تابعنا على فيسبوك وتويتر

شذرة من رواية (موسم عشق ارض السواد)
الفصل الرابع عشر 

إشبيليا الجبوري
عن الإيطالية أكد الجبوري
……
……..
قطع ابو يعقوب الكلام على نفسه، واخذ جميع ما معه، محاول ارجاعها لباطنه؛ التي هاجر في سبيل علمها ومعرفتها، يحتفظ بها في مخلاة معها؛ التي عرفته علمها، وقد اخذ منها كل شيء. تجرد من معرفتها وعملها، وبقي خاليا من علمها. الخلوة أعتراف بتحسس الحيرة. والمشقة من عجز التوصل إلى حكمة طبيعة الوجود وعوارضه، بل أن الجهل في المشكلة إلى مصادر أسفار بحث الحكمة في الخلق والحق. بقى خاليا من تعدد مؤثرات المعاني، منسلخا من أقوال ومعالم معارف الحكماء في الانوار والآثار. معترفا بقسوة الحيرة، و تحدي مشقة المحاولة؛ معرفة الكمال الحقيقي والجمال المطلق، والسعادة الحقيقية والابدية والممات الكلي.

تجرد من وجود ذاته العارفة، التي حددت معارفه بالشواهد على تدريب قدرته من فك ظلمات الخواطر، متغلبا على سئم أوهام الوصايا، لجعل مفاتيح هذه الاسرار مفاتن تصنيف حكمة الاحرار، متجاوزا جهالة ذاته، خاليا من العطش. آه! ( نفذت حسرة طفيفة من صدره) وهو يسأل نفسه: كيف ارشد بها امري، وانا تجردت من ذاتي، وهي هكذا وردت؟! بعد بيان عزمه على تصنيفه، يساعد بنطاق ضيق على التمييز من حد نفسه وحد جسد، وافى صمته، واقبل على التخلي من الاتصال بواجب ذاته، حتى اصبح خاليا عن كل ما حفظته، وما علقته او ما صيرته، بحيث لو قطع عليه الصمت لم يتجرد من اشتغاله على التخلص من سورعملها وتكثيف علمها، دون رغاء.

كان أبو يعقوب قد كف عن الكلام وطواه، ونحاه عنه، بما أوحي طي السجلات للكتب، قد كف عن أن يكون هو ابو يعقوب ولم يف به، فما عاد له صوت ولا همس ولا له زمن ولا مكان. ما يجعل له إلا ينغمروا بالمكابدة، و تحسس مسكون حقيق الألم، وفيها حياة له.

ترك ابو يعقوب جسده يشوى في سعير شمس الصيف الحارقة، شدة حرارتها تشعله لهيبا بلا دخان، ويمضي لهبان في نسيان كل شيء، منصرف يحتدم أنفاسه بما يروع ويردع ويجعله عبرة ودرسا لذاته وإلى الأبد، وخالطه خفق قلبه ضرب من اللجم، تلقى ما لا ينبعث فيه، امان وبراءة، وترك تلمسات يديه الواهنتين المتنملتين كل محفوظ معروف، كليلة، مثقلة بلا حراك ولا جهد تبذل، عظام كتفيه البارزة تنكله، أنزلته يتراخى ثقلهما عليه، كالقصب المجوف كلما تحركت وجيزا نفذت توخزه، لكنه في الحقيقة ينعم ويلتاع حياة المكابدة، بؤس الألم المدقع، بؤس مشقة الاختبار الذي لا يخلو من العطش، تفوح منه رائحة خبز تنور يحترق، وافد النمل لزوجة فتحات شقت من ثقوب اصابع قدميه، تمدد والنمل كان به لزقا، لم ينق، عري به دبق رطب، شديد السيل كالخطمي قد تزلج أحمره بأبيضه، وافرا، يتبعه دم بارد، معفر أغبرة، رمته هبوب رياح رملية عليها فما عاد يدهشه شيء، رياح رملية قاسية ليس فيها حتى ورقة شجر يابسة يحملها الالتماس. لا، فقد كانت رياح شديدة تشقق جسده برمالها الناعمة كطعنة غير نافذة من جفاف الصحراء. رمال امتزجت الوخز في جسده النازف بأسنان كل انواع الديدان كوخزات الابر، تنتف بجلده ولحمه، كوعد الزحف الذي يصيب أحتفاء أغشية الفائزين، تفتق جسده وهو في استسلام من رؤيته، بل يسمع صوتها يأز، أن زادت الديدان والحشرات إذا قصدته نبشا، لم يمسها عليه حتى تمكثه لاسعة، فإذا قرصته، عليه يقعد قعدة المستريح إياها، يعده وفاء بغير استأذان او واسطة، حتى يغمى عليه ويتصبب عرقا، فإذا فاق قال” “هذا من فضل ربي”. لا، ليس لأبو يعقوب إلا التحدي، لا يقتبس حركة عمل من جسده ولا يمس شيء فيه، بل ظل صامدا لمشقته، كفاه وحمل عنه أطول مما يليه وهن فوارعه، لم يحاول يثني ركبتيه او جمعها للجلوس إلى أن لامسه فائق الألم على سائر جسده، كاد أن يكون على مقربة من الموت، لكنه حي، بات يفقد جلده حين تمسه الريح، فالصبر يمنحه على الفور ما يتمناه، لان يبقى بعيدا من متعة الحياة وعلى مقربة من هدفه. كانت الجروح هذه، تمنحه دفيء محسوس بالقرب من المعرفة بالاشياء، كانت السعادة مختبئة خلفها لكي لا يلمس الوصايا من جديد. وعلى هذا النحو كان بعيد عن ما يلتاعه من الألم والعطش، فما عاد ما يذهله رهط من الوجع المسعور، رمى بجسده الهزيل بعيدا عنه يتوخز. كم ارغم نفسه الالم ان يصرخ، فما كان، ينصرف ثقل الاوجاع والالم إلا في فروع رضاه يتنمل، غير مكترث بما يراه لكنه يحسه، بقي صامتا مواجها عاصفة الرمل بوجهه كجمر يتشعب نثره، يسيل فروع الجروح وكانها تبحث عن شأن ونفوذ بأعماقه، مضرجا وقف يصيبه برد الشتاء في العراء، وابتداء الامطار تغطى به، ما علا على شعره وانخفض يتصبب به الماء كلباس فوق سائر جسده الرجفان، ينهمر من دثار البرد ونحوه على كتفيه الراعشتين من البرد، زلزلت ما يستقر لخوف عرضة له تردد صوت أسنانه المصكة، ورجاف علو بطنه وهي تتحرك وتضطرب اضطرابا شديد، وانقباضات رجفية في الرسح و قل لحم الفخذين الهزيلين ولصوقهما، ترتعد مع حركة الريح وصوت الرعد؛ صوت نبض القلب وارتعاش رسيس الحمى، لذلك، الحائر المطيع لم يعصي من غفر له وصفح عنه، والمتحرر من التوبة لا يرتعش خفة، ولا يفزع الرجوع من الذنب حتى يستويه الكمال بالشجاعة من الندم، ويعزم الصمت بالكرامة، وترك الخفة من الرجف بردا أو خوفا، ويثقل من الوزر بقوله تعالى: ((أن الله يحب التوابين)). [ التوبة:222 ] حتى تغلبه الطمأنينة والرضا.

المترجمة د. أكد الجبوري

وقد أثر كل ذلك على طبيعة ابو يعقوب، ظل ساكتا ولم ينطق بكلمة او يأن، مكب وجهه على الارض، رابضا على صدره، لزم الشوك مغروسا مكان جسده، لصق به فلم يبرحه، ضغط وجع رأسه على الرمل، وأضمر الالم سويته عليه، مؤثرا من وجع الجروح واليدين لكي يلمسها مجددا، مظهرا لمس الالام الملتهبة لكي ينزف الدم حين يستبدل وضعية جلسة باخرى، كي يتلقى من العذاب ضروب مضاعفة من الالم، يتلقى تفتق الجروح لكي تتسع مساحة المكابدة بأبطأ من البطء، يستجلب معه ما يتوجع به من وخزات حبات الرمال عن عينيه اشد استعارات عذابات مجددة. أبو يعقوب حمل عن نفسه التوقف والانتظار صامتا، أقام بنفسه ساكنا، يقتفي آثار الجروح بهدؤ، تتبعه لم يكن يشعره أن ثمة ألم يصاحبه أثرها، وأن نظراته خص نفسه بها يتراوح، حتى يقتدي ويتعلم كيف ومتى يكف سيل الدم إذا اشتد الالم حتى يتجاوز الحد، حين يسكنه تسارع الفيض، إلى ان خط كثيرا ذوب وجوده، اطمأن إليه وأقام فيه، ما حوله من حالة الالم في السيل لبسته مدة طويلة من الزمن بات يعاني خلالها الهزل والضعف والقلق إلى أن تزول في التنميل، فيتعجب لامره، وظهرت على وجهه علامات غريبة، تصديق أفكاره وشعوره فيجيب لنفسه: “أنا أطهر قليلا عما كنت!” انتابه شعور عظيم جدا بأن له قوة تحمل عجيبة، وقد جرب تحمل الالالم والمصائب مرارا. فهو يقاص المتع فورا وكم من متع يقصدها ليقسم اليمين البراءة في حضرته، لأدانتها ويبين الحق الصريح عنها، و يتخلى عن هياجه مبتل العروق حتى يغيب.

أكد ـ أوكسفورد
1.02.19


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"