عبدالله جدعان : مونودراما [الذي لفه الخوف]

إشارة:
هذا النص الكبير الذي كلفتني أسرة الموقع بكتابة “إشارة” عنه، هو نص كبير بكل المعاني الفنية والمضمونية الأدبية، يكفيه أنه سلب منّي – وأنا الطبيب النفسي المختص منذ عقود- اختصاصي وذكّرني بما قاله “سيجموند فرويد”: “إنّ المبدعين هم أساتذة التحليل النفسي”. لا أعتقد أنني استطيع توصيل رؤيتي عن منجز “عبد الله جدعان” دون قراءة هذا النص بدقة وتأمل عميق.

مونودراما [الذي لفه الخوف]
تأليف:عبدالله جدعان
20ـ 10 ـ 2016

الشخصيات:
مازن(شاب في الخامسة والثلاثين)
مجموعة أصوات
المنظر[غرفة تحتوي على بعض الإكسسورات،باب في الوسط وعلى يساره شباك تتدلى منه ستائر شفافه عريضة،وعلى يمينه مكتبة خشبية مليئة بالكتب].
[صوت منبه سيارة تتوقف فجأة ممزوجة بضجة]
مازن[يجمد في مكانه،صوت ريح يتعالى ويضرب بالشباك،يهرع اليه مازن كي يغلقه وينظر خلسة من وراء ستارة الشباك وهو يسحب انفاسه شيئاً فشيئاً ثم يجلس على الكرسي،تعتيم للاضاءة ثم تعود لتسقط على وجه مازن وهو يخاطب نفسه بصوت متسائل وقلق] ربما سيارة الحُسبة ؟!شغلهم الشاغل ان يبحثوا عن أي خطأ او تقصير يصدر من أي شخص !يلفني الخوف والقلق لأحتمي منهما في اجنحة الظلام؟!فسرعان ما تحول خوفي الى دهشة؟!ربما أتوا ليعتقلوني؟أنا؟ لا!!لماذا؟ربما لأنني نشرت مقالات في صحف عديدة؟لا.لا.ربما لأنني كنت مشاكساً في لقاءات تلفزيونية عديدة؟فكل تلك الانشطة غير محببة في شريعتهم!لذا عمدوا الى ايقاف شبكات الهاتف!وشبكات النت!آه.ياللاسف لم استطع حتى ان احمي بيت وورشة السيد افرام من الاغتصاب والاستحواذ على كل محتوياتها؟!
لم يتبقى لي من وسيلة لتفريغ تلك الشحنات المعبئة بالخوف سوى متابعة مسلسل تلفازي انتظره كل مساء بفارغ الصبر!!لأنني اجد فيه ما خزنه عقلي الباطن من احداث واشياء كان بودي ان احققها.
صوت الجار:مازن؟هل تسمعني ..الفرع الذي يقع فيه الجامع،اغتصبوا كل الصحون اللاقطة و(الرسيفر) لجهاز التلفاز.مؤكد في الغد سيصادرون ايضا الاجهزة منا.
صرت منكمشا على نفسي وثقتي بنفسي اصبحت مهزوزة.
استوحش من حولي كل شيء!صوراً شتى امامي غارقة في الظلام واخرى مسرفة في الالوان تكتنفها استار عالية من الضباب.كأن الكون من حولي صار أصم!! احسست بالخطر كل الخطر يدق بابي كل ثانية لأنني لن اسكت على افعالهم التي لاتمت بصلة للدين او الشريعة.من هنا بدأت مشاكلي وهمومي من اقرب الناس لي.[يبحث وينادي في ارجاء الغرفة لكن دون مجيب]سعد؟مجد؟بثينة؟اين انتم؟ ايعقل ان الاولاد لم يرجعوا من المدرسة؟!لا.الوقت قد قارب على المساء؟! بثينة ربما ذهبت لتزور امها المريضة.لا.فهي لن تذهب لأي مكان ان لم تخبرني.
[يقوم بالمناداة مرة ثانية]سعد؟مجد؟ بثينة؟
صوت شبيب:لا تتعب حالك يا مازن.هم ليسوا بالبيت!
مازن[باستغراب]كيف؟واين هم يا شبيب؟
صوت شبيب:عندي بالبيت.
مازن:لماذا؟هل حصل شيء؟
صوت شبيب:لا.لكن كونك ثرثار واكثر من مرة اسات لدولتنا ياناقص الصلاة.
مازن[مقاطعاً] انا ناقص صلاتي ناقصة؟منذ صغري كنت اصلي،حتى الاسطى افرام النصراني كما تسمونه انتم حينما صوت الاذان يامرني بترك العمل والذهاب
فوراً للصلاة في الجامع.حمداً لله كنت وفيا ومطيعا للكبير المتعال في القيام باركان الاسلام ولم يبقى منها سوى حج بيت الله.
[مستفزاً يبحث عن مصدر الصوت ليكلمه]هل نسيت ماضيك يا أبن خالتي شبيب
شقيق زوجتي!هل اكشف المستور؟ليال ملاخ ونساء وشراب مدام!!
صوت شبيب: اصمت ايها اللعين.
مازن[منتفضاً] بل انت اللعنة ذاتها يا شبيب..ماعلاقة اولادي وزوجتي بما قلت؟
صوت شبيب:لأن سلوكك وأفعالك منافية لشرعنا ومنهجنا.لذا اصدر القاضي الشرعي بخلع زوجتك عنك![ضربة طبل كبير تتزامن مع آخر جملة صوت شبيب] مازن[منهار]لم اعد استطيع ان اتحمل من الاحزان الكثير.المدينة اصبحت قاسية.
انكسر جناح الصبر ولا املك سوى بعض من بقايا كومة النفس..لأن حجرات عثرة فوق صدري وعلى ساعات حياتي،فأنا لا اعرف إلا التعساء من حولي؟!
صرت ابحث عن شخص يعرف جرحي واعرف جرحه لنبكي معاً[يبكي]هل اهرب؟فهم احاطوا المدينة وكتموا الانفاس!..فالخوف يلف البيوت والازقة!
[تزداد حدة صوت الريح،تتمايل ستائر الشباك كأنها امواج بحر متلاطمة يدخل فيها مازن وكأنه يصارع تلك الامواج العاتية] احس كأنني وسط امواج عاتية؟! ربما ستظهر لي حوتاً يبتلعني؟لأنتهي من هذا الخوف الذي تلبسني؟لا..لا.تذكرت ابن متى ذا النون..ياصاحب الحوت!تذكرته وهو يطلب المغفرة من ربه :
ــ لا اله إلا انت سبحانك اني كنت من الظالمين.
بلادي مأوى السعادة والشقاء والفقراء والاثرياء كأنه وباء ألم بناسها!!بعد ان خدعها الخادعون وعبثوا بعقول بعضها..وتمضي الايام في ظلهم شاحبة هزيلة مرهقة.قد كتم الناس انفاسهم خشيةً ورعباً فاذا بأياهم تقطر حزناً وألماً.الكل تتهامس همسات خافتة ويحسبون أن للجدران اذاناً صاغية تكادان تنقل همساتهم الغاضبة الحزينة من افعالهم!!لقد عبثوا بمدينتي من لا ذمة ولادين لهم.ليس لهم من تراث اسلافهم سوى الدم والخراب..لاصحوة ولاضمير .لقد حرقوا المدينة وامعنوا في تدمير معالمها ومساجدها ومقدساتها.لقد نثروا فوق سمائها رماد الفجائع والويلات!احرقوا وكسروا متاحفها ومكتابتها وكل مؤساستها الخدمية والعلمية.لقد قضوا على كل معالمها الحضارية فلا مقاه ينبعث منها دخان السجائر او النرجيلة او غناء كوكب الشرق.حتى الحدائق العامة لم تسلم منهم فقد احرقوها فهاجرت الفراشات وحتى الطيور انتزعت من اعشاشها فطارت تحط فوق جامع النبي يونس وشيت!لكن ما ان تناثر حجرها في السماء طارت الطيور والفراشات فزعه تبحث عن أم ربيعين جديدة!فظلت تدور في سماء المدينة الى اشعار آخر.
صوت:الظالم لايحس مدى قسوة وشدة وطأة الظلم على الابرياء إلا اذا تعرض هو لقسوة وظلم الأظلم منه.
مازن[منتفضاً] لا.لا اكون الأظلم.فهم ليسوا ببشر!كيف للبشر ان يقوم بهذه الافعال!؟ومن قال انهم بشر مثلنا؟!ان وصفهم بالحيوان يرتقي به تسافلهم! فالحيوان لايقتل ابن جنسه بهكذا طريقة!
صوت:هل عانيت من هذا؟
مازن[يجهش بالبكاء]اختي الغالية فاتن!جعلتها ان تحقق واحد من احلامي بأن تصبح قانونية.
صوت: وهل اصبحت؟
مازن: نعم.اصبحت معروفة في المحاكمات الجزائية وتزوجت وانجبت ولدين. واهتمت بشؤون المرأة من خلال كونها ناشطة حقوقية في هذا المجال.فقد تم نحرها امام اولادها وزوجها.لم تكن هي الضحية بسبب وظيفتها.لا ادري كم وصل عدد الامهات الثكالى والزوجات الارامل والبنات اليتامى في ظل سطوتهم؟!لم تعد لاهلنا إلا مجالس الصمت وإجترار الاحزان..اليأس..القنوط..الويل الويل.لقد تعروا وصارت اثواب الكثير منهم اكفانهم وآخرين القوا بجثثهم في مياه دجلة.تساقط الشباب والرجال كأوراق الخريف.احتفظت بالصمت من شدة خوفي واصبحت حريصاً عليه اكثر من قبل.فأنه مأمن لي من شرهم ومنجاة من الزلل.اخبأ نفسي تحت لساني..لماذا ياخوف نصفي الثاني ؟..يانصفي العفن؟
صوت:هل فكرت ان تترك زمانك هرباً من هواجس الخوف؟
مازن:يسكن الزمن فيَّ .هذا الكابوس المدمر الرهيب الذي يذكرني باستمرار ان النهاية مهما ابتعدت فأنا مقبل عليها!!هل هناك اكثر دماراً من تلك النهايات.فلم يعد المكان كما هو ،ولا الزمان كما هو،كما طاب واستكان لي!!
صوت:اركل هذا الدهر الخائن ولاتدعه يفلت من يدك؟
مازن: ليتني استطيع فقط ان احتفظ بذكريات طفولتي التعيسة.علني امسك بالآتي فلا يفلت مني.لأنني لا اعرف ماذا يخبىء لي الوقت المسيج بمئات المعوقات.زمن صمت الاحزان لصوت الزمان!الطفولة!الحرمان في خضم الحروب التي لافائدة منها.
صوت[يقهقه ساخراً] ايها الخائف من الماضي.
مازن: اضحك ما شئت.لان الخوف اخذ يتسلل شيئاً فشيئاً الى قلبي وعقلي ويطوقني ويلملم احشائي.ظل يمتد عليَّ ويغطيني.كيف لي ان انسل من شريعته؟!
سال الخوف المغلول باوردتي كأنه عاش معي منذ ولادتي.لقد عشت طيلة حياتي ولم استطع ان امسك بمفاتيح الحياة!فالخوف مرتسم فيحياتي كما قلت لك منذ طفولتي.استنشقه مع الهواء!آكله مع وجبات الطعام!امتصه مع دخان سجائري [كأنه تذكر ليضع سكاره في فمه ومن ثم يشعلها وياخذ نفساً عميقاً كأنه سحابة دخان تمل المكان ممزوجة بالاضاءة]كانت تجربتي الاولى في عالم الخوف[يصمت ويأخذ نفسا آخر من السكاره ليتذكر]عندما بدأت الحرب الدموية،قد ولدت في هذه الدنيا في العام 1981،فرح الكل بولادتي ألا ابي[بحرقه]لأنه كان يقاتل في الحرب هذه الذكريات التي بنت في نفسي عالماً خاصاً..كأنها تنخر عظامي ،فأبي رحمه الله..كان رجلاً مسالماً محبوباً قانع برزقه ،واكثر مايؤمن به هو ان الله خير الرازقين.في ظل ابي كنا نملك كل ما يمكننا من العيش حياة خالية من الهموم، بحيث وفر لنا كل الاحتياجات دون عناء،فهو لم يفكر في الغد ابداً.لقد بنى حياته من اللاشيء،وحينما التحق في الجيش في خدمة الاحتياط قد كسب حب الجنود ورضا الضباط،لذلك تم ترقيته من رتبة عريف الى رئيس عرفاء.فهو مادام في خدمة الوطن تبقى عيونه مفتوحة صوب العدو ليل نهار!اما قلبه فمستعد لأي شيء في سبيل الوطن.لم يكن يريد لهذه التضحية أي ثمن!وبمرور سنوات الحرب كبرت انا وكبرت معي احزاني وخوفي من المجهول!لكن حزني امي كل لحظة وثانية مادام ابي يقاتل في الجبهة.فهو يريد الهرب من ميدان الحرب ليس خوفاً او جبناً من امطار البارود والرصاص!بل اشتياقاً لعائلته الذي ظل محاصراً في نهر جاسم لأكثر من سبعين يوماً !ولم تنتهي تلك المعركة اللعينة.فلم يستطع الهرب هو وملايين مثله قد اجبروا على خوض تلك الحروب .قرأت مرة في رواية من ادب الحرب تقول: اثناء الحرب قد تهب نسمة سلام يلتقط فيها المقاتل انفاسه!فكانت الرسائل المتبادلة بين أمي وأبي هي النسمات بالنسبة لكلاهما[كأنه يخاطب نفسه] مازن؟كف عن هذه الاوهام؟..عبثاً اقول لنفسي هذا الكلام وقد امضيت حياتي عبثا بالتفكير وجل ما كان يشغلني هو الغد!المستقبل!احس كأني اسير في دوامة تؤدي الى مستقبل قميء مترع بالضجيج والخوف .اصبحت ارتوي من بئر الخوف الذي لا يجف ..دهور منه كبرت بداخلي بعد ما تركت نهباً لمخالب الخوف والقلق منذ صغر سني،فأصبحت فريسة له!كنا اسرة عاشت بحب وسلام ونقاء.لكن بعد موت ابي وهو يقاتل دفاعاً عن الوطن!..كبرت السنون وكبر معها العوز والحرمان والخوف.كانت امي تنظر باتجاهي وهي تبكي بصمت !لأنها ايقنت بانني سوف لن اواصل تعليمي في المدرسة!فهي كانت يائسة الى آخر حد اليأس،كانت في عينيها معان كثيرة لم استطع فهمها في ذلك الوقت..حيث كانت الدموع تنحدر على وجنتيها مثل حبات المطر وهي تنشج وتقول:
صوت الأم:كنت معلقة عليك آمالي بان تصبح طبيباص او مهندساً.
[يختفي صوت الأم].
مازن:لكنني اريد ان اصبح رجل قانون!محامي!امنية صغيرة راودت خيالي منذ صغري.صوتها العميق الحنون اثر في نفسي فازددت اضطراباً!كانت كلماتها تضرب قلبي كالسياط المشتعلة.. ان اواجه مصاباً جديداً![ينهض وفيه مقدار كبير من الجرأة والحزم]عليَّ ان ابحث عن عمل؟!ان اعيش حياتي دون ان يعلمني احد.كان لحن الحياة مجروح يكمل ساعات ايامي.فعندما ما تركت المدرسة وجدت عمل!..في ورشة جارنا السيد افرام التورنجي.وهكذا اصبحت اقضي ساعات النهار بين ازيز الاجهزة الميكانيكية في الورشة.اصبحت اقاتل منذ صغر سني من اجل اطعام أمي وأختي فاتن في خضم الزمن العصيب..زمن الخوف من الآتي المضاف اليه هم الجوع الذي كان همنا اليومي.وآخر ما اتذكره هو درس التربية الوطنية حينما نظرت الى المعلم ملياً وهو يردد جملته بفخر وتباهي [ياخذ هيأة المعلم وصوته]كلنا فداء للوطن..الوطن..الوطنية[يجلس على الكرسي ياخذ هيأة طفل يتصور نفسه جالس في الصف]وسألته بكل ادب: هل هناك فرق بين الوطن والوطنية؟[يغيَّر صوته ليصبح المعلم]كلا يا ولدي..فهما يسيران بخطٍ واحد. [يعود لتقليد صوت الطالب وحركته ويقول برجاء] كيف يا استاذ؟[يغيّر صوته ليصبح المعلم] من خلال الافعال التي نقوم بها في خدمة الوطن يا مازن..مثل:ــ التعليم..العمل..الدفاع عنه.[يستعيد صوته الاصلي،تستبد به نوبة من الضحك الهستيري التي تنتهي بالبكاء] لم اعرف معنى اللعب الذي يتمتع به الاطفال في صغرهم،ولم اتذكر غير العمل والاجهاد والتعب اليومي عند افرام التورنجي.
في هذا العالم الذي تعودت عليه منذ ان كان عمري الصنعة تسعة اعوام الى ان اصبحت الآن في الخامسة والثلاثين،تعلمت الصنعة فاصبحت صديقاً حميماً لصوت وازيز المعدات والاجهزة الميكانيكية،كأنها لحن جميل يكمل ساعات العمل اليومي.وخير ما جنيته من تلك الورشة هو كنت التهم ما احصل عليه من مجلات وجرائد قد تركوها الزبائن في الورشة.وازداد شغفي بالقراءة اكثر واكثر واستطعت شراء القصص والروايات والكتب من فلوس (البخشيش) وهكذا اخذت اتأمل واعيش مع افكارها وشخوصها وكأني واحد من ابطالها فتفتح ذهني لطموحات كبيرة !كنت اتمنى ان اصبح شاعراص او كاتباً.لكنها تفتت مع قهر سنين العوز.لازالت مقولة لابسن تطن في رأسي:ايها الحالم!لاتنس انك من تراب وانك قد خلقت للحياة الارضية[يدور حول نفسه،يقترب من المكتبة الخشبية ليقوم بنثر الكتب ورميها في الهواء وعلى الارض،يهذي منهاراً]ليس هناك متسع للاحلام؟!لقد سرقوا مني احلامي.لقد حرموا من عيني الراحة والاطمئنان واحالوا حياتي الى جحيم دائم من الخوف[يبكي ويجلس على الكرسي].
صوت الم: علام البكاء؟البكاء للمذنب!
مازن: ما كنت مذنب قط.فهي تجربتي الثانية في عالم الخوف.
صوت الأم:كيف؟متى؟
[صوت الرياح يسمع بشكل قوي مما يجعل ستارة الشباك تتأرجح من شدة الرياح] مازن[يقترب من الستارة وتلتف عليه مع اضاءة حمراء] صوت رجل الامن:اصبحت تتخطى الحدود المسموح لك في ان تتكلم بها؟
مازن:استميح سيدي العذر..ايكلام؟
صوت رجل الامن:اني لااسألك بل اطلب منك الاجابة؟
مازن[يعجز عن الرد]اخذت الكلمات تتساقط من فمي!كأنني لا امتلك الاجابة.فقد هربت من خوف ووقعت في خوف اكبر!قادوني كنعجة الى السجن.لقد هيأت نفسي لكل شيء.لقد تعرضت للضرب والسب والحرمان حتى شربة ماء واحده.كنت ابتلع الاهانة واسكت.فقد كان سجني هذا اشد من القتل!لأنني في جب الخوف الموحش!الرقصفن اخترعه الانسان لإظهار جماليات الجسد!لكنني في الزنزانة كنت ارقص من شدة الألم وانواع التعذيب [يسقط على الارض منهاراً ثم يبدأ بالاستيقاظ..يرفع رأسه..جذعه..يستكين ليجلس القرفصاءويسند ظهره على الحائط]نمت نومة مسهد لم يذق طعم النوم منذ يومين بسبب كثرة التحقيقات المزعجة ليل نهار.بينما كنت مستغرقاً في نومي اذ باصابع تلمسني،فشعرت بارتياح كبير واستسلمت لحنانها وعذوبة ملمس كفها على خدي الذي اخشوشن على اثر ما تلقى من صفعات المحققين!جاء صوت أمي ليوقظني من نومي.
صوت الأم:ماذا حدث لك يا ولدي؟لم انت هنا؟عليك ان تكون بارعاً في التعامل مع هؤلاء الاقوياء الذين يحملون اخلاق الذئاب!!
مازن:حقاً يا اماه،فهم دائماً يحاولون القبض عليّ ،لأنني احتفظ في دخيلتي بروح الرفض!لأن بعضاً من روح الانتقاد العلني قد ملأت رأسي ولساني.فأنا لم اقم باغتيال احد!او اشارك في تهجير احد ما! او المشاركة في اقتتال طائفي!او سرقة المال العام!تحول صراخي الى عواءثم اصبح يابس النبرات فصرخت صرخة مميتة لم تتعد حلقي وقلت:
ــ هل يخيفكم كلامي الى هذه الدرجة؟..فنحن كما تزعمون في عهد الديمقراطية وحرية الرأي والتفكير،فهل انا مخطىء.زهذا مانص عليه دستور البلاد الجديد!فهل تحتجزونني لأنكم لاتثقون بأنفسكم![ضربة طبل قوية].
صوت رجل الامن:افق ايها المسكون بهواجس الخوف المزمنة وعد الى صوابك.. وطهر روحك..فأنت تمتلك صفحات سوداء لاتكفي كل مياه الكون لغسلها!!
مازن:امنحني بعضاً من بياض حقوقي الشخصية المعطلة بالدستور لانني انسان فقط لاغير!
صوت رجل الامن: سنطلق سراحك! لكن على شرط!!..ان تغلق فمك ولاتفتحه إلا عندما تتناول الطعام فقط!
مازن: لا اخفيكم سراً.رضيت بأن افعل ما يطلبونه مني,وعلى ما يبدو ان كلامي هذا جعلهم ان يتخذوا هذا القرار بإخلاء سبيلي. خرجت من السجن بريئاً حراً
بعد ان دخلت فيها بريئاً من أي جرم!فتهمتي هي قول الحقيقة التي تعودت ان اقولها في أي مكان وفي أي زمان!!لعنات تصب عليّ من كل مكان!ذكريات محترقة تفوح منها رائحة الخوف.حاولت ان افتش في اعماقي عما اذا كنت احمل رواسب لا تمت بصلة للانسانية.فما زالت ازاهير حقولي وثماري صرخات النفس تتألم ولا تجد عزاء إلا في حضن الطبيعة!وان السير بين الاشجار والنظر الى السماء او النجوم تذكرني بعظمة الخالق!!فالمدن الصاخبة تقتل فينا الاحساس بالزمن وتذكرنا على الدوام ان عجلة الحياة تدور غير عائبة بالزمن يتوقفون في محطة ما!او من قد هاجر مجبراً دون خيار ثانٍ.عذراً ياسيد افرام لم استطع تنفيذ وصيتك،فهي كانت تجثم على صدري كأنها جبل!!ان لم اكن استطيع ان احمي اولادي وزوجتي منهم تحت ذريعة واهية! فكيف لي ان احمي بيتك من مخالبهم التي طالت وامتدت حتى الى ورشتك التي حولوها الى مصنع لتصنيع الصواريخ والعبوات الناسفة!!نم قرير العين يا سيد افرام وانت مهاجر في(فلنده) مؤكد هي بالنسبة اليك لم تكن اجمل من محلة الميدان او قصر المطران!وان كنت جالساً على نهر (الدانوب)فأنا على يقين انها لن تكون اجمل من القليعات الغافية على شاطىء نهر دجلة[يهذي مع نفسه يدور في الغرفة تائهاً]متى تعود تلك الطيور التي هاجرت اعشاشها والفراشات التي غادرت حدائق المدينة!وانت ياسيد افرام عُدْ الى بيتك الذي اشتاق هو لك ايضاً ويناديك ليل نهار.ما عساي ان افعل؟وانا في ارضٍ يباب؟!هل اقلب هذه المخاوف الى قصيدة رثاء؟!ام اقلب هذه الهواجس الى طبلٍ يدق؟![اصوات طبول تدق اكثر من مرة]السماء تتخلى عن الارض اليباب الا شمسها وامعانها في الخطايا.لقد غربت الشمس ولم يعد القمر بازغاً يرسل ضوءه كما كان!ولم تعد النجوم متألق في السماء!![يدور حول نفسه ينظر للاعلى]تلبدت السماءبالغيوم!استبشر خيراً لأن سقوط المطر تغسل القلوب ويذهب منها الهم والخوف!الا يمكن ان يتسلل بصيص من الضوء في تلك الظلمة التي عشعشت في داخلي ليحرقها كي اخرج قلب الخوف لاغسله بذلك الضياء واختمه بشمع تاريخي الجديد الذي سأعلنه اليوم [ينفجر ضاحكاً بفرح غامر]لأنتظر طائر الأمل ليحط فوق شجرتي اليابسة التي يبست اوراقها[يفتح الباب لينبعث منه اضاءة قوية تطغى على المسرح بشكل كامل].
مازن:احرق ايها الضوء ما تبقى من خوف بداخلي،فهناك دائماً بداية جديدة.

(( تســـــــــــــــــــــدل الســــــــــــــتارة))

شاهد أيضاً

محراب الماء
بقلم: خيرية صبر

الزمن يخلع نعليه ليخطو حثيثا الي محراب الماء وانا دهشة وجلة مكورة بين عينيه هذا …

حبيب الروح
عصمت شاهين دوسكي

حبيب الروح .. يا نسمة البوح ضمني .. جردني من الجروح اكتب على جسدي عشقا …

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ح/15)

مراجيح الاميركان في شقق اليرموك كنت مطمئنا في تلك الساعة من انها لم تعد تخضع …

2 تعليقان

  1. أحيي الأخ عبد الله بن جدعان على هذا النص الرائع، واتمنى ان يستمر في إبداعه، وهو قمين بالوصول إلى القمة. كنا أحيي أخي الطيب الرائع حسين سيرمك على الاهتمام به وبنصه، فهو سباق للخير دائما.

  2. كل الشكر والامتنان لمبدعنا الكبير الأستاذ محمود سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *