أكد الجبوري : نصب الحرية وروح حكمة التنوير العراقي (ملف/35)

إشارة :

مرّت الذكرى الرابعة والخمسون لرحيل الفنان العراقي العظيم “جواد سليم” (توفي في المستشفى الجمهوري ببغداد إثر نوبة قلبية يوم 23/1/1961) عابرة وباستذكارات لا تليق بفنان أثبت أن الإبداع يمكن أن يكتب للإنسان الخلود ، وأن المبدع يمكن أن يحفر اسمه في صخرة الوجود حين يلتحم بتراثه وبتراب وطنه المقدّس ويعبّر عن آلام إنسانه المعذّب. تدعو أسرة الناقد العراقي الأخوة الكتاب جميعا إلى المساهمة في هذا الملف الذي سيكون مفتوحاً من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإحتفاء بالإبداع.  

نصب الحرية وروح حكمة التنوير العراقي

أكد الجبوري

يعتبر الفنان العراقي (جواد سليم) المبدع الواجب بذاته والممكن جهاته٬ نصاب سفر التكوين في المبدأ والمعاد٬  بين عناية ثنايا فلسفة الجمال و أخلاقية حكمة روحها العراقي٬ يعتبر من أبرز النحات العراقيين عناية اخلاقية٬ يعقل ذات وجوده بواجب معشوق عاشقه٬ ممن استطاعوا مع ابداعه ومهاراته تشخيص مشكلات قدرة روح حكمة التنوير العراقي٬ ذاته والاشياء٬ بذاته خير محض وأحقه٬ ومشكلات علة بعض إنتاجها الفكري وبعضها أستشرافه المستقبلي٬ واجب وعلة لبعض الحوادث المحركة. 

فقد تمكن دوام مجمل ثبات تفصيلها بيان متنقلات حركاتها سبيل٬ قوة الإرادة وصفات الدلالة عنها. مقدمة إلى الغرض المعتاد والمستأنف للهوية العراقية٬ إثبات المحرك الحيوي لكل جمال متحرك فيه ولا متغير٬ مطلب ما نفع يجوز دوامها سعي اقتداره٬ على اختلاف زمانه في تناهي أزل تعدد اختلاف روح حكمة التنوير٬ اختلاف وتباين الاحداث والمشوقات٬ مرجعيات٬ تتبعها الجدارية تنبيهات٬ نيل المفاصل تطرز صورها المعرفية٬ مقاصد الديباج بالاجسام والأنفس والعقول٬ بأعتبارها أصل القيم ومفاهيم أيمانها الاخلاقية والحضارية والجمالية لسبيل تيارها الإنساني. 

صوب بحثها ودراستها عمق افلاكها حركة الجسم الكل والنفس الكل والعقل الكل٬ في وضعيات وحركات ومكانية٬ فيها معنى الأبداع ذلك٬ نبش حفر أغوارها العتيدة٬ جاء اقتداره مبرزا مكانتها٬ متلقفها في جداريته ـ الذائعة الصيت ـ راهن واقعها الجمالي مشكلات الحضارة الإنسانية. فقد تهيب بها ساعيا تشخيص العلل النقدية التي تسببت في حالة إنتاج القابلية  “الفكر التموزي” للحضارة ـ وادي الرافدين العظيمة ـ٬ مقربه فن نحته الأبداعي٬ حيث أنه لم يكن ينظر للواقع الإنساني من علو متهافت٬ بل كان أشد الارتباط حرصه بالواقع الحقيقي٬ للحضارة الإنسانية عامة٬ والعراقية خاصة٬ لذلك جاء الدراسات عنه٬ ثرية بمنجز إضافته الجمالية٬ فلسفة فنية معمارية بهية الغنى.  وما قال عنه المفكرون أنه أنه لا وجود له في العالم الغربي والعربي٬ بهذا الحفريات المعرفية٬ خلابة إظهارها بهذا الأسلوب المنجز الراقي٬ إنه ببساطة ـ إن جاز التوصيف ـ مايكل أنجلو المعاصر.

إن النظرة الإستشرافية التي تمتع وتميز بها المبدع (جواد سليم) هي التي أرتقت بتأهيل نموذج مشروعه بتعزيز  روح حكمة التنوير العراقي٬ أن تكون نظرته حاضرة وبقوة في راهننا الإنساني٬ لأن الموضوعات التي عالجها في متعلقة بصيرورة تطور ونماء ماهية ميراثها الحضاري الزاخر٬ إلى واقع متصل قراءته له٬ وأفاق النهوض البناء فلسفيا وجماليا وآلياتها التي بعث بها لغرض الاستفادة منها.

فقد أعطى اهتماما بالغا في تشريح أزمة الحضارة وسبل النهضة الحقيقية٬ ومشكلة الثقافة في الفكر الإنساني العراقي الحضاري٬ والجمالي عموما حيث شبهها بالجدارية التي تغذت بطولتها القييم الأخلاقية٬ أنها دماء أناشيد النضال الذي يغذي أبناء العراق وحدة هوية مجتمعه من خلال غرسه إلى الواقع وتطور منظومات مشكلاته.

لذلك يكون التنقيب في فكر الفنان العراقي المبدع (جواد سليم) نبش و حفريات غوص في مشكلة الإنسان العام٬ وأزمة الوعي الذي يعاني منه في جميع مجالاته٬ الملامح الواضحة البيان والنصاب في توزيع وانسجام سبله٬ النظرة الفاحصة في تصفح مشكلات راهن الواقع وأفاق التشخيص عند نصبه للحرية. فلا يمكن فهم جوهر روح حكمة التنوير للإنسان العراقي حضاريا٬ إلا من خلال إدراك سمات محتويات قيمتها٬ قيمة الفنان ومكانته في هذا الحيز الفني الأبداعي وغوصه الفلسفي الجمالي٬ في امتداد جذور هذا الوجود التراثي العظيم٬ لأنه إذا لم يعي الإنسان العراقي ذاته المفكرة المقتدرة٬ والتي استطاع الفنان معبرا من خلال مخاضات تاريخية ثقافية٬ لافتا داته المفكرة القادرة على تأسيس ذات متصلة٬ مبينا بديعها بنائيا٬ مشيد ذاتها وقراءتها قراءات نقدية على ضوء عمق عالم حضارة وادي الرافدين٬ عمقا إنسانيا عالميا لقضاياه٬ فأنه لن يكون له ذاك الحساب الرفيع الغض القيمة والوجود في العالم٬ الأمر الذي يعني أهمية ضرورة التفاعل والاتصال الإيجابي مع بنية صيرورة الارتقاء المعرفي الذي يعرف ويشهد في ذائقية غوصه اليوم.

ولا غرو فيه٬ يعتبر النحات العراقي المبدع٬ عنصرا جوهريا في صنع الحركة الفنية التاريخية العراقية٬ ومعالجا مدنيا في أزمة الوعي الجمالي الفني عربيا وعالميا٬ مثبتا حراك التاريخانية النقدية العراقية في صناعة عناصرها الابداعية٬ وتبريره في ذلك راجع إلى توزيع حجوم الحيويات الفاعلة للأشياء في واجهة بارزة للجدارية ـ الأيقونة٬ وتبديره في ذلك راجع بالأساس إلى انشطة وفاعلية الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي مر بها العراق٬ ولازال٬ لما يعانيه من صراع تنويري في التحرير والتحرر٬ ما يعانيه من مشاكل الحروب والاحتلال٬ وعوامل مرضية أصابت بنية الإنسان من تقهقر والركود والموت اليومي٬ والذي نخر قيمة الإنسان العراقي٬ فأصبح الإنسان مهددا ومغتربا عم ذاته وعالمه٬ وهذا ما تنبه إليه الفنان بأستشرافه٬ منبها ما هو مخالفا لجوهر وجوده الذي بينته الجدارية من مركزها ـ فتح وفك الاسوار وكسر الاصفاد والاغلال٬ لتتعالى قول مشاركة فاعلة٬ جاعلها في الأرض صرخة الحرية.     

من هنا تكون قراءة جواد سليم لشروط الجدارية نهضة وبناء العراق٬ حضارته الحقيقية٬ روح حكمة العقل العراقي التنويري٬ شروط قراءة الاستمرارية في عزيمة اقتداره التنافسي٬ إثبات إرادة الحياة في منافسة الأمم في المشاركة والتعاون الجاد والمميز٬ وتحقيق الرقي لها في جميع مجالات الحياة وعلوم معالمها الآدبية والمعرفية٬ ما يجعل اثبات تميز الفنان بفكره الحداثي٬ ومواكبته في إثارة الأسئلة الحاسمة في روح الحكمة الجمالية في تاريخ حضارة الإنسان٬ وواقع هوية العراق وتقدمه ثقافيا بشكل خاص. ومما تقدم ما هو إلا ولادة متجددة الحضور بالنفع والفائدة لجديد واقع العراق الراهن في تعزيم الهمم للنهوض والاستمرار بالارتقاء داخل الواقع الراهن٬ ودعم استمرار سؤال العراق التنويري في حضارته ما تحت فلكه من فلك وتدبير عناصر٬ والدخول في مشروع ما اوضحته الجدارية من بحث مسالك الولادة الجديدة لواقع التنوير الثقافي العراقي والنهوض به في مواجهة المكون الإشكالي التي قد نخرج به من خلال لمحتنا السريعة والبسيطة لـ(نصب الحرية)٬ هو تمكنه من صياغة وتنفيذ المنجز الحضاري العراقي٬ روح للحكمة٬ وتشريح لوحدة الهوية العراقية التنويرية في حاضر الوجدان وقيمه الراهنة٬ وضعا حقيقته بين واقع حال الإنسان العراقي وما كان يأمله دائما في جذوته المتوقدة٬ وعلل تجمير أفئدته المحفوظة بالبدايات٬ ندرة عناية وتدبير تكوناته المتصلة دائما بالخير والشكيمة الأبدة في المحبة. 

ميونخ ـ 29.01.19

 

شاهد أيضاً

صباح هرمز: التناص والإيحاء في رواية (المنعطف) لحنون مجيد (ملف/12)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (13) أدب السيرة الذاتية العراقي (ملف/68)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

“رؤيا الغائب” للعراقي سلام إبراهيم رحلة في الجحيم العراقي
عبد الحسين إبراهيم (ملف/67)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *