ياسر جاسم قاسم : الزهويّون السياسيّون في نظر الوردي (ملف/12)

إشارة :
احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه (جاك بيرك) في كتابه (العرب: تاريخ ومستقبل): (الوردي كاتب يحلّق إلى العالمية بأسلوبه الذي يضرب على الأوتار الحساسة في المجتمع، مثل فولتير)، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر حلقات ملفها عنه. لقد سبق الوردي بأطروحاته الكثير من المفكرين العرب، وتناول موضوعات صارت تُطرح الآن كأنها معطيات حديثة، علما أنه طرح أغلبها في مرحلة الخمسينات، وقد تجاهل الباحثون العرب أطروحاته بعد أن غرفوا منها ولم يعودوا بحاجة إلى ذكره. وهذا كتاب الباحث المعروف (هشام شرابي) الأخير (نقد الثقافة الأكاديمية) يذكر فيه أسماء وجهود باحثين في علم الإجتماع في الوطن العربي- بعضهم مغمور لم نسمع به أبداً- من المحيط إلى الخليج عدا الدكتور (علي الوردي). تحية إلى روح المفكر الثائر علي الوردي.

الزهويّون السياسيّون في نظر الوردي…

• ياسر جاسم قاسم

في مقال منشور للدكتور علي الوردي قبل 25 سنة من الآن، في مجلة العربي الكويتية والتي نشر فيها مقالات قلّة ونشر هذا المقال الذي نحن بصدده في العدد 378 الصادر في أيار /1990، وقد شخص الدكتور الوردي الزهو كمرض نفسي منتشر في المجتمعات العربية بسبب ما اسماه الخطأ بأخذ المجاملات على انها الرأي الحقيقي في الشخص.
والزهو هو تقدير الانسان لنفسه اكثر مما هي في حقيقتها ، وبشكل مغالٍ فيه الى الدرجة القصوى ، والجميل في هذه القضية ان اكثر من فيلسوف تناولها ومنها ما تناوله (باروخ سبينوزا) في كتابه اللامع(علم الاخلاق) حيث بين في القضية 55 في هذا الباب الزهو بقوله” اقصى درجة من الزهو او من الاستهانة بالذات انما هي الجهل المطبق بالذات ” وهذا التعريف يتوافق تماما مع تعريف علي الوردي الذي ذكرناه في اعلاه حيث ان المزهو بنفسه لا يعرف مدى تقييمه الحقيقي لذاته .
وهذا توافق لا يخلو من قراءات وتفاعلات قرائية من قبل الوردي مع من يقرأ لهم وكما سنرى ايضا في بقية الدراسة.
كل انسان لديه حالة من الزهو وهو ما يسمى(الخداع الذاتي) ولكن عند ازديادها وخروجها عن السياق العقلاني حيث لا سيطرة للانسان عليها عند ذاك تتحول الى الزهو ، وهذا معناه ان هنالك انفعالات في الذات البشرية تتحول شيئا فشيئا الى زهو بعد ان تفقد نفس الانسان السيطرة عليها ، وفي ذلك يقول سبينوزا في القضية 56 حول الزهو :”ان اقصى درجة من الزهو او من الاستهانة بالذات انما هي العلامة على اقصى عجز تعرفه النفس” بالتالي (الزهوي) هو الذي يجهل نفسه ويجهل كل الفضائل وهنالك لازمة تنتج من نظرية سبينوزا هذه وهي” يترتب على ذلك بوضوح تام ان المزهوين والمستخفين بأنفسهم انما هم شديدو الخضوع للانفعالات” حسب سبينوزا فمعنى كلام الوردي (لاسيطرة للانسان على الخداع الذاتي)هو نفسه كلام سبينوزا(انما هم شديدو الخضوع للانفعالات) وهذا تأثر كبير للوردي بكلام سبينوزا!!! و(الجهل المطبق بالذات) حسب سبينوزا هو نفسه تماما عبر عنه الوردي بمصطلح(الخداع الذاتي) فالوردي ركز على مسألة الجهل بالذات لدى الزهوي وهي نفس المسألة تماما لدى سبينوزا.
والزهو حسب تشخيصات الوردي (مرض نفسي) بحيث تصعب على المصاب به السيطرة عليه، والسبب في الزهو يمهد لنشوئه افراد المجتمع انفسهم، فالمجاملات لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات البشرية ، والبشر لا يستطيعون ان يتعايشوا على اساس من المصارحة التامة فيما بينهم، ولابد لهم ان يخفوا عواطفهم الحقيقية بعضهم تجاه بعض ويتظاهروا بخلافها ، وفي هذا حسب الوردي مصداقا للحديث النبوي المأثور(لو تكاشفتم لما تدافنتم) ،والسؤال اين تكمن المشكلة حيث يفلسفها الوردي بدلائل تشير الى عمقه في تحليل النفس البشرية ، حيث تبدأ المشكلة حين يسمع شخص ما الناس يمدحونه تحت تأثير المجاملات التي اعتادوا عليها ،فيتصور انهم يذكرون الحقيقة الواضحة وهو لا يدري ماذا يقول الناس عنه في غيابه ،فهو اعتاد ان يذم الاخرين في غيابهم ، ولكن عندما يذم(بضم الياء) في غيابه من قبل احدهم ويصل اليه الخبر فهو يحقد ويغتاظ ويعزو ذمه الى ان ذلك الشخص يحسده، وهنا يعتبر الوردي ان طبيعة العقل البشري ان لا يأخذ صور الاشياء كما هي في الواقع على نحو ما تفعل المرأة بل هو يلتقط نقاطا معينة من الشيء المنظور ثم يكمل الصورة من خياله تبعا لما يشعر به تجاه الشيء من حب او كره، وهذا ما يحدث للانسان عندما يأخذ صورة عن نفسه من خلال المدائح التي يوجهها الناس اليه في مجاملاتهم الاعتيادية ، ويبالغ فيها ثم يبني منها صورة زاهية عن نفسه، وهو يظن ان هذه هي الصورة الحقيقية الموجودة في اذهان الناس عنه، ويعتبر الوردي ان هذه طبيعة البشر كي يتحملوا اعباء الحياة القاسية عندما يكونوا صورة زاهية لانفسهم من خلال مجاملات الناس لهم ، فلو ان الانسان ادرك حقيقة نفسه وماذا يقول الناس عنه في غيابه لسئم الحياة وامتلأ تعاسة وألما، وخداع الذات كما يشير الوردي في درجته الاعتيادية ضروري للانسان ، اذ يجعله مقبلا على الحياة ومحتملا لاعبائها.
لكن خداع الذات يكون في المصاب بالزهو اكثر مما ينبغي وهو الذي يمكن ان نطلق عليه مصطلح (الزهوي) وهو يعيش عالما رائعا من الاحلام والاوهام فهو يطرب للمديح وينتعش به، او ينتهز اي فرصة له كي يتحدث عن نفسه بصورة مباشرة او غير مباشرة ، وهنا أشير الى كثرتهم في مجتمعنا ، والزهوي تراه يمشي فخورا متبخترا يتخيل ان الناس ينظرون اليه بأعجاب واكبار . والزهوي لا يكاد يقوم بعمل او يتكلم في مجلس اويلقي خطابا حتى يسرع الى الناس ، يسألهم عن جودة ما فعل وهو كما يقول الوردي يتوقع منهم ان يظهروا له الاعجاب المنقطع النظير ، وهم لابد ان يجاملوه في جوابهم ،فيتخيل هو ان اعجابهم ليس بدافع المجاملة ،بل بدافع الصراحة من اجل الحق الذي لا شك فيه . والناس يؤدون التحية للزهوي مثل ما يؤدونها لغيره ، ولكنه يتخيل ان تحيتهم له تحمل معنى خاص، وهو اذا دخل في مجلس وقام الحاضرون له كما يقومون لغيره ظن ان قيامهم له يختلف عن قيامهم لغيره، واذا تكلم نظر الى الجالسين حوله ليرى تأثير كلامه فيهم، وكيف نال اعجابهم وقد يأتي بالنكتة ويكون اول الضاحكين لها ، وحين يمنحك الاخرون مجاملة له يظن انهم “ماتوا” من الضحك ، والزهوي لا يكاد يلمح امرأة او زمرة من النساء ينظرن نحوه حتى يخال انهن وقعن تحت تأثير جماله الجذاب،وتراه عند ذاك يتغنج ويتمنطق، ويلقي النكات ظنا منه ان ذلك يزيد من تأثيره عليهن ، واذا دخل في مرقص شرقي خيل اليه ان الراقصات او احداهن على الاقل قد وقعت في غرامه.
ويأتي الدور على السياسيين ، والعجيب ان اغلبهم من هذه الفئة فينتهز اية فرصة للحديث عن نفسه ، وفي هذا المجال يشكل احد سياسيي العراق مثالا للزهوي بشكل فريد فهو يتحدث عن نفسه كعالم ومختص في كل شيء.
معللا قدرته كونه اشتغل في اغلب المجالات ،فأكسبته هذه المجالات خبرات متعددة ، وهو زهوي بشكل كبير فيقرب اليه من يمتدحه ، ويبالغ بمدحه وهو لم يقصر في التعريف بنفسه بأية فرصة سنحت له بذلك وغيره كثير في سياسيي العراق . وعندما يكون الزهوي ذا جاه او سلطة تتفاقم المشكلة لديه ،فهو سيحف به المتملقون والمتزلفون ، يزينون له عمله ويكيلون له الثناء بلا حساب ،فيزداد تحليقا في عالم الخيال السعيد. (المتملقون والمتزلفون) حسب تعبير الوردي اخذها تماما من سبينوزا الذي يقول في القضية رقم 57: ان المزهو يحب محضر المتطفلين والمتملقين ، ويكره محضر الشهام
ف(المتملقون والمتزلفون) حسب الوردي تشابه تماما(المتطفلين والمتملقين)التي عبر عنها سبينوزا !!
ونحن نرى اليوم هؤلاء هم السياسيين المزهوين بأنفسهم ويحيط كل واحد منهم نفسه بشرذمة تكيل له المدائح وتحسن له القبيح وتعظم له الجميل ، حتى اصبح احدهم مزهوا بنفسه لدرجة النفاق والبعد عن الحقيقة وها هو العراق اليوم يعاني معاناة كبيرة بسببهم وبسبب طيشهم وزهوهم وصفاقة بعضهم ، والمحيطون بهم فئتان الاولى :المتملقة التي تريد مكاسب منهم ومصالح دوون حساب او كتاب ، والمتزلفة التي تريد القرب لاجل المكاسب ايضا وتحقيق المصالح الانية التي تجعل كل واحد منهم صاحب شركة مقاولات في هذا البلد المتاحة فيه السرقة الى حد بعيد.
وهنالك افراد من البشر يكون الزهو فيهم اقل وهم واقعيون اكثر وبنفس الوقت هم غير سعداء كما الزهويين . واللازهوي حسب الوردي يعرف ان الناس لابد ان يذموه في غيابه مثلم يذمون غيره ،لأنه يعلم ان ليس في الدنيا شخص نجا من لسان الناس ابدا وهو كذلك يعرف طبيعة العيوب التي ينسبها الناس اليه ، ويتحدثون عنها في غيابه اذ هو يستنتجها من القيم الاجتماعية السائدة في محيطه ، ومن اللمحات الخفية التي يتغامز الناس بها عنه دون ان يفصحوا عنها علنا .
والشخص اللازهوي لا يحب مدح نفسه امام الغير ، كما لا يحب ان يسمع مدحا من الغير امامه ، فهو يعلم ان كلا الامرين يؤديان الى خفض مكانته الاجتماعية لا الى رفعها، ان فهمه الواقعي للناس يجعله كما يقول الوردي موقنا بان الناس يستصغرون في اعماق نفوسهم من يمدح نفسه او من يبتهج بمدح غيره له.

*عن صحيفة المدى

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *