حسين سرمك: في كتابه الخطير (تشريح التدميرية البشرية): كيف حلل “إريك فروم” شخصية ستالين؟

اقدم هنا وقفه خاصة استعرض فيها الكيفية التي حلل بها المحلل النفسي الشهير (اريك فروم ) شخصية  ( جوزيف ستالين )  لما فيها من دروس مهمة تهم الحياة السياسية العربية.

حسب نظرية إريك فروم يعتبر ستالين أحد الأمثلة التاريخية البارزة على السادية الذهنية و البدنية على السواء فسلوكه وصف مدرسي للسادية غير الجنسية كما كانت روايات ( دوساد ) وصفا مدرسيا للسادية الجنسية. كان ستالين من أمر بتعذيب السجناء السياسيين منذ بداية الثورة ، وهو أجراء كان الثوريون الروس حتى زمن إصدار هذا الأمر ينأون بأنفسهم عنه. وفي ظل حكمه فاقت طرق التعذيب التي استخدمها رجال المخابرات في الإتقان والقسوة أي شيء فكرت فيه الشرطة القيصرية .وفي بعض الأحيان كان يصدر الأوامر شخصيا حول نوع التعذيب الذي يجب أن يعذب به السجين .وكان على الأكثر يمارس السادية الذهنية .وكان أحد الأشكال التي يستمتع بها ستالين هو طمأنة الناس أنهم في أمان ،وما ذلك إلا ليوقفهم بعد يوم أو يومين .ولاريب أن التوقيف يصدمهم بأقسى ما تكون الصدمة لانهم كانوا يشعرون شعورا خاصا بالأمان ، وإلى جانب ذالك ،كان ستالين يتمكن من التمتع    با للذة السادية في معرفة مصير الرجل في الوقت الذي يطمئنه برضاه عنه . وماذا يوجد أكبر من التفوق والسيطرة على مصير شخص آخر ؟

ثم يقدم لنا فروم مجموعة أمثلة على شخصية ستالين السادية استقاها من كتاب ( ميد فيديف ) – let history jude-:

1- طمانه الشخص ثم اعتقاله أو إعدامه :

قبل توقيف بطل الحرب الأهلية (د.ف.سرديتش ) شرب ستالين معه ( نخب الأخوة ) وقبل بضعة أيام من إعدام ( بليوفر ) تكلم معه ستالين بحميمية في أحد الملتقيات . أكد ستالين لوفد أرمني أن الشاعر (تشارنتس ) لن يمس ولكته اعتقله واعدمه بعد بضعة أشهر. اتصل ستالين بزوجة النائب ( اسيربيرو فسكي ) ذات مساء وقال لها بأنه سيرسل لها سيارة إلى أن يتم إصلاح سيارتها لأنه سمع انها تمشي على قدميها .وفي الصباح التالي وصلتها سيارة من الكرملين لتستخدمها ، ولكن تم اعتقال زوجها واخذ من المشفى مباشرة . طمأن ستاليف المؤرخ ( ستيكلوف ) ابان الحرب بانه يثق به وعليه أن لا يقلق ، وفي الليلة عينها جاءه رجال المخابرات واعتقلوه .وفي 1938 سقط ( كولوف ) أمين خزينة الاتحاد السوفيتي و أصيب بارتجاج خطير في الدماغ .فاوعز ستالين بإحضار الجراحين البارزين من الخارج لإنقاذ صديقه المفضل، وبعد مدة طويلة من المعاناة والشفاء والنقاهة ، عاد إلى عمله ، فأعتقله ستالين وأعدمه رميا بالرصاص  .

2- يتمثل الشكل المتقن لسادية ستالين في عادته توقيف زوجات كبار الموظفين السوفيت – وأحيانا أطفالهم – وبقائهن في معسكر تشغيل المعتقلين في حين يستمر أزواجهن في مناصبهم ينحنون أمام ستالين من دون أن يجرأوا على المطالبة بالإفراج عنهن . لقد جرى توقيف زوجة ( كالينن ) رئيس الإتحاد السوفيتي سنة 1937 وزوجة ( مولوتوف ) وزوجة ( كوسينن ) وأرسلوا جميعا نساء وأطفالا إلى معسكر الإعتقال .وذات مرة سأل ستالين صديقه العزيز(كوسينن) بتواضع وادب  أن لماذا لم يتوسط لا طلاق سراح أبنه فقال كوسينن ( من الواضح أن هناك أسبابا وجيهة لاعتقاله ) فضحك ستالين وأمر بإطلاق سراح أبن كوسينن .وقد كلف كوسينن مدبرة شؤون منزله بإيصال جعب وحقائب  زوجته إلى معسكر الاعتقال ولم يقم بذالك بنفسه .كما قام ستالين بتوقيف زوجة سكرتيره الخاص في حين ظل زوجها في منصبه. ويعلق فروم على هذه الحوادث المفزعة بالقول : لا يتطلب الكثير من الخيال أن تصور المهانة الشديدة التي لحقت بهؤلاء الموظفين الذين لم يستطبعوا ترك وظائفهم ، ولم يستطيعوا أن يطلبو الإفراج عن زوجاتهم أو أبنائهم وعليهم أن يوافقوا ستالين على أن التوقيف كان مبررا ، فإما أن هؤلاء الناس عديمو المشاعر تماما ، وأما أنهم معطوبون أخلاقيا وقد فقدو كل إحترام للذات وإحساس بالكرامة .ومن الأمثلة البليغة على ذالك هو رد فعل شخص من أقوى الأشخاص في الإتحاد السوفيتي هو ( لازار كاغانوفيتش ) الذي أتصل به ستالين وأخبره بأن أخاه ( ميخائيل ) وكان وزيرا لصناعة الطيران قبل الحرب يجب توقيفه بتهمة التعاون مع الفاشية . فقال ( لازار ) اعتقلوه إذا كان ذالك ضروريا .رتب ستالين لقاء بين ميخائيل والشخص الذي شهد ضده بحضور لازار . وعندما سمع ميخائيل الشهادة طلب الإذن له بالذهاب إلى المرحاض ، وهناك سمع صوت عيار ناري بعد بضع ثوان .

3- ومن مظاهر سادية ستالين هو عدم إمكان توقع سلوكه .فهناك حالات فيها أناس أمر بتوقيفهم ولكنهم بعد التعذيب والأحكام القاسية أطلق سراحهم بعد عدة أشهر وسنوات وعينوا في مناصب رفيعة ، من دون تغير في أغلب الأحيان .ومن أهم الأمثلة هو سلوك ستالين نحو رفيق النضال السري ( سيرجي كافتارادزه ) الذي ساعده على الاختباء والتواري عن أعين الشرطة السريين في ( سانت بطرسبورغ ) .وقد اعتقل كافترادزه بوصفة تروتسكيا سابقا فكتب رسالة إلى ستالين يقول فيها أنه لم يكن يعمل ضد الحزب فأعاده من المنفى على الفور .وسرعان مانشر كافتارادزه مقالة عن عمله السري مع ستالين . فأحب الأخير المقالة .ولكن الأول لم يعد يكتب شيئا حول هذا الوضع ، ولم يعد حتى إلى الحزب وعاش من عمل متواضع .

وفي نهاية عام 1936 تم توقيفه فجأة مع زوجته .وبعد التعذيب حكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص بسبب التخطيط مع ( بوردو مديفاني ) لقتل ستالين .وبعيد صدور الحكم تم إعدام ( مديفاني ) ولكن كافتارادزه تم إبقاؤه في زنزانة الموت مدة طويلة .ثم اخذ إلى مكتب ( بيريا ) حيث قابل زوجته ، التي شاخت إلى حد أصبحت من الصعب التعرف عليها وتم الافراج عن كليهما .وفي البدء عاش في أحد الفنادق ثم حصل على غرفتين في شقة مشتركة وبدا يعمل واخذ ستالين يظهرله شتى علامات الإستحسان فيدعوه إلى الغداء وفي إحدى المرات قام بزيارته مع ( بيريا ) – وقد أغمي على إحدى الجارات عند ما ، حسب كلماتها ، ظهرت في العتبة صورة الرفيق ستالين – وعندما كان ستالين يدعوه إلى الغداء كان يصب له الحساء بنفسه ، ويروي النكات ، ويستعيد الذكريات .ولكن ستالين في إحدى مناسبات الغداء هذه ، هب فجأة في وجه ضيفه وقال : (ومازلت تريد قتلي )

وقفة (1) : لا أعلم لماذا قدم فروم أمثلة مبتسره على جوانب محددة من سلوك ستالين السادي .لماذا اغفل طفولته المضطربة مثلما فعل مع هتلر؟ دوره في تصفية رفاقه في المحاكمات الشهيرة؟ وغير ذلك العشرات من الشواهد ولعل أكثرها دلالة هو تسببه في انتحار زوجته بعد أن أهانها بقسوة أمام رفاقه في جلسة عائلية. إني اعتقد أن كتاب ( إسحاق دويتشر ) الضخم (ستالين ) هو مرجع لا غنى عنه لكل من يريد تحليل شخصية ستالين نفسيا ولكننا لم نجد هذا الكتاب في ثبت المصادرولا ادري هل أن السبب هو صدور كتاب دويتشر بعد صدور كتاب فروم .

وقفة (2) : لدي فرضية نفسية لم يشر أليها الباحثون في مجال التحليل النفسي سابقا حسب إطلاعي وهي أن السلطة المطلقة قد توقع (الأتا الأعلى- الضمير) في مصيدة لاشعورية ماكرة تتمثل في النظر إلى تصافق الأتا و الهو لتمرير اشد الحفزات السادية شراسة على أنها مظهر لاستعادة القدرة الكلية المسخرة الأن لتحقيق مصالح (عامة ) توفر الغطاء لانفلات نرجسي مدمر يقرب من الوجه الباطش للآلهة الحانية القديمة ولا يضعف من ذالك حقيقة أن الوجه الأخر للشعور بالعظمة هو الشعور بالإضطهاد وأن كل المحيطين بالطاغية يحسدونه ويحاولون الإطاحة به .ومن المفاتيح المهمة لتحقيق هذه التقلة هو تحويل الفرد إلى موقع الحاكم الأوحد بعد طول قمع وكبت للدوافع المدمرة.

يقول قروم: يرينا سلوك ستالين في هذه الحالة – حالة (كافتارادزه ) – بوجه خاص عنصرا مهما في طبعه هو الرغبة في أن يظهر للناس أنه يمثل السلطة المطلقة والسيطرة المطلقة عليهم .فبكلمة منه يمكن أن يقتلهم ، وأن يعذبهم ، وأن ينقذهم ثانية ، وأن يكافئهم. أن له قدرة الله على الحياة والموت ، والقدرة على أن يجعل الطبيعة تنمو وتغنى ، وعلى الإيلام وعلى الشفاء . فالحياة والموت يعتمدان على هواه.

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *