تابعنا على فيسبوك وتويتر

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

في انتظار كودو
جاءت بعد انتظار سنين ، فأراد أن يسميها أمل ، لكن زوجته ، غفر الله لها ، أصرت أن تسميها صبرية ، تيمنا باسم خالتها الحبيبة الراحلة صبرية .
وكما تنمو فتيات الحكايات ، راحت صبرية تنمو وتكبر ، ودخلت المدرسة ، وكانت الأولى دائما ، في الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، وحتى عندما دخلت كلية الهندسة ، كانت الأولى على مجموعتها ، وأخيرا أخذت الشهادة الجامعية ، ووضعتها في إطار زجاجي جميل ، وعلقتها على حائط غرفتها ، وجلست .. تنتظر جودو .

إلى أين ؟
تألمتُ عندما عنفها الموظف الصحي ، لا لخطاء ارتكبته ، وإنما لمزاجه العكر ، الذي ﻻ يحتمل ، وخرجتْ المرأة المسنة منكسرة ، دامعة العينين ، وبعد أن أخذتُ دوائي خرجت متعكراً من المستوصف .
وعلى الرصيف ، رايتها تسير أمامي بحيرة وبطء ، وحين حاذيتها ، قلت لها : ﻻ عليك منه ، انه عكر المزاج هكذا دائما .
وتنهدت المرأة المسنة ، وقالت : هذا حظي الأسود ..
وصمتت لحظة ، ثم قالت وكأنها تحدث نفسها : لو كان لي شيء من الحظ لبقي زوجي على قيد الحياة ، كان يدللني ، وخاصة بعد أن صار لنا ولد وبنت ، والآن وقد رحل ، وتزوجت ابنتي ، وتزوج ابني ، ﻻ احد يريدني ، زوجة ابني ﻻ تحتملني ، وزوج ابنتي ﻻ يريدني ..
وتوقفت ، وراحت تتلفت حائرة ، وهي تقول : إلى أين اذهب ؟

أبو فارس
جاءني أبو فارس مرة ، وجلسنا كالعادة في حديقة منزلي ، وقال لي عبر دخان سكارته ، وفنجان القهوة أمامه : طلال ، يبدو أنني خرفت .
ضحكت ، وقلت : اطمئن ، يا أبا فارس ، أنت آخر من يخرف منّا .
فقال : اسمع ، كنت اليوم في باب الطوب ، لأستقل سيارة إلى البيت ، وإذا أحدهم ينقض عليّ ، ويأخذني بالأحضان والقبلات الحارة ، وهو يقول : كيف حالك ، يا أبا فارس ؟ مشتاق جداً إليك .
نظرت إليه مليّا ً ، لم أعرفه ، أهو يُمثل عليّ ؟ أم أنه صديق قديم ، لم أره منذ فترة طويلة حتى نسيته ؟ مهما يكن ، وعلى عادتي في حالة كهذه ، قلت له : أخي صدر لي كتاب جديد ، وأريد أن أهديك نسخة منه ، أعطني اسمك الثلاثي لأكتب لك الإهداء .
فقال لي مستغرباً : ماذا جرى لك ، يا أبا فارس ؟ أيعقل أنك نسيتني ؟
فقلت له : أخي لم أنسك ، وكيف أنساك ؟ فقط أعطني اسمك الثلاثي لأهديك الكتاب .
فقال لي مستنكراً : أبو فارس ، أنا عبد الباري .
وضحكتْ ، فعبد الباري هو صديق عمره ، وهو أيضاً موظف معه في نفس الدائرة لأكثر من ” 25 ” عاماً ، فهل خرف أبو فارس ؟

رائد

رغم الغبار الكثيف ، وأزيز الرصاص ، والإنفجارات المتتالية ، تناهى إليّ الصوت الفاجع لجارتنا ” أم رائد ” : النجدة .. مات ابني .. مات رائد .
وتفجرتْ الدموع في عينيّ ، وأسدلت ستاراً أمام نظري ، الذي أغشاه الغبار الكثيف ، والانفجار الهائل ، الذي دمّر بيتنا وبيوت الجيران .
وخرجت من بين الأنقاض ، التي أبعدتها أمي عن جسدي النحيل ، ووقفتُ والغبار يرتديني فوق ملابسي الممزقة ، وتحسستني أمي مرتجفة قلقة ، وهي تقول : اطمئني ، يا بنيتي ، أنتِ سالمة .
وارتفع صوت ” أم رائد ” المدمى ، المجروح ، فوق أزيز الرصاص ، والانفجارات المتتابعة : رااائد .
رائد ، الشاب ، يكبرني ربما بأكثر من سنتين ، انتبهتُ إليه ، وأنا في حدود العاشرة ، يطيل النظر إليّ بعينيه الخضراوين ، أشحتُ عنه بوجهي في البداية ، لكن مع الزمن استهواني نظره إليّ ، بل ورحت أبادله النظر بين حين وآخر .
ارتفع صوت ” أم رائد ” : رائد .. رائد ..
وارتفع بكائي ، لم تلتفتْ أمي إليّ ، فقد انهمكتْ بسحب أخويّ من تحت الأنقاض ، وتحسستْ جسديهما الضامرين ، وهي تغمغم : حمداً لله ، أنتما بخير .
وصاح أحد أخويّ : بابا .
وكان بابا قد نهض مترنحاً من بين الأنقاض ، والدماء تغط وجهه ولحيته الكثة ، التي وخطها الشيب ، وقال : اطمئنوا ، أنا بخير .
ومع ارتفاع عويل ” أم رائد ” ، ارتفع بكائي ، وأغرقت الدموع عينيّ ووجهي المغبر ، فالتفتت أمي إليّ ، وقالت : كفى ، يا بنيتي ، أبوكِ وأخواكِ بخير .
وارتفع بكائي أكثر وأكثر ، حتى غدا كالعويل ، حين ارتفع الصوت الفاجع : رائد .. رائد .. رائد .

عبد يابا
فزّتْ مرعوبة ، وهي تشهق من أعماقها ، حين زلزل الدنيا انفجار ، كأن القيامة قد قامتْ ، وهتفتْ مستنجدة بصوتها المختنق : عبد يابا .
اعتدلتْ في فراشها الرث ، ومسحت بيديها الشائختين ، اللتين شارفتا على التسعين ، وجهها الذي ملأته السنون الصعاب بالأخاديد العميقة .
يا له من كابوس ، وتنهدتْ من أعماقها اليابسة ، متى ينتهي هذا الكابوس ؟ وأغمضتْ عينيها المتعبتين ، سينتهي ، كما انتهى غيره ، وكما انتهى كلّ من كان حولها ، وغدت حياتها صحراء .
وتلفتتْ حولها ، أهو الليل ؟ الظلام يعمّ الغرفة ، لكنها عندما غفت ، ربما منذ أقل من ساعة ، كان النهار في كلّ مكان ، داخل غرفتها ، وفي الفناء ، وفوق أغصان شجرة التوت المعمرة ، وأوراقها الزاهية الخضرة ، وحتى على زقزقة العصافير .
وتحاملتْ على نفسها ، ونهضتْ بصعوبة متقطعة الأنفاس ، الهواء هنا ثقيل ، يخنقه الغبار ، ترى من أين جاء الغبار ؟ فلتخرج إلى الفناء ، وتجلس قليلاً تحت شجرة التوت المعمرة ، وتستنشق بعض الهواء النقي ، المفعم برائحة أوراق شجرة التوت ، وثمارها الصغيرة ، التي لم تنضج بعد .
وتوقفتْ متلفتة ، مذهولة ، وقد اتسعت عيناها الكليلتان أين باب الغرفة ؟ وأين الشباك الصغير ، المطلّ على الفناء ، الذي تتوسطه شجرة التوت المعمرة ؟
ما مرّ بها إذن ، لم يكن كابوساً ، بل أسوأ من الكابوس ، فالكابوس مهما كان ثقيلاً وطويلاً ، يمكن أن تفيق منه وينتهي الأمر ، كان إذن حقيقة ، نعم ، حقيقة ، لابدّ أنّ قنبلة طائشة ، لم تسقط هذه المرة بعيداً ، وإنما سقطت على بيتها بالذات ، وحدث ما حدث .
عادت إلى فراشها ، وتهاوت فوقه متمتمة ، مستنجدة من أعماقها : عبد يابا .
وأغمضت عينيها ، اللتان تكادان تنطفئان ، عبد ، عبد الرزاق ، ابنها الأخير ، جاء على العكس من أخويه الأبرشين ، أبيض البشرة ، أسود العينين والشعر ، لم تصدق عينيها حين ولدته ، وبعد أيام أخذته إلى السطح ، حيث الشمس ساطعة ، ومدت أصابعها المرتعشة القلقة ، وفتحت عينيه ، وحدقت فيهما طويلاً ، وخفق قلبها فرحاً ، إنه طفل طبيعيّ ، وليس أبرشاً مثل أخويه .
عبدته ، عبدتْ ابنها عبد الرزاق ، وكلما كانت تعثر ، أو تفاجأ ، كانت تشهق صائحة : عبد يابا .
وتململت في فراشها ، أين عبد ؟ أين عبد يابا ؟ رأته في أعماقها المتصحرة طفلاً .. صبياً .. يذهب إلى المدرسة ، وظلت ترضعه حتى السابعة من عمره .. ورأته في شبابه .. وأي شباب .. وأنّتْ في كابوسها ، حين صكّ سمعها هدير سيارة ، ثم توقف عجلاتها ، وهي تصرخ مدخنة فوق الإسفلتْ .
واعتدلت في فراشها ، ها هو ابنها عبد ، ينهض من تحت السيارة ، ويُقبل عليها مسرعاً ، يمدّ إليها يديه الشابتين المحبتين ، وتناهىت إليها أصوت تقترب ، ومن أعلى السقف ، فُتحت ثغرة ، أطلّ منها النهار ، فتمتمت بصوت مرتعش : عبد يابا .

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"