قصة مترجمة : استفسار  AN INQUIRY
انتون جيكوف
ترجمة : زيد الشهيد

قصة مترجمة

استفسار  AN INQUIRY

انتون جيكوف

       ترجمة : زيد الشهيد

كان الوقتُ منتصفَ النهار عندما خلع فولديروف الرجلُ الريفي الطويلُ المربوع ذو الشَّعرِ المقصوصِ والعينين البارزتين مِعطفَه . مسحَ بمنديلهِ الحريري وجهَه ؛ وبطلعةِ خَجلٍ تعتلي سيماه دخلَ المكتبَ الحكومي . 

في المكتبِ وجدَهم  يخربشون على الورق .

– ” أينَ بمقدوري الاستفهام هنا ؟”  متوجِّهاً بالسؤالِ إلى رجلٍ مرَّ حاملاً صينية عليها أقداحٌ قادماً من غرفةِ الاستراحةِ البعيدة .

– ” عليَّ التقدُّمَ بطَلبِ استفسارٍ هنا وأخذُ نِسخةٍ من قَرارِ المَجلس .”

– ” اسلُكْ هذا الدربَ ، رجاءً .. عندَ  الموظفِ المحاذي للنافذة .”.. قال الرجل ، مشيراً بيدِه التي تحملُ الصينيةَ إلى النافذةِ البعيدة .

تحرَّك فولديروف صوبَ النافذةِ وهو يَسعلُ .. وهناك ؛ عندَ منضدةٍ خضراءَ ملوثةٍ بالتيفوئيد يَجلسُ شابٌّ بشَعرٍ نافرٍ ، وأربعُ خصلاتٍ تنتصبُ على رأسِه ، مع أنفٍ طويلٍ تَظهر البثورُ واضحةً عليه ، وببدلةٍ رسمية طويلةٍ باهتةِ اللون . يكتبُ وأنفُه الطويل يحاذي الأوراقَ فيما ذبابةٌ تدبُّ جوار منخرهِ الأيمن . شفتُه السفلى تتدلّى أسفلَ فمِه مانحةً وجهَه تعبيراً  يوحي بهمٍّ كبير .

– ” هل بالإمكانِ تسجيلُ طلبِ استفسارٍ هنا …. لديك ؟ .. اسمي فولديروف … وبالمناسبة ! عليَّ أنْ آخذَ نسخةً من قرارِ المجلسِ  ليومِ الثاني من مارت / آذار .”

غمسَ الكاتبُ قلمَه في قنينةِ الحبر وراحَ يطالع إنْ كان التقطَ كميةً وافرةً من الحبر . عندما اقتنعَ أنَّ القلمَ لنْ يسبَّبَ بقعةَ حِبرٍ شرعَ يُخربِّش على الورقة .. دفَعَ شفتَه خارجاً لكنْ لا ضرورة لأنْ تُصدر نفخةً بينما استقرَّت الذبابةُ على أذنه .

– ” هل بالإمكان تسجيل قضيةِ استفسار هنا ؟ ” أعاد فولديروف سؤالَه بعد دقيقةٍ ..” اسمي فولديروف .. أنا صاحب أرض . ”

– ” ايفان الكسيتج ” . أطلق الكاتبُ صوتَه في الهواء كما لو أنَّه لم يُلاحظ فولديروف .” هَلّا تُخبِر التاجرَ ياليكوف عندما يأتي كي يوقِّع نسخةَ الشكوى التي قدَّمها إلى  البوليس ؟ .. لقد طلبتُ منه آلاف المرات ! ”

– ” أتيت لأجل دعوى لي مع ورثة الأميرة غوغولين .” .. غمغم فولديروف بشيءٍ من التذمُّر .. ” القضيةُ معروفةٌ جداً. اتضرَّعُ اليك أنْ توليني اهتماماً .”

تواصل فشل فولديروف في اثارةِ انتباهِ الكاتب الذي قبضَ على الذبابةِ التي هبطَت على شفتِه . حدَّق بها ثمَ دفعَها بلطافةٍ . تَجشأ الرجلُ الريفي وتمخَّط بمنديلٍ سَحبَه من جيبِه لكنَّ محاولتَه هذه لم تُجدِ هي الأخرى نفعاً . فما زالَ الكاتبُ لم يستمِع ، والصمتُ أخذَ ما يربو على الدقيقتين . 

أخرجَ فولديروف روبلاً من جيبه ووضعه على كتاب مفتوح كانَ أمام الكاتب . قطبَ الكاتبُ حاجبيه وغضّنَ جبهتَه . سَحبَ الكتابَ اليه وبملامحٍ بَدَت عليها اللهفةُ أغلقَه .

– ” استفسارٌ بسيط .. فقط اردتُ مَعرفةَ ميراث الاميرة غوغولين .. هل اتسبَّبُ لكَ بإشكالٍ ؟ ”

انغمرَ الكاتب بأفكارِه ، قليلاً  ونهضَ  .. بمرفق يحتك شَقَّ طريقَهُ صوب دولاب لإداء شيءٍ ما . عادَ بعدَها  لمنضدته  ليجدَ روبلاً آخرَ على الكتاب .

– ” سأضايقُكَ بدقيقةٍ واحدة .. فقط اريدُ أنْ استفسر .”

لم يولِ الكاتبُ أُذناً صاغية ، وشرعَ بنسخِ شيءٍ ما فيما عبسَ فولديروف وتطلَّع بأملٍ ناضبٍ للأخوَّةِ الانسانيةِ المُفكَّكة برمتِها .

– ” إنَّهم يكتبون .” .. فكّر ؛ وتنهد متحسراً .. ” إنَّهم يكتبون ..  أيَّها الشيطان خذهُم جميعاً إلى جهنم .”

تحرَّكَ مبتعداً عن المنضدةِ وتوقَّف في وسطِ الغرفةِ وقد تراخَت يداه على جسدِه بخيبةِ أملٍ كاملةٍ . ابصرَ العاملُ حاملُ الصينيةِ  والاقداحِ الحيرةَ مرسومةً على وجهِ فولديروف ، فاقتربَ منه وهمسَ بصوتٍ خفيض :

– ” ها ؟ هل حصلتَ على جوابٍ لاستفسارِك ؟”

– ” لقد طرحتُ عليه السؤالَ لكنَّه لم يكلف نفسَه ويكلِّمني .”

– ” اعطه ثلاثَ روبلات .” .. همس العامل .

– ” اعطيته تواً روبلين .”

– ” اعطه الثالث .”

عاد فولديروف الى المنضدةِ ووضعَ ورقةً خضراءَ على الكتابِ المفتوح .

سحب الكاتبُ الكتابَ اليه وطفقَ يُقلِّب صفحاته .. وفي لمحةٍ رفعَ عينيه إلى فولديروف ، والتمعَ أنفه وقد بدا محمراً ومتغضناً .. رسمَ ابتسامةً سبقت السؤال:

– ” ها ، ماذا تريد ؟ ”

– ” اريد أنْ استفسرَ عن قضيةٍ تخصُّني .” .. اسمي فولديروف .

– بكلِّ سرور .. قضيةُ غوغولين ، أليسَ كذلك ؟ جيد جداً .. عن أي شيءٍ هي بالضبط ؟

راح فولديروف يشرحُ له الأمر .

أظهرَ الكاتبُ حيويةً  وصارَ يدورُ ويلف كأنَّه وسطَ اعصارٍ ، مُظهراً اهتماماً كبيراً ، ، مُقدِّماً المعلومات اللازمة . مُصدراً نسخةً من القرار ، عارضاً كرسياً لصاحبِ الالتماسِ كي يَستريحَ عليه . كلُّ ذلك حَصلَ بلحظةٍ واحدة  مَصحوبةً بالتحدَّث عن الطَّقسِ ، والتساؤلِ عمّا بعدَ موسمِ الحَصاد حتى … وعندما تَحرك فولديروف خارجاً هبَّ متحركاً برفقته حتى السلم بطاعةٍ واحترام ، مُظهراً الاستعداد للارتماءِ في أيِّة لحظة أمامَ أقدامِ الرَّجل … شعرَ فولديروف بعدمِ الارتياح لما حدَثَ وما رأى . وأمام  ما اظهره الكاتب من طاعةِ ودونيةِ أخرج روبلاً من جيبه واعطاه إيَّاه وسطَ استمرارِه في الركوعِ والابتسام ، آخذاً مثل بهلوان الروبل الذي بدا كأنَّه يبرقُ في الهواء . 

– ” أيُّ أُناسٍ هؤلاء ؟! ” فكَّر الرجلُ الريفي الرزين وهو يَخطو خارجاً إلى الشارع .. توقَّفَ قليلاً ليمسحَ بمنديلِه الحريري وجهَه ، ويواصل السَّير .

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : أنين .

رضوض بسيطة ظهرت عليه إثر سقطته، عولج منها، واستُبدل المقعد بآخر أفضل من سابقه، المقعد …

| د. قصي الشيخ عسكر : نشرة أخبر السيرك – من قصص اللمحة.

الموجز طار القفص المشاهدون قطط وكلاب الظلام يهبط الفيل حيوان مفترس الكلب يخلع ثوبه شئ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *