الرئيسية » ملفات » جابر خليفة جابر : الرجل الغريق (ملف/11)

جابر خليفة جابر : الرجل الغريق (ملف/11)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

( الرجل الغريق )
جابر خليفة جابر

الورقة الأولى:
رجل حارب من دائرة الأمواج درجة
فتكالبتْ عليه تسع وخمسون وثلاثمائة درجة
فتح صدره .. فتناثرت محتوياته
حوصر فأبدع.. عُزلَ فاعتزل وتمزَّق
حاول اختراق الفراغ فسقط فيه
له حفرته التي يمتطي
وللآخرين الجياد
نراه ـــ في كل زمان ومكان ـــ ونعرفه
كما عرف الأسماك وراودها عن نفسها
وكما خَبطَ الماء وتخبّط فيه
إنه “رجل ما”(1)
حمل عدّة صيده واتجه للنهر موليا للجميع عجيزته
وحين غرق ثم انتشل
لم يعد مهما لديه – بعد ذلك – إن انتشل حيّا أو ميتا .
فاتحة:
هذا ما كتب في الورقة الأولى من مجموعة أوراق بالية متناثرة احتضنها قاع قارب مهجور هي ـــ على ما يبدو ـــ كل ما تبقى من ذلك الرجل الذي ربما تعمّد تركها هناك، كي تمر عليها بمرور الأزمنة بصمات لشفاه وعيون كثيرة تتجاوز أعدادها الآلاف وربما الملايين وهي تحاول تهجئة كلماتها التي تلاشت وتداخلت حروفها مع تلاشي وتداخل أسئلة كثيرة أطلقتها تلك الشفاه العديدة لتحتضن الأوراق البالية المبللة التي يحتضنها قاع ذلك القارب.
فمن أملى هذه الأوراق ومن كتبها؟
أهي حلم أم واقع؟ حقيقة أم خيال؟
قصة متنافرة متباعدة أم أقصوصات متجاذبة متكاملة؟
بعض من هذا أو ذاك أم الجميع معا؟
منهم من يظن أنها مسوّدات لقصائد سرقتْ، ومنهم من يراها أفكاراً معلبة خشية التلف.. وآخرون -هم الأقرب إلى الاعتقاد- يرون أنها تخطيطات أولية للوحة ما، عشقت النهر فتزوجته.
لكن الأمر يبقى مجرد ظنون، والواقع يقول إن هذه الأوراق ستقاوم إغراءات الإجابة طويلا، فبعد أسطر محاها بلل الماء، تقرأ في الورقة الثانية من أوراق ذلك الرجل ما يزيد الأمر غموضا وألغازا.

الورقة الثانية:
إحساس.. يشبه الفرح هو ما يراوده الآن..
هو الذي افتقد الفرح منذ زمان بعيد موغل في القدم ..
منذ زمان الكهوف فالقبائل، البطون، الأفخاذ، الأفراد، وأخيرا الآلهة
ورغم افتقاده الفرح ما زالت الأزمنة تلك تسميه فرحانا..
الفرحان بالأفخاذ أو الفرحان بالآلهة..
الأمر سواء لديه ومشهد غرقه المتكرر هوَ هوَ لم يتغير منذ الأزل.
كل أشيائه تنكّرتْ للفرح، طاردته إلى ما وراء غرقه وانتشاله وعودته إلى أعماق النهر فيما بعد، إلا جعبة أوراقه فهي لم تزل تخبّئ شيئا، أو لنقل شيئا شبيها به يقاسمه الرزق ويتجول معه أينما ذهب، إنّه توأمه الذي لأجله تأبط الرجل الغريق عدّة صيده وقصد النهر متلهفا لمراودة حوريات الماء عن نفسها وماسحاً بعينيه المتعبتين أقدام الشيراتون وأرداف سمراواته؛ ولأجله أيضا ـــ بعد أن تمطق لاعقا بلسانه بياض الدشاديش الحريرية وأبدان سيارات البيوك والكاديلاك ـــ استدار (180) درجة موليا عجيزته للجميع ثم ركل المشاهد كلها – بعصابية هي أقرب للجنون منها لأمر آخر – واستقر في قاع النهر ليمارس حياته في الماء كما اعتاد على ممارستها فوق اليابسة تُساعده على ذلك قدرة غامضة على التكيّف واستنشاق الأوكسجين المذاب في الماء.

الورقة الثالثة:
“وجه الورقة”
قبيل غرقه بلحظات وحينما كان يواجه الجميع بعجيزته الذاوية أبرقت الشفرات الوراثية بسرعة فاقت سرعة الضوء مسجلة ما سيحدث لصاحبها بعيد غرقه وقدمت لمراكز توجيه الجسم وأعضائه وعضلاته معلومات وراثية وأخرى مكتسبة عن كيفية التكيف مع الحياة المائية التي لم يسبق أن رأى الرجل مثيلا لها في الغرابة والتفرد، وبسرعة موازية استطاع جسم الغريق وعقله هضم المعلومات وتمثلها ليكتسب من خلال هذا الهضم والتمثل صفات وقدرات لم يكن يمتلكها وهو على اليابسة…
فقد أصبح بإمكانه بعد أن استقر في الماء أن يبعث أي عضو من أعضائه أو أية حاسة من حواسه في مهمات بعيدة عن مكانه في قاع النهر لتنقل إليه وبالألوان صورا لما يجري على الشاطئ .
ولم ينتظر الرجل طويلا أو قصيرا بل سارع إلى استخدام تلك القدرات لمعرفة أخبار أهله ـــ أهل الأرض ـــ وأطلق حواسه بواسطة أمواج ودوائر من الإحساسات المشعة التي كانت تنطلق وتعود إليه محملة بالأخبار المصورة عما يجري على شاطئ الكورنيش. حيث كان الناس – باعة ومتنزهين وعشاقا وجنودا وأشكالا آدمية مختلفة – يروحون ويجيئون أمامه جماعات ومثنى وفرادى وهم يتأبطون أو يحملون على ظهورهم أو في أحضانهم وطيّ ملابسهم وحتى تحت جلودهم حـيوانات شتى ..
ثعالب وأرانب وذئاب وببغاوات وحرباوات وأنواعا حيوانية غيرها ولم يرَ قطعا أي آدمي أو حوائية دون أن يكون معه أو معها حيوان من هذه الفصيلة أو تلك.
ومما رآه وعرفه عبر أمواج حواسه المرتدة إليه من خارج النهر، إن عدد الثعالب هو الغالب بين أعداد بقية الحيوانات، وهذا ما يتميز به أهل زمانه عن آدميي الأزمنة الماضية، لكنهم جميعا منذ زمان الكهوف وحتى زمان الآلهة يتصفون بملازمة الحيوانات لهم. فثمة دائما حيوانات تتخفّى طيَّ جلودهم، حيوانات كثيرة جدا، بعضها أكبر حجما من أجسام حامليها بعشرات المرات وبعضها أقّل حجما من ذلك أو بأحجام اعتيادية، وقلة منها صغيرة وأحيانا متناهية في الصغر لا تكاد ترى إلا بالمجهر، لكن أحدا من أهل اليابسة لم يكن يخلو من حيوان أو أكثر من تلك الحيوانات.

الورقة الثالثة:
“ظهر الورقة”
خَبطَ الرجل الغريق الماء إثر تلك الكشوفات المدهشة التي نقلتها إليه أمواج حواسه، وتخبّط فيه وهو يرى من مكانه في قاع النهر أفلاما جديدة وصورا لديناصورات ذوات أشكال وأحجام متنوعة لكنها جميعا تتقارب حجما وشكلا من الأقفال الاعتيادية..
رآها تتدلى من ألسنة الناس أو تتعلق متشبثة بشفاههم، وهي بتدليها وتعلقها تحتل وضعا لا يسمح لهم بالأكل والشرب والكلام إلا بواسطتها..
ولاحظ أيضا أو أخبرته بذلك حواسه، إن معظم الأفواه – إن لم تكن جميعها – تآكلت بتآكل الأزمنة وتكيفت مع ما تعلق بها من ديناصورات، ثم تطورت العلاقة إلى التآلف فالتبعية، ليمسي متعذرا عليها، في زمان الآلهة، أن تأكل أو تشرب أو تتفوّه بما لا يرضي الديناصورات.
“حاشية”
ثمة حقيقة تعرفها كل أحياء النهر، تقول إن باستطاعة أهل اليابسة التخلص من تلك الديناصورات بواسطة لوحة أزرار ومفاتيح الكترونية موجودة على صدر كل ديناصور، يمكن بواسطتها التحكم – باللمس أو بالتوجيه عن بعد – بآلية الديناصورات وبالتالي تحطيمها وهذا ما جعل الأقفال الديناصورية تخاف ضحاياها أكثر بسبعين مرة من خوفهم منها .
هذه الحقيقة يجهلها أكثر أهل الأرض والقلة العارفة بها نست أو تناست معرفتها بذلك، فمن استثمر منهم معرفته بهذه الحقيقة وحطم القفل المتعلق به لم يعش إلا قصيرا لأن الآخرين من أهل اليابسة ألقوا به في النهر بأوامر من ديناصوراتهم.
وقد تأكد للرجل الغريق – فيما بعد- إن الديناصورات هي التي أمرت ــ للحيلولة بينه وبين حواسه الخارقة ـــ بإطلاق غابات من الأذرع البشرية التي امتدت سريعا لإنقاذه من الغرق فانتشلته من النهر وانتشلت معه الورقة الرابعة التي سيذكر فيها ما جرى للرجل الغريق بعد انتشاله من النهر.

الورقة الرابعة:
فور انتشاله من النهر وإنقاذه من الغرق أُرسِلَ الرجل إلى مستشفى المدينة الكبير ووضعَ تحت العناية المركزة حيث أجريت له فحوصات دقيقة وشاملة ـــ حلل بوله وبرازه كل (6) ساعات وفصد دمه عدة مرات في أوقات مختلفة من اليوم وأجريت تخطيطات كهربائية عديدة للقلب والدماغ وأخذت لجميع أعضاء جسده وأحشائه صور إشعاعية ملونة ـــ قررَ بعدها كبار الأطباء الذين استنفروا لمعالجته ومعاينة حالته، إجراء عملية له لاستئصال جسم إشعاعي غريب بدأ بالنمو سريعاً داخل أنسجة قلبه.
لم تمضِ سوى لحظات على اتخاذ الأطباء لذلك القرار ـــ قرار إجراء العملية حتى أحيط الرجل الغريق علما بذلك بواسطة قدراته الخارقة، ولم يضع الرجل وقتا بعد علمه بهذا الخبر فأرسل عينهُ الجنوبية لتقصّي نوايا الجراحين ومعاينة صالة العمليات الكبرى، مُستبقياً عينهُ اليسرى لتراقبَ بحذر ويقظة ما يدور حوله….
وبُعيد لحظات من إرسالها عادت العين الجنوبية لتخبرهُ بما رأتهُ في صالة العمليات من أمر ذلك الغريق الذي طُرحَ على سرير أسود اللون والشراشف ووضع صدَره مفتوحاً وقد تناثرت محتوياته على منضدة سوداء قريبة بينما أحاطَ الجراحون بقلبهِ الموضوع بعناية على صحيفة زجاجية تحت عدسات مجهر الكتروني حيث شرعوا بتشريحهِ بمشارطهم بحثاً عن حلمٍ يشبه الورم الخبيث يزعمون أن قلب ذلك الغريق مصاب بهِ….
وما أن انتهت العين الجنوبية من رواية ما رأته وعادت إلى مكانها في نصف وجههِ الأيمن حتى حزم الرجل الغريق حقائبه وأوراقه وغادر المستشفى عائداً بأقصى سرعتهِ إلى أعماق النهر.

(1): قد أكون أنا هو الرجل، وقد تكون أنت وقد يكون هو.. وربما كنّا جميعا ذلك الرجل، “فنحن في جوهرنا نعيش في وحدة مخيفة لا تقدر” كما يقول “ريلكة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *