تابعنا على فيسبوك وتويتر

عصافيرُ الطفولةِ … يصطادها التَّسولُ
___________________________
كسنديانةٍ تحمَّلتْ الأنواءَ وسياطَ الجوعِ، و تجذَّرتْ أمامَ عصفِ الريحِ ، ومطارقِ الحاجةِ ، يمرُّ الزمنُ ثقيلاً عليها ،كصخرةٍ ضخمةٍ تجثمُ على وريقاتِ حبقٍ نديةٍ، عجلاتهُ الفولاذيةُ تطحنها كسنابلِ قمحٍ ، و تذروها كزورقٍ تتلاعبُ به أمواجُ البحر في كلِّ الاتجاهاتِ ، الحربُ شيَّعتْ الفرحَ والأمانِ في قلبها ، و تركتها كسيرةَ الروحِ مع خمسةِ أطفالٍ في حضنِ العوزِ والفاقةِ ، يفترشونَ أسرَّةً لاتشبهُ الأسرَّةَ بلغتهم بالتفاتةٍ خضراءَ من منظماتٍ دوليةٍ ، تسيجهم خيمةُ البؤسِ مموَّهةً بجدرانٍ من الإسمنت تدثرهم في الليلِ
الزمنُ الذي ابتسمَ لعيني خولةَ يوماً ، ومنحها وسامَ الأمومةِ ،صارَ مرَّاً ، سرقَ اليومَ لقمةَ عيشها ودفءَ الأمانِ ، ودفعها إلى البحثِ عن عملٍ شاقٍ لإعالةٍ أبنائها تحتَ مقصلةِ الذلِ الوخيمةِ ، حفظتْ خطاها جيداً دروبُ المدينةِ المقفلةُ عن الرحمةِ ، المكتظةِ بأطباقِ النفاقِ القشيبةِ اليوميةِ، كما تجاهلتها قلوبُ الأثرياء النحاسية ، فحولتها إلى متسولةٍ بقناعِ منجمةٍ مستجديةٍ تقرأ أكفِّ المارةِ كلَّ يومٍ .
لا جدوى من استجداءِ فرصةٍ للعملِ الشريفِ ولقمةٍ عيشٍ نظيفةٍ ، هذا ما أدركتهُ بعد قراءةٍ عميقة للواقعِ الموحلِ بأدرانِ الأنانيةِ والجشعِ، التسوُّلُ الذي كانت تمقتهُ وتخشاهُ صار الطريق الوحيد للوصولِ إلى مرفأ آمنٍ لأولادها وتأمينِ موقدٍ لطهي طعامهم ودفعِ البردِ عن أجسادِ أولادها الغضةِ .
ما أقساكَ أيها القدرُ الأحمقُ !! ترجم أفئدةَ الحمائمِ بحجارتكَ ، وتسوقُ أطنانَ الدولاراتِ و سلالَ الياقوتِ والزمردِ للجشعين والأثرياءِ :
( ياسعيدُ قف بعيداً عن أخيكَ مصطفى ،واستجدِ المارةِ أمام مركزِ الحوالاتِ التي تنهمرُ ذهباً و خيراتٍ و وتجوَّل قربَ موقف الباصاتِ حيث يحتشدُ الناسُ للذهابِ لعملهم ، هنا العمل سيكون مثمراً جداً يا أبنائي ، و البردُ الذي ينفذُ لجسدكما ستعوضانهُ عند المساءِ ، وكلما جمعتما أكثرَ من النقودِ سنكافحُ الزمهريرِ، ونشتري ثياباً سميكةً فلا نحتاجُ للوقوف أمام أبوابِ الظالمين الأثرياءِ لطلبِ فرصةٍ للقمةِ نظيفةٍ ، سأقفُ بعيداً عنكما ، و أعملُ بصارةً أقرأُ أكفَ الناسِ ، وحين تمتلئُ أكياسكما بالنقودِ تعالوا إلي ياأمِّي ) وصايا أمٍّ سمعها المساءُ السَّاجي ، وتناهتْ إلى أحداقِي في صباحٍ مدرسي كان يضمُّ الأطفالَ في صفوفهِ الباردةِ .بعيدا عنهم
ثلاثةُ مشردين بعمرِ الزهورِ قطفهم الفقرُ المدقعِ ، منظرهم المؤلمُ اقتحمَ العيونَ ،فسالت الأيادي عطاءً ، وامتلأتْ أكفهم مع الأكياسِ ،كان الحبورُ يركضُ أمامهم لايبالي بأقدامهم العاريةِ وأسمالِ ثيابهم المتسخةِ ، يهتمُّ بالنعمِ التي جمعاها وبالأحلامِ التي ستفرِّجُ كربهما ،
أولو العطفِ غفلوا عنهما مشغولون مثلي بالركضُ وراءَ أولوياتِ الحياةِ واكتشافِ واحاتٍ في صحراءِ الحاضرِ القاتمِ ، الشتاءُ القارسُ وحدهُ يلاحقهما بثيابهم الممزقةِ و أقدامهم العاريةِ تحتَ أنيابِ الصقيعِ الحادةِ .
آه ياوطني الحبيب ، متى أراكَ معافىً منتصراً ؟ و كيف لي أن أرى عصافيرُ السعادةِ تحلقُ على سرواتكَ و أسرابٌ من الفراشِ يحترقون تحت نيرانِ الجهلِ ، وقطيعُ من الطفولةِ يمتهنونَ التَّسولَ في ربيعِ العمرِ أمامَ مرايا الشَّمسِ ومدنِ السَّماءِ !
أينَ أنت ياوطني ؟ بحثتُ عنكَ كثيراً ، مددتُ يديَّ إليكَ لأقصي الظالمين ، و أعيدَ البريقَ لليتامى والمساكين فلم أجدكَ ، نسيتُ أوجاعي ، وخلعت أساورَ أحلامي ، لبستُ معطفَ الصبرِ ، خلطتُ مسحوقَ النهى بأكوابِ الإنسانيةِ ليرتفعَ منسوب الأملِ في نبضي ، فلا يسقطُ قلبي في أوحالِ اليأسِ القاتلِ
و جئتُ لأخبركَ عن جرادٍ عاتٍ غزا مدينتي الجميلةَ ، يلتهمُ أرزاقَ الناسِ بسبلٍ مواربةٍ وبحتكرُ خبزهم بحيلٍ خرافية ساحرةٍ ، يدفعهم للانحدارِ والانحطاطِ في عصرِ المعلوماتية والعولمةِ .
أخبرني أينَ أنتَ؟ ومتى ستعودُ ياموطنَ النورِ ، ياحلمَ المقهورينَ والفقراءِ ؛ لتمسحَ دموعهم وتنهمرَ عدلاً وعافيةً ؟
_________
مرام عطية


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"