الشاعر عيسى حسن الياسري يعيد إنتاج شريط الذكريات مع قرية المحسنة
إستبرق العزاوي (ملف/116)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

الشاعر عيسى حسن الياسري يعيد إنتاج شريط الذكريات مع قرية المحسنة
إستبرق العزاوي
عن دار فضاءات وبالتعاون مع الصالون الأدبي في مونتريال – كندا صدرت الطبعة الثانية لرواية ( أيام قرية المحسنة ) للشاعر العراقي المقيم في كندا عيسى حسن الياسري ، من الواضح أن خطاب الرواية السردي أماط اللثام عن أحداث تبدو واقعية بنماذج شخوصها الإنسانية وبأمكنتها التي ُرسمت ملامحها ببراعة ضمن أنساق السرد الامر الذي يجعل القارئ يعيش ضمن تفاصيل المكان

وتميز هذا النص ببنية متينة ورصينة تمظهرت على طبيعة بناء المشاهد التي أدخلنا فيها الروائي والتي تميز فيها الخطاب بحالة من الثراء اللغوي ولاشك أن خلفية الروائي الشعرية أثرت بشكل وبآخر على أنساق الحوار ومضامينه المكتنزة بالمعاني العميقة من خلال أسلوب هادئ ، وما يثير الانتباه في تلك الرواية التي يمكن وصفها بأنها تؤرخ لمقطع زمني معين من تأريخ تلك القرية الهادئة الغافية على أحد روافد دجلة الخير أن أحد اسباب تميزها هو تركيزها على ادق تفاصيل مشهد القرية وتفاعلاته مع شخوصها ، وقد حاول الكاتب إغراق الجو النفسي العام بمزيد من التفاصيل الصغيرة والتي تكشف جانبا ً كبيرا ً من ثقافة القرية والقرى المجاورة أو القريبة لقرية المحسنة من هنا تمكنت تلك التفاصيل من إضفاء دور حيوي على الهيكل المعماري للرواية . والرواية بما تمتلكه من عناصر تميز فإنها قادرة على أخذ مكانتها في عالم السرد الروائي ، فعلى الرغم من جرعة الواقعية العالية التي غلفت أجواء السرد إلا أنها لم تؤثر على جماليات السرد وتراتبية أنساقه ونسيج صوره التي تبدو من خلال الوصف السردي وكأنها لوحة تشكيلية تشي بالكثير من العلامات والدلالات الفلسفية ضمن سياق بصري يعج بالمشاهد الحميمية التي تعكس قيما ً لحقبة زمنية معينة ، فالتفصيلات الوصفية الواردة ضمن سياق السرد يحيلنا إلى عوالم الريف وأجوائه العابقة بشذى أزهاره وربوعه الغناء بالخضرة والمياه ، والفطرة البشرية ، عوالم تجعل القارئ يستنشق عبق تلك الأيام التي قد يترحم عليها المرء وهو يشهد اليوم واقعا ً بالغ الوحشية بكل ما تمثله تلك المفردة لا سيما فيما يتعلق بالقيم التي باتت تحكم عالم اليوم الذي نعيشه الآن بكل مراراته ، فالصورة التي رسمها لنا الياسري عبر نصه تدفع بإتجاه إستحضار المكان الذي يعد أحد أبطال تلك الرواية بوصفه بؤرة مركزية في بنية النص ، ومن الواضح أيضا ً أن الكاتب في هذا النص عمد إلى إنتقاء شخصيات الرواية بعناية لتمثل كل شخصية حالة وقيمة معينة بذاتها تتشابك خطوطها وتتصارع ضمن قالب درامي ليخلص إلى انتصار قيمة معينة على أخرى ، وربما يكون الكاتب قد إستقى هذا النص من تجربة حياتية عاشها في قريته في بواكير حياته الأولى ومازالت ذاكرته تحتفظ بشريط الذكريات التي جسدها عبر نص روائي جلي الملامح فيه من المعايير الفنية ما يجعله مادة خصبة للتحليل والنقد لا سيما مع إكتنازه لمفردات إنسانية مرهفة عكست شيئا ً من تاريخ قريته عن طريق نبشٍ لأحداثٍ موغلة وتفاصل مسهبة ولكن من خلال بناء فكري وفني إتسقت عناصره لتعمق المسار الإنساني عبر فعل الشخوص الذين عاشوا حياة صعبة في قريتهم وخارجها ، ومن الملاحظ في مفاصل الرواية التي تقترب من كونها مذكرات شخصية طوعها الكاتب لمفردات الإبداع الأدبي ، أنها أظهرت قدرة الكاتب على خوض غمار تجربة أدبية جديدة إلى جانب التجربة الشعرية في مغامرة فنية إعتمدت على ثراء تجربة حياتية واسعة إشتبكت مع واقع زاخر بمحفزات ومثيرات مدت الكاتب بمفردات غنية مستخدما ً طاقته الإبداعية على إقتناص اللحظة الزمنية وإعادة إنتاجها وفق نسق فني طموح على إيقاع نغمات شاعرية تتسق مع هدوء وشاعرية أجواء القرية ، وفق هذا النهج الفني أراد الكاتب أن يُبقي جسور الجدل الدائم لغرض إعادة قراءة صفحات الماضي بعيون الحاضر وإستقراء نبؤات المستقبل ، أيام قرية المحسنة إضافية أدبية جديدة لأرشيفِ شاعرٍ عرف بشغفه لكل ما يمت بصله لمكانه الأول قريته التي شهدت بزوغ أولى تجاربه الشعرية ليكشف النقاب عن مَلكة روائية تملك من الأدوات الفنية القادرة على إنتاج نص إبداعي فيه من الجودة والأداء والتقنية ، ما يضاهي إنتاجه الشعري المميز .

*عن “صدى الوطن”

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *