الرئيسية » نقد » ادب » مهدي شاكر العبيدي : شيخ المفلوكين

مهدي شاكر العبيدي : شيخ المفلوكين

شيخ المفلوكين

مهدي شاكر العبيدي

اوستن-تكساس

     من أنفس ذخائر التراث العربي كتاب عنوانه (الفلاكة والمفلوكون) ألفه واحد من مجتهدة القلم والفكر هو أحمد بن علي الدلجي الذي عاش في دلجة بصعيد مصر بين 770- 838هـ كتبه بعد أنْ استلفت نظره ما يراه كلَّ آن ٍغالبا ًعلى سلائق الناس من شذوذ ونزق وحمق وغرابة أطوار ، ومن شعور بالاغتراب وإحساس بالذل والمهانة ، وتطلع من كـلِّ هذه الأحوال الشائنة المزرية وبالرَّغم منها إلى المخلص المنجي عسى أنْ يشملهم بالرَّحمة والحنان ، ويغمر نفوسهم بالصفو وراحة البال ، ويؤهلهم لتسوية مشكلاتهم في هذا العالم المضطرب والائتلاف مع بقية الجنس البشري ووضع حدٍ ونهاية لصدامهم معه ، وذاك معناه أنْ تنتفي منه المفارقات والنقائض التي تسود حياتهم ، فيقلعوا عن القراع والنزال ، لكن هيهات فهذا المطلب عسير التحقق أو في حكم المحال ، وقد بُنيت على كدر وجُلبت على نحس.

     وقد تعود أسباب الفلاكة وعواملها إلى الفقر الذي شخصَّه من قبل مئات السنين عبد الله بن المقفع انـَّه رأس البلاء وأصل جميع الرذائل وجالب الشؤم والموفي بصاحبه على الهوان والضعة والزراية به بين الخلائق دون أنْ يتجاوز في تشخيصه هذا الوصف أكثر كأنْ يستجلي ما يتشعب عنه من أوضاع منفرة وحالاتٍ غريبة تتجلى في تمادي ذويها في إهمال مظهرهم وعدم عنايتهم بمأكلهم وملبسهم ، حيث الفلاكة في أقبح صورها وأدنى درجاتها من عدم الاكتراث والبرم بلوم اللائمين وإشفاق المشفقين.

     وقد لوحظ أن الجمهرة من الناس الذين تشيع بينهم هذه الظاهرة العجيبة هم العلماء والمفكرون والأدباء لفرط ما يخامرهم من الأشواق الروحية ودون بلوغها والوصول إليها ثمَّة أهوال وأهوال ، فضلا ً عن توقهم وطماحتهم إلى الكمال ، ونزوعهم إلى أنْ يستتم كل شيء بلا نقصان أو معرَّة ، فإذا آلَ الأمر على غير ما يوافق مشربهم وهواهم ، انتهت بهم الحال إلى التضجر وموالاة شكاتهم وبالتالي يأسهم من صلاح حال العباد.

     ولعلَّ فـي سيرة الدكتور زكي مبارك وامتحانه بأخلاق أبناء الزَّمان ، خير مثال ودليل على حالة الفلاكة المقرفة ، فقد شعر انـَّه غير موقر ومبجل كما ينبغي وانـَّه مهمل من لدن رؤسائه والمتصدرين في الجامعة وراح يطلق لسانه بالذم والتخرُّص لتقريعهم وتبكيتهم كي ينتصف لنفسه ، مـذكرا ًإياهم بتصنيفه أروع المؤلفات والدِّراسات في الأدب العربي والفكر الإسلامي خصوصا ًرسالتيه الأكاديميتين في النثر الفني والتصوف الإسلامي ومباهيا ًفي الوقت نفـسه بصبره على الجوع والضنى واستغراقه في الدَّرس والتمحيص والمقارنة ليصار به إلى هذه التوصلات العلمية الباهرة،لكن دون أنْ يتبوأ مكانته كما يجب وخلص إليها غيره من المشتغلين باللغات القديمة التي عفا عليها الزَّمان ، وما يزعمونه من ترجمتهم لبعض لقياتها وآثارها هو منقول بنصِّه وفصِّه عن اللغات الأوربية المحدثة ، وقد طال تحديه وشنآنه أستاذه طه حسين الذي يذكره بالخير دائما ً واصفا ًخـلافـه معه إنـَّه متصل بقضايا أدبية صرف وليس شخصيا ًسوى أنـَّه تسبب في إبعاده عن الجامعة ذات يوم لأنـَّه لم يحافظ على حرمةِ الأستاذ الجامعي ويحرص على سمته ومهابته ، بحيث تقبل هدايا تلميذه في كلية الحقوق فؤاد سراج الدين وكان ابن ذوات،هذه الهدايا المتمثلة بالعطور وغيرها ساعدت على إنجاحه في الامتحانات ، بذريعة انَّ مادة الأدب العربي دخيلة على دارس الحقوق وغيـر محوجة إلى الاجتهاد والتعمق. 

     وفؤاد سراج الدين هذا هو مؤسس حزب الوفد الجديد،ووزير الداخلية في آخر تشكيلة وزارية لحزب الوفد بزعامة النحاس ، يوم ذاع نبأ موت زكي مبارك في عرض الطريق ، فقد دعسته سيارة أو ارتطمت به إثر مغادرته الحانة التي يحتسي خمرته فيها ، ويؤثر أنْ يتناولها واقفا ًيشكو لعموم الناس ما يقاسي من إعراض وإهمال ، ومن كمد والتياع وحسرة ، وهذه هي الفلاكة بعينها. 

 

2 تعليقان

  1. باسم الياسري

    موضوع جميل
    شكرا استاذ مهدي شاكر العبيدي وشكرا للاستاذ الدكتور سرمك
    وسينشر في مجلتنا (ضفاف) مع الشكر

  2. شكرا جزيلا أخي الأديب الدكتر باسم الياسري على الاهتمام والنشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *