زينب ساطع : ميكانيزمات العقل

((( ميكانيزمات العقل ))))
____

مُحير أمر القراءة فبالرغم من انها تتيح لك خيارات متعددة وتمنحك مناحٍ مختلفة للاطلاع والتحليل ومعرفة الآخرين .. تفكيرهم ورؤاهم .. لكن تبقى النفس أحيانا مشدودة لاسمٍ ما .. قرأتَ له كتاب ما وأعجبك ومنه أُصبت بداء الفضول لتقرأ كل جديد له .. فكان الكتاب ( ايسوبوس .. الحكيم المظلوم / قصة حياته وحكاياته الخرافية ) لمؤلفه الطبيب الأديب رعد صادق الحلي .

منذ فترة وأبي يلح علي بضرورة الاطلاع على الفلسفة ومعرفة تاريخ الشعوب واحضر لي بنفسه كتاب قصة الحضارة لول ديورانت واعطاني تاريخ البشرية لارلوند تويني .. إلا اني وجدت الكتابين صعبين للغاية ويحتاج لهما وقتا طويلا لذا فكرت بكتب الفلسفة المعقولة وهنا كان تصميمي على قراءة كتاب (ايسوبوس) في محله .. الكتاب أقل ما يمكن أن يقال عنه انه واضح وجميل ويعطي فكرته من البداية ثم يكررها عليك بالنهاية لتستلهم الفكرة التي قام من أجلها .. فالمؤلف أراد أن يحيي اسما كان قد سبق الفلاسفة وقضى حياته من أجل الحق ونصرة المظلوم .. فلو قام أي شخص بسؤالنا حول من هم أكبر الفلاسفة واقدمهم؟؟ .. مباشرة سنقول أرسطو ويليه افلاطون ثم أرسطو ومن هؤلاء الثلاثة تتفرع مدراس كثيرة بالفلسفة منها الرواقية والايبقورية والسفسطائية وحتى حين عدت لكتاب (الموسوعة الفلسفية الميسرة ) لعلي رمضان فاضل وجدته يذكر بفقرة (فلاسفة ما قبل سقراط ) ص 275.. ” طاليس, انسيمونوروس, انكسمانيس, بارمندريس, هيرقليطس ” .. ولم يتطرق لأيسوبوس قط ..

وبالوقت الذي احترمُ وأعجب من رأي الكثير من الناس الذين يرون في الفلسفة كلاما غامضاً وزيادة بالمفردات لا حاجة لها ؛ فانه يكفي (وكما جاء في نفس الكتاب المذكور أخيرا) : ان ” الفلسفة فرع من العلوم الإنسانية , وإذا شئت فقل : إن الفلسفة أم العلوم ؛ فالفضل كل الفضل يعود إليها في جعل الإنسان أكثر قدرة على إعمال عقله في القضايا المختلفة الحسيّة وغير الحسية ” الفلسفة تقوم على مبدأ أجمل وأرقى من بقية المفاهيم هو مبدأ التساؤل والشك .. أو كما جاء في كتاب شعرية الاشياء لياسين النصير (ص9) : ” ان الفلسفة هي التي أيقظت أحلام يقظتنا بالأشياء كاكتشاف خيال المادة فيها .. فالحقول الفلسفية تُحيل الأشياء إلى انطولوجيات مختلفة الماهيّات ، وتوكد عبر التعامل معها أنّها قادرة على توصيف الكثير من الأفعال الإنسانية إذا ما وظفت فلسفيا ” ..

و ايسوبوس في حياته وفي القصص التي جمعها الدكتور رعد الحلي كان قد أعطى لنا ذلك الشك والتساؤل على طبق من ذهب .. ثم سرعان مايعطي الحل بعد دقائق من التفكير .. وايوسبوس في جل قناعاته لم يكن يريد سوى ان يعيش الانسان حريته وهذا مابقي يحارب لاجله مع كل مالك اشتراه ، بيد ان معرفته العميقة كانت تزيد من عذاباته وتحول بينه وبين تحقيق ذاته ..تماما كما جاء في كتاب (قصة الفلسفة من افلاطون إلى جون ديوي ) ترجمة الدكتور فتح الله محمد المشعشع (ص253) : ” إن زيادة المعرفة في الإنسان تؤدي إلى زيادة آلامه , كما أن ذاكرة الإنسان وبُعد نظره يزيدان في آلامه ، لان الشطر الأكبر من آلامنا كامن في تأمل الماضي أو في التفكير بما سيقع في المستقبل . ان الألم في حد ذاته قصير , إن الأنسان يتألم من فكرة الموت أكثر من الم الموت نفسه , واخيرا وفوق كل شيء , الحياة شر لأنها حرب , أينما وليت وجهك لا تقع عينك إلا على صراع ومنافسة ونزاع , وتبادل انتحاري بين الهزيمة والنصر , وكل نوع يقاتل للفوز بالمادة والأرض والسيطرة .. انظر إلى الهيدرا (افعوان البحر) التي تنمو كالبرعوم من أمها الكبيرة ثم تفصل نفسها عنها ، كيف تقاتل وهي لاتزال متصلة بامها لكي تظفر بالفريسة التي تعرض نفسها أمامها وكل واحدة منها تختطفها من فم الأخرى ” ..

وهكذا كان ديدن ايسوبوس طول حياته أن يصارع لأجل رغبته مهما كانت ظروفه ..
كتاب الدكتور رعد قدم مادته بشكل انسيابي ومفرود الدفّات بكل صدق ووضوح بعيدا عن الغموض و التعقيد والضبابية .. فهو يذكر أولاً كيف سمع باسم ايسوبوس من خلال حديث له مع أصدقائه في اليونان سنة 1977م ، وكيف استدان كتاب حول ايسوبوس من صديقه وبدا يقرأ عنه .. وقدر بعد ما يقارب من 35 سنة من جمع جميع القصص التي قيلت عنه والقصص التي قالها إيسوبوس مع الرجوع للمصادر الاجنبية جميعها .. وملخص قصة ايسوبوس التي يوردها دكتور رعد والتي حاولت أن اختصرها لأقل العشر .. ان ايسوبوس ولد سنة 700 قبل الميلاد .. وُلد عبد من أم مملوكة لإقطاعي كبير , وفوق عبودتيه كان معاقا , وضعيف البنية دميم الشكل محدودب قليلا لكن ذكاءه كان خرافيا وقدرته في الإقناع تفوق الوصف .. بقي سنوات عمره يناضل من أجل فك عبوديته وتنقل من مالك لآخر حتى نال حريته وعلا شأنه وذاع صيته حتى بعث له الملوك ومنهم ملك بابل وبقي في العراق لمدة عشرين سنة وبالرغم من إلحاح الملك بالبقاء معه كمستشار لكن طبيعته وحبه للتنقل والسفر جعلته يترك بابل ويرتحل .. ثم يدخل قرية اسمها ذيلفي أو ذيلفوس وهي قرية أشتهرت بأن فيها أكبر معابد لآلهة اليونان آنذاك .. وحين عرف ايسوبوس مايجري فيها من دسائس وكذب وخداع واستغلال الفقراء ثارت حفيظته وراح يندد بهم مما شكل تهديدا لسمعتهم بين الدول المجاورة لذا دبروا له مكيدة تبعا لها تم اعدامه .. ومن أهم المقولات التي تسري بيننا مثلا والتي يعود اصلها لأيسوبوس :

1- من حفر حفرة لأخيه وقع فيها .
2- قل لي من صديقك أقول لك من أنت .
2- أهمية الشيء في فائدته لا في شكله الجميل .

وفي الكتاب البالغ 239 من القطع المتوسط وهو من منشورات دار الجواهري إشارات كثيرة للقصص التي تم استخدامها من قبل والت ديزني .. بل اني حين قرات القصص تذكرت على الفور تلك القصص التي كتبها كاتب الأطفال الدانماركي الشهير : كريستيان هانز اندرسن . وقد عمد المؤلف وبعد ذكره لكل قصة أن يذكر الحكمة التي وشت بها القصة ضمنيا من غير التأثير على متعتها القرائية .. لذا نجد المؤلف يقول ب(ص 107) : ” عندنا نعجز عن إعطاء أفكارنا من الموعظة والحكمة إلى أبنائنا .. فتأكدوا بأن هناك من يستطيع أن يعطيهم ما يريد من الأفكار الهدامة .. هذه القصص التربوية هي أسهل وسيلة لمنح الموعظة ” .

.. وختام مقالي أرجو أن لا اكون قد قدمت صورة قاصرة عن هذا الكتاب الجميل والواضح الذي يمكن أن يكون كتابا للكبار والصغار على حد سواء لما فيه من قصص وألغاز غلفت الافكار بشكل جميل وذكي ومتقن .. والرسالة الإنسانية التي وجدتها في هذا الكتاب مشابهة إلى حد كبير مع كتاب المؤلف الأول (بالصدفة ) .. لذا آمل أن يكون كتابيه القادمين (خلخال العشق ) و( ماريا اليونانية) بذات التأثير بروح المتلقي إن شاء الله تعالى …

شاهد أيضاً

د زهير الخويلدي: دولة القانون والمجتمع المدني بين هيجل وماركس

” يحدث التمييز بين المجتمع المدني ، كما يفهمه هيجل ، بمعنى الهيمنة السياسية والثقافية …

بلقيس خالد: الكتاب الأول ليس الزلة الأولى

حدثني أحد الأصدقاء متسائلا: لدي مشروع كتاب نقدي عن الرواية..، واريد ان اكتب عن روايتك …

ناطق خلوصي: دفاتر قديمة (الأخيرة).. حكاية رواية 

حرصت دارالشؤون الثقافية ودار المأمون على اختيار خبراء أكفاء مشهود لهم بالدقة والأمانة لإبداء الرأي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *