها. ربما لكون الكاتب طبيبا نفسيا دور في هذه النقطة بالتحديد، فهو ككاتب وكطبيب نفسي يعي، ويؤكد، على أن دوره في الحالتين هو الكلام أولا وأخيرا، وإن الحل في حالات النكبة النفسية يبدأ بالكلام ولا ينتهي إلا بتقبّل المرء لنكبته والتعايش معها أملاً بالخلاص منها بطريقة ما.
يرفض شامل تقبّل فكرة موت سلام، وبهذا الرفض المقاوم لمنطق الحرب الذي يفرض موت السلام كنقيض لها، يقاوم قدريّة الحرب وحتميتها. يرفض الآخرون موقفه ويرون فيه اضطراباً، لكنه بطريقة وأخرى يصرّ على تجميع الأدلة (أو تلفيقها لنفسه) لرفض فكرة موت صديقه المحب للحياة، والذي يستعيده السرد بطريقة غرائبية مرةً بشخص صديق ابنه أحمد في وحدته العسكرية والذي يتطابق بكل شيء: الإسم، المواصفات، الفكر والموقف الأخلاقي والفلسفي من الحياة والحرب، وحتى في اهتماماته الأدبية وتشجيعه لأحمد ليكتب قصصا مثل أبيه. كما يتبدّى شبح سلام في شخص آخر ادّعى شامل كاذباً أنّه سمع صوته واسمه بين أسماء الأسرى الذين تذاع أسمائهم من قبل أذاعات إيرانية ليتعرف عليهم أهلهم وذويهم، ليفاجأ بأن محدّثه يصادق على كذبته تلك ويؤكد له إنه استمع لذات الشخص-سلام- وإنه ترائى له احتمال كونه صديقهما، لكنّه، عكس شامل، أبعدَ الفكرة تماماً لسرياليتها المفرطة ولا منطقيتها بعد أن كان قد سلّم جثة سلام بيده إلى ذويه. هذا الموقف المضطرب من الواقع، و رفض الخسارة عبر تخيّل واقع بديل لم تكذبه الرواية التي تقدم لنا هذا البديل عبر أصوات سردية أخرى، كل هذا يوحي بسريالية الواقع نفسه تحت ظروف الحرب، لا في رأس شامل وأوهامه التي تسببها نكبته النفسية فحسب.
يعيش شامل بطل الرواية الحرب العراقية-الإيرانية كواقعٍ خارجي، كهمٍّ عام، وتحدٍ لوجود الفرد والجماعة الوطنية المتخيلة في آن واحد. تلتهم غولة الحرب-كما يسميها الكاتب في أكثر من موضع- الوطن، تسحق شخصية البطل وتهزمه مراراً، مرة بنكبته بصديقه الأقرب، مرة بما تفعله به وبعلاقته الأسرية وخصوصاً إبنه الذي يكبر ليكون تجسيدا آخرَ لأبيه وضحيةً أخرى للحرب. هذا السحق الذي تتعرض له أنا البطل الصغرى من واقعه الخاص والحميمي يتم تعويضه عبر تخيّل نجاة الأنا الكبرى- الوطن أو الجماعة- وانتصاره. تفقد الحياة الفردية معناها فهو وغيره من الجنود يعيشون”من أجل هذا التراب” (79). في الحرب، كما تقدمها الرواية، يتحطم المجال الخاص ويصبح لا معنى للحديث عن الخاص والحميمي بعيداً عن العام والبنيوي-الحرب. تدخل غولة الحرب في كل شيء، لا تكتفي بتخريب الشوارع والمدن وثكل الأمهات، بل تدخل سرير البطل الذي يفشل في تحقيق انتصاب جنسي يؤدي به وظيفته الزوجية ودوره الذكوري (84). تسحق نكبة الحرب شامل وتحطّمه، فينكفئ على نفسه، يتعسف في التعامل مع ابنه ثم يهجر بيته. تنتهي الرواية بتفكك العائلة-الرمز المتكرر للشعب المنكوب بحروبه التي تتناسل. يأخذ موضع القتال مكانة البيت، يشعر فيه البطل بمعنى وانتماءا أكثر من انتمائه لبيتٍ لا يستطيع أداء دوره فيه ولا يعرف لنفسه دورا سوى إثارة المشاكل وتعكير مزاج الجميع بحاله المضطربة وتصرفاته العنيفة. تتردّى صحة صدّيقة، الزوجة والأم- الرمز، والتي تخفي بإيثار ملائكي إصابتها بسرطان الرحم (كناية عن العقم الذي تخلّفه الحرب) لكي لا تضيف لنكبات زوجها وهمومه همّاً. لا يتبقى من أمل للعائلة-وللوطن من خلفها سوى سناء، الطفلة الصغيرة التي تظن أن سرّ معاناة أبيها وجعٌ في الرأس.
النهاية السريالية للرواية غير مطبوخة جيداً برأيي، يستعجل الراوي إنهاء قصته في صفحاتها الأخيرة التي تتحرك بها الأحداث سريعا. يقرر شامل العودة إلى رشده واستعادة عائلته، وهو ما فعله لأكثر من مرة وانتهى إلى ذات النتيجة، بعودة أثر النكبة بعد حدوث مؤثرٍ ما يذكره بسببها. يقرر السفر لوحدة ولده العسكرية للعودة به ومفاجئة الزوجة-الأم المنتظرة، فيما يفعل ولده نفس الشيء بالاتجاه المعاكس، يموت البطل وابنه أحمد بذات القذيفة التي جمعت ضحيتين في جبهتين في شمال الوطن(بنجوين) وجنوبه(مجنون) بسريالية لم تحفل الرواية بتوضيحها، أو حتى بتعقيدها كفاية لخلق الأثر المطلوب منها.
يحسب على الكاتب تفضيل ثيمة الرواية الرئيسية-تجربة النكبة النفسية وآثارها على نموّ وتطوّر شخصيات الرواية العضوي، والذي ربما لم تسمح به مساحة الرواية القصيرة وتسارع أحداثها. فما عدا شامل الذي تتغير شخصيته لتنمو، تستقر وتضطرب بحسب المؤثرات التي تذكّره بحادثة النكبة الرئيسية التي تدور حولها الرواية- فإنّ معظم شخصيات الرواية الأخرى أحاّدية الأبعاد مكرورة، وغير معقّدة. سلام مثلاً، هو أكثر منه رمزاً (دلالة اسمه كنقيض لحالة الحرب) ومثلاً أعلى من كونه شخصية حقيقية تحبّ وتكره، تضطرب وتضعف مثله مثل غيره. كذلك الحال مع صِدّيقة التي ظلت محتفظة بالصورة المثالية للمرأة العراقية النموذجية، لم نشاهدها تغضب، تضعف أو تثور مثلاً. بدلاً من ذلك، إهتمّ الكاتب بفكرته المركزية، نكبة الحرب وأثرها على شامل ومن خلاله على جميع الأشخاص الذين تأثروا بمعاناته، ودلالة كل ذلك على نكبة الجماعة التي يمثلها.‎ كما يحسب على الرواية غياب الآخر تماماً من مشهد الحرب، فلا أثرَ للإيرانيين ولا ذكرَ لهم وكأنّ الحربَ تحدث ضد مجهول أو كأنّ الآخرَ هي غولة الحرب نفسها، وهذا تجريدٌ تقع فيه معظم سرديات الحرب التي تتخذ من الحرب موضوعا فتفلسفها وتحاكيها بالمجازات والأسئلة الفلسفية الكبرى ناسية تفكيكها كظاهرة إنسانية تحدث بين أشخاص agents لهم اختياراتهم ومواقفهم التي يتحملون مسؤوليتها. بقدر ما يعطي هذا التجريد مساحة شعرية وبلاغية للحديث عن الحرب فإنه ينزع عنها بعدها السياسي الواقعي والمسئوليات الأخلاقية لمن يقوم بما يقوم به فيها. لا نسمع صوت الآخر في رواية الحرب هذه ولا نعلم عن نكباته شيئاً، وهذه من مثالب أدب الحرب عموماً وبالأخص ذلك الأدب الذي يعلي من تجارب المقاتلين على حساب سواهم من ضحايا الحروب ونكباتها. وبرغم كل ذلك، تبقى ما بعد الجحيم إضافة مهمة في سرديات الحرب العراقية وتمثلات نكباتها النفسية، وتبقى نكبات العراق وحروبه بحاجة للمزيد من أمثالها.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"