صلاح حزين : عبدالكريم كاصد في “زهيريات” كتابة المنفى في مواويل عراقية بالفصحى (ملف/8)

عبدالكريم كاصد في “زهيريات” كتابة المنفى في مواويل عراقية بالفصحى 

الكاتب: صلاح حزين

لا يعتبر حجم المنجز الشعري للعراقي عبد الكريم كاصد كبيراً من حيث الكم. فهو على مدى ثلاثين عاماً لم ينشر سوى تسعة كتب شعرية، لكن هذا المنجز كبير بمقياس آخر هو التجريب، فكاصد الذي نشر ديوانه الأول “الحقائب” عام 1975، واحد من أكثر أبناء جيله من الشعراء العراقيين ميلاً للتجريب. وبدأ رحلته مع التجريب الشعري عبر ديوانه الثاني “النقر على أبواب الطفولة” بغداد 1978 وحوله بأكمله ما يشبه سيرة ذاتية شعرية لمرحلة الطفولة التي عاشها في مدينة البصرة، كتاب شعري، وفي الوقت نفسه كتاب عن ذكريات الطفولة يميزها أنها كتبت شعراً، كتاب/ مذكرات ضمنه المؤلف الشاعر رؤيته الى الحياة الشعبية في مدينة البصرة كما عاشها طفلاً في الخمسينات من القرن المنصرم، كتبها كما تذكرها شاباً بعيني الطفولة التي تربطها بالشعر الذي هو طفولة الفن وطفولة اللغة. انها وشائج أعطت الديوان خصوصية فنية من جهة ومضت بالشاعر نحو التجريب الذي سيواصله في ما بعد عبر كتابته القصيدة الحديثة وقصيدة النثر وشعر العامية العراقية، وعبر صوغ حكايات في شكل قصائد قصيرة منفصلة تشكل في النهاية مشهداً ينتمي إلى عالم القصة بقدر ما ينتمي إلى عالم الشعر كما في “حكايات من الحمراء” التي ضمنها ديوانه “قفا نبك” دمشق 2003.

 

في ديوانه الجديد “زهيريات” الصادر عن دار الكندي عمان الأردنية يواصل عبد الكريم كاصد رحلته مع التجريب بالعودة إلى الزهيريات، وهي شكل قديم من أشكال الشعر الشعبي المنتشر في جنوب العراق والكويت بتركيبتها الشبيهة بتركيبة الموال، ليصب فيها آلام النفي والغربة التي طالت وتحول المنفى خلالها واقعاً تنكسر على صخرته أحلام العودة التي إن حدثت فإنها ستظل تحمل ألم المنفى وعذاب الغربة الطويلــة.

 

وقد استخدم كاصد الزهيرية في شكلها التقليدي المكون من ثلاثة أبيات في قافية واحدة ثم ثلاثة أبيات في قافية مختلفة وتختتم ببيت مفرد يبدو مكملاً من حيث المعنى وكذلك القافية للأبيات الثلاثة الأولى. واستخدم أيضاً الزهيرية الرباعية المكونة من أربعة أبيات الثلاثة الأولى منها على قافية واحدة والرابع بقافية مختلفة.

 

يستهل كاصد كتابه الجديد بزهيرية تقول:

 

“يا صاح حالي شكت في غربتي حالك

 

نجمي ضرير ونجم الناس أوحى لك

 

والدرب ما ضرني لكن أوحالك

 

حيران أبكي على وهم مضى أو عاد

 

ما عدت أدري صديق عادني أم عاد

 

في كل يوم لنا عرس وناع عاد

 

هل أشتكي حالتي أم أشتكي حالك”؟

 

بهذه الزهيرية يُدخل عبدالكريم كاصد القارئ في عالم شعري خاص يمزج فيه بين شكل شعبي قديم تعود الشاعر من خلاله أن يشكو مكابدات العشق وخذلان الأصدقاء وغدر الزمان، أو يقدم بعض التأملات في الحياة كما خبرها في صورة مواويل موجعة في حزنها، وموضوع جديد على الشعر العراقي الحديث هو موضوع المنفى الذي لم يعرفه العراقيون من قبل خلال تاريخهم الطويل.

 

على هذا المنوال من جمع النقائض يمضي كاصد في زهيرياته السباعية والرباعية ليصوغ ما يمكن أن يسمى كتاب المنفى بآلامه وقد ينقضي المنفى من دون أن تنقضي الآلام.

 

لكن ما يعطي تجريب كاصد أهميته في هذا الديوان لا يأتي فقط من استخدام شكل شعبي محلي قديم إطاراً لتجربة إنسانية جديدة، بل يأتي أيضاً من ذلك الثقل الفكري والفلسفي الذي أضفاه على تأملاته الخاصة محملاً الزهيريات أبعاداً إضافية تتجاوز التناقض الأولي بين الشكل القديم والموضوع الحديث إلى أبعاد جديدة لم توجد لها في الأصل.

 

“ساءلت نفسي وهل نفسي عليّ ترد/تبغين ظلاً وفي المنفى لنا مبترد/في حومة أنت أم في جنة لم ترد/ساءلت نفسي ونفسي في لظاها تدور/ما بين ناس تهادوا وبين دار ودور/هل دارت النفس في أرض لها لا تدور/أم ضــلت النفـــس فـــي أرض فـــلا تســـترد”.

 

وقد استدعى هذا الثقل الفلسفي والفكري الذي صاغ به كاصد زهيرياته لغة خاصة وصلت أحياناً حد استخدام مفردات قديمة, خالقاً بذلك جمالية خاصة ناشئة عن ذلك التناقض بين لغة الزهيرية التقليدية المتميزة ببساطتها ومباشرتها، وزهيرية كاصد بلغتها الكلاسيكية ومفرداتها القديمة التي تتنافر ألفاظها وتتقارع حروفها على مدى أبيات الزهيرية:”في ليل منفاي روحي أضرمت نارها/حرب ترى ما أرى أم حاطب نارها/يا حاطب الليل أشفق بالذي نارها/أقبلت أخلي قتيلي في نهار يشب/جسمي رماد وروحي جمرة لا تشب/حتى إذا ضمني ليل وليلي أشب/ألفيت روحي بقفر جاورت نارها”.

 

لكنّ كاصد لم يهمل تلك الوشيجة بين التأمل الشعبي الذي يعد في صورة ما نوعاً من الفلسفة الشعبية وشكل الموال المغنى, فصاغ زهيريات أقرب إلى المواويل الحزينة المغناة من دون أن يتخلى عن عمق الفكرة من جهة واللغة الكلاسيكية بإيقاعاتها المؤثرة وتقارع حروفها أو تواليها أو تكرارها من جهة أخرى:

 

“ما زلت أدفع أتراحاً بأتراح/حتى تعبت وما في الكاس من راح/حتام أوصل مني الراح بالراح/ليلي كفجر وفجري تائه كالليل/يرنو ضريراً ويعدو صائحاً بالليل/يا ليل يا ليل يايا ليل يايا ليل/همي استراح فما همي وما راحي”؟

 

لم يُخلّ كاصد بمعادلة النقائض، إن جاز التعبير، في الزهيريات الرباعية المكونة من أربعة أبيات والتي خصص لها قسماً من الكتاب، من حيث استخدام اللغة الكلاسيكية في قوتها التعبيرية واللغوية وكذلك في التركيز على موضوعة المنفى، وهو ما ساعده على المحافظة على مستوى شعري رفيع على رغم تغير الشكل التعبيري:”يا لائمين ارتوى من عودكم عودي/يوم وثانٍ وقلنا للخطى عودي/واليوم ما في يدي منكم سوى عودي/أخطو على دربكم قلبي مع الخطوات”.

 

وفي صورة ما يمكن النظر إلى زهيريات عبد الكريم كاصد الرباعية باعتبارها نقيضاً لرباعيات الشاعر الكبير صلاح جاهين الذي استعار شكل الرباعيات الذي ابتكره الشاعر الفارسي عمر الخيام وصاغ فيه تأملاته في الحياة والموت, وصاغ فلسفته وحكمته الخاصة. ولكن في حين أن جاهين استعار شكلاً كلاسيكياً قديماً هو شكل الرباعية لصوغ تأملاته بالعامية المصرية، فإن كاصد استعار شكل الزهيرية الشعبي لصوغ تأملاته حول المنفى بصفته نوعاً خاصاً من الحياة مستخدماً لغة كلاسيكية رصينة منحت الزهيريات بعداً جمالياً إضافياً.

 

وعلى رغم أن كاصد ضمن كتابه “زهيريات” قصائد بعضها كلاسيكي وبعضها بالعامية، فإن جهد الكتاب الأساسي هو تجربته في الزهيريات التي أعاد إحياءها في صورة تجمع جماليات الكلمة إلى عمق الفكرة قاطعاً خطوة مهمة في طريق التجريب الذي بدأه قبل نحو ثلاثين عاماً.

*عن صحيفة الحياة
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *